العنوان تركيا.. وأعلن النظام السياسي التسليم الكامل للعسكر!
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1295
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 07-أبريل-1998
في الثامن والعشرين من مارس الماضي انطلقت شرارة حملة جديدة ضد العمل الإسلامي في تركيا تستحق أن تدخل التاريخ ضمن أشرس حملات القمع الفكري والثقافي التي شهدتها البشرية.
في ذلك اليوم اجتمع مجلس الأمن القومي التركي الذي يسيطر عليه العسكريون- وإن ترأس اجتماعاته رئيس الجمهورية، وكان أمامه عدد من الملفات على رأسها ملف منع النشاطات الأصولية.
والأصولية عند عسكر تركيا مفهوم غامض لا تعريف له حتى الآن واجهته «الأشخاص والمنظمات الساعية لاستغلال المشاعر الدينية للشعب في سبيل تحقيق مصالحها السياسية والشخصية»، وحقيقته منع: كل ما يمت لعقيدