; البعد السياسي للحكومة الأردنية الجديدة | مجلة المجتمع

العنوان البعد السياسي للحكومة الأردنية الجديدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 713

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 16-أبريل-1985

  • التشكيلة الوزارية الجديدة جاءت مناصفة بين الأردنيين والفلسطينيين.
  • سياسة التوازن التي يؤمن بها الأردن تملي عليه التوجه نحو سوريا لمنع التدهور الأمني.

مع أن استقالة حكومة أحمد عبيدات كانت متوقعة في عمان منذ عدة أشهر، إلا أن الإعلان المفاجئ لحكومة زيد الرفاعي الجديدة يوم 4 إبريل الجاري فتح المجال لكثير من التكهنات حول مهمة الحكومة الجديدة وأبعادها السياسية.

فما هو مغزى التغيير الوزاري الأردني وفي هذه الظروف بالذات؟

الركود الاقتصادي:

تسليمًا بقاعدة أن أي تغيير حكومي لا بد أن تكون له أسباب داخلية وأخرى خارجية، نسارع إلى القول بأن أهم الأسباب الداخلية للتغيير الوزاري الأردني الجديد، وكما ذكر في كتاب التكليف الملكي ورد الرفاعي عليه، هو تدهور الوضع الاقتصادي في الأردن. وقد تمثل هذا التدهور بانخفاض معدل النمو العام وبروز ظاهرة الركود الاقتصادي والحركة التجارية، بالإضافة إلى زيادة تدخل الدولة في تحديد الأسعار وفرض الرسوم والجمارك.

وقد جاء اجتماع السيد زيد الرفاعي بالقطاعين الصناعي والتجاري بعد تكليفه بالحكومة مباشرة ليؤكد هذا التوجه، بالإضافة إلى تصريحه بضرورة تنشيط حركة الاستثمار وضرورة إعطاء القطاع الخاص دورًا أكبر في الاقتصاد الأردني، وهو ما أشار إليه الملك حسين بشكل صريح في كتاب تكليف السيد الرفاعي برئاسة الحكومة.

وفهم المراقبون أن تعيين الدكتور رجائي المعشر أحد كبار الفعاليات الاقتصادية في عمان وزيرًا للتموين والصناعة والتجارة مؤشرًا على هذا التوجه. وتقول مصادر مطلعة: إن إخفاق حكومة عبيدات بمعالجة الوضع الاقتصادي الذي ركز عليه كتاب تكليفه هو الآخر يعود لطبيعة شخصية عبيدات كرجل مخابرات وعدم كفايته في المجال الاقتصادي، الأمر الذي جعل الملك يتدخل شخصيًا بين فينة وأخرى في تقديم بعض المقترحات.

الفساد الإداري:

السبب الداخلي الآخر لتغيير حكومة عبيدات هو إخفاقها بمعالجة الفساد الذي استشرى في حقبة حكومة مضر بدران، وزيادة امتعاض الشعب الأردني من الروتين الحكومي وسيطرة جهاز المخابرات وهيمنته على كل شيء. ولعل جلسة مجلس النواب التي عقدت علنية لمناقشة هموم المواطن الأردني كانت خير دليل على قلة كفاية وحنكة السيد أحمد عبيدات؛ فقد استطاع البرلمان أن يجعله يوافق على أن تكون تلك الجلسة علنية دون علمه بما سيدور فيها. وقد کرست تلك الجلسة لنقد الحكومة في مجالات كثيرة وخاصة جهاز المخابرات وتجاوزاته ودوره في كبت الحريات ومصادرة الحقوق. هذه الأسباب وغيرها مما لا مجال لذكره هنا أسهمت إلى جانب الأسباب الخارجية والسياسية لتغيير الحكومة الأردنية فما هي هذه الأسباب؟ وما هي الصورة المستقبلية للوضع السياسي الأردني؟

المراقبون المطلعون كانوا يقولون: إن حكومة السيد أحمد عبيدات منذ إعلانها كانت حكومة انتقالية، وقد جاء إعلان تغييرها بعد عام واحد من إعلانها ليؤكد هذه المقولة؛ فحكومة عبيدات وكما قال أحد المراقبين كانت مهمتها الحفاظ على الأمن الداخلي ومحاربة الفساد الذي لم تنجح فيه باعتبار أنها كانت حكومة شباب نزيه.

يتمتع بسمعة شعبية مقبولة، ومن قبيل الإنصاف نقول -وكما أكد لنا مصدر أردني مطلع- إن حكومة السيد عبيدات لنزاهتها المعقولة ولضعفها من جهة أخرى لم تكن مؤهلة لقيادة سفينة التحرك السياسي نحو حل القضية الفلسطينية بالتفاوض المباشر مع حكومة العدو الصهيوني، وهو الوضع الذي تشير تطورات الحركة السياسية على المسرح العربي والدولي إلى أنه الخيار الوحيد المطروح لتسوية القضية الفلسطينية.

خيار التسوية: 

     فالأردن أعلن من جانبه وعلى لسان الملك حسين في اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمان- أنه يرى أن تسوية القضية الفلسطينية يتم عن طريق تحرك أردني فلسطيني مشترك يقوم على مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي يقره قرار مجلس الأمن رقم (٢٤٢) مع المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية. 

     وكما قلنا في أكثر من تحليل سابق فإن ما يدفع الأردن لهذا الموقف الذي يقوم على التوازن بين مواقف الأطراف الأخرى المحيطة ينبع من تخوف النظام الأردني من الأطماع الصهيونية التوسعية بشرق الأردن أو فكرة الوطن البديل للفلسطينيين، كما يتخوف من تعاظم دور النظام السوري، وعرفات من جهته يتخوف من هيمنة النظام السوري على القرار الفلسطيني، خاصة وأنه يوفر الدعم والرعاية لجبهة الإنقاذ المعارضة بقيادة عرفات، كما يخشى عرفات من مسارعة دولة العدو الصهيوني إلى ضم الضفة الغربية وقطاع غزة، والعمل بالتالي على فكرة الوطن البديل؛ أي أن شرق الأردن هي وطن الفلسطينيين كما يدعي قادة الحركة الصهيونية، وكما صرح في الفترة الأخيرة أكثر من مسؤول إسرائيلي، وفي مذكراته قال الرئيس الأميركي السابق كارتر إن المسؤولين الأردنيين أبدوا قلقًا كبيرًا من فكرة الوطن البديل، والمعروف أن الأردن هي الحلقة التالية في المخطط الصهيوني التوسعي، وقد أشار لذلك موشی دایان فور انتهاء هزيمة عام١٩٦٧.

     وقد استخدم النظام الأردني وقيادة عرفات ورقة العلاقات المصرية لتكريس مبدأ التحرك المشترك، وكنا في تحليل سابق قد ذهبنا إلى أن مبادرة مبارك التي رفضها ريغان الخاصة بدعوة للتفاوض المباشر بين وفد أردني فلسطيني مشترك لا يضم ممثلين عن منظمة التحرير، ووفد إسرائيلي برعاية الولايات المتحدة- لم يكن سوى خطوة سياسية لصالح خط التحرك الأردني الفلسطيني الذي تكرس باتفاق حسين عرفات يوم 11 فبراير الماضي. 

     والحقيقة أن التحرك الأردني الفلسطيني قد جرى الإعداد له منذ وقت مبكر في أوائل الثمانينيات، لكنه تأكد وتبلور بعد خروج المنظمة من بيروت، وبعد حصار طرابلس وحرب المخيمات، وقد وجد الأردن من طرفه فرصة عقد المجلس الوطني في عمان سانحة لتأكيد الارتباط الأردني الفلسطيني. 

تغيير لصالح التحرك المشترك: 

    والسؤال الآن هل تعمل حكومة زيد الرفاعي على تغيير القناعة الأردنية بالتحرك الأردني الفلسطيني المشترك؟ وهل إصلاح العلاقة مع سوريا سيكون على حساب هذا التوجه؟ 

     سارع بعض المراقبين إلى التكهن بأن حكومة زيد الرفاعي الذي قيل إنه على علاقة غير طيبة مع عرفات، فيما علاقته مع سوريا وحافظ أسد جيدة، سيعمل على إصلاح العلاقات السورية الأردنية على حساب عرفات، وقال آخرون إن الحكومة الأردنية الجديدة هي من قبيل خلط الأوراق من جديد في الشرق الأوسط للهروب من الفخ الأميركي الصهيوني وانتظار فرص أخرى للمستقبل.

     ونحن نستغرب هذا الرأي؛ لأن النظام الأردني الذي لا تنقصه الشجاعة ولا الصراحة مازال يعرب عن قناعته بخط التسوية، وهو يعلم أنه ليس له بديل من ذلك في ضوء مخاطر التوسع الصهيوني ومخاوف الهيمنة السورية، أما أن يكون تحرك الحكومة الجديدة على حساب عرفات فقول هو الآخر تستبعده. 

     لقد ركز خطاب التكليف الملكي على التضامن العربي في نفس الوقت الذي ركز فيه على التحرك الأردني الفلسطيني على أساس اتفاق ۱۱ فبراير، ولا يملك رئيس الوزراء إلا التقيد بالخطوط العامة التي يضعها الملك. 

     وحكومة الرفاعي توصف بالقوة من عدة وجوه، فشخصية رئيس الوزراء مشهود لها بالحنكة السياسية وقوة ارتباطها بالقصر، كما تملك علاقات جيدة مع الولايات المتحدة؛ حيث درس فيها الرفاعي، وكان تلميذًا لهنري كيسنجر، كما تقلد عدة مناصب دبلوماسية قويت من هذه العلاقة، بالإضافة إلى علاقته مع معظم الدول العربية وخاصة سوريا ورئيسها حافظ أسد. 

     ومن جهة أخرى فإن التشكيلة الوزارية الجديدة جاءت مناصفة بين الأردنيين والفلسطينيين، كما مثلت العائلات العريقة في الضفتين، وهي العائلات التي تعرف بالولاء للقصر، واتسمت التشكيلة الوزارية بالتوازن الإقليمي كذلك، والحكومة بهذه المواصفات تعتبر قوية ومؤهلة لدور أكثر فاعلية، فإذا كانت مشكلة المسؤولين الأردنيين -كما يقول كارتر- هي تمثيل فلسطينيي الضفة والقطاع فإن التشكيلة الجديدة بالإضافة التي تحرك داخل الضفة والقطاع لدعم اتفاق فبراير يحلان هذه المشكلة، والجدال الذي ثار حول تسمية أعضاء الوفد الأردني الفلسطيني المشترك ربما جرى تجاوزه في أثناء زيارة عرفات لعمان في الأسبوع الماضي. 

     ومما يؤيد ما ذهبنا إليه من أن التغيير الوزاري وإصلاح العلاقة مع سوريا لن يكون على حساب عرفات، اجتماعات عرفات مع الملك حسين وزيد الرفاعي التي انتهت بالاتفاق على تشكيل وفدين مشتركين لكسب التأييد العربي والدولي لاتفاق فبراير ٨٥.

     الوفد الأول سيتجه إلى الجزائر لمقابلة الرئيس الشاذلي بن جديد الذي سيزور ريغان قريبًا، والوفد الثاني سيزور موسكو. 

إصلاح العلاقة مع سوريا:

     ومن جهة إصلاح العلاقة مع سوريا تقرر -كما ذكرت وكالات الأنباء- إرسال وفد أردني برئاسة عبد المنعم الرفاعي عم رئيس الوزراء زيد الرفاعي، وأفادت الأنباء أن عرفات اجتمع بالاثنين معًا، كما اجتمع من قبل برئيس الوزراء مرتين. 

     ونحن نعتقد أن السؤال الأهم هو لماذا التوجه الأردني لإصلاح العلاقة مع سوريا؟ لا شك أن سياسة التوازن التي يؤمن بها الأردن تعلي عليه التوجه نحو سوريا لمنع التدهور الأمني الذي يعتقد الأردن بأن وراءه سوريا والمعارضة الفلسطينية، خاصة وأن عملیات مهاجمة الهيئات الدبلوماسية الأردنية وكذلك المؤسسات الوطنية- قد كثرت في الآونة الأخيرة، لكن الأمر يرتبط بصورة الوضع في الشرق الأوسط عمومًا. 

     لقد أصبح واضحًا الآن أن التحرك الأردني الفلسطيني نحو التسوية لم يعد كافيًا بسبب إصرار إسرائيل وأميركا على عدم التحدث مع منظمة التحرير من جهة، ولإصرار أميركا على وحدة الموقف العربي أولًا كشرط لاستئناف دورها في تحريك عملية التسوية، ولقد أشارت أمیرکا سواء من خلال تصريحات المسؤولين فيها، أو من خلال إرسال المبعوثين إلى أن سوريا يجب ألا تغيب عن أي حل في الشرق الأوسط. 

     ومن أجل التسوية الذي لا يملك الأردن في الوقت الحاضر بديلًا لها عليه أن يضم سوريا لها، أو أن يحسن علاقته معها؛ لكي لا تفسد عليه خطته، ولذا أشار خطاب التكليف الملكي لهضبة الجولان بشكل واضح، والإشارة للتضامن العربي تعني الدعوة لانعقاد القمة العربية التي تأجلت، ويؤيد هذا أنباء -إن صحت- عن وساطة سعودية بين الأردن وسوريا لتسهيل انعقاد القمة، فإذا انعقدت القمة فإنها -كما أجمعت على خطة فاس- ستبارك هذه المرة الاتفاق الأردني الفلسطيني وهذا هو المطلوب أردنيًا، وفلسطينيًا، ودوليًا. 

إذا تناسقت المصالح:

      لكن هل ستقبل سوريا بذلك أم لا؟ ليست هنالك أدلة قاطعة في الموضوع، لكن تركيز خطاب التكليف الملكي على وقف الحرب العراقية الإيرانية بدلًا من التأييد المطلق، واحتمال إطلاق يد سوريا من جديد في لبنان للإبقاء على معادلة الحكم المركزي التي تعرضت للخلل بفعل حركة سمير جعجع، تصلح مؤشرات للاستدلال على استجابة سوريا. 

     وإذا أضفنا إلى ذلك أن سر قوة الدور السوري ينبع من تناسق مصالحه مع مصالح العدو الصهيوني -كما قال كارتر في مذكراته-، فإن هذا الدور سيتغير طبقًا للمصلحة المتبادلة، فإذا كانت المصلحة تقضي بتوقيع اتفاقية تسوية شاملة في المنطقة أو «سلامًا تامًا» كما تريد إسرائيل فعندها لن يصعب على المراقب ولا على المواطن العربي أن يفهم أن لعبة الشد والجزر في علاقة الأنظمة بمنظمة التحرير لم يكن الهدف منها غير ترويض قيادة المنظمة للسير في سرب الأنظمة، الذي يجب أن يسلم في النهاية بوجود إسرائيل وإطلاق يدها لتفعل كيفما تشاء في الوطن العربي والعالم الإسلامي. 

     والسؤال في النهاية إذا كانت قيادة المنظمات الفلسطينية تدرك هذه الحقيقة، فلماذا تستسلم لها، بل وتضحي من أجلها في كثير من الأحيان؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 408

95

الجمعة 18-أغسطس-1978

باختصار (العدد 408)

نشر في العدد 401

95

الثلاثاء 27-يونيو-1978

شئون عالمية (401)

نشر في العدد 478

83

الثلاثاء 29-أبريل-1980

صيد الأسبوع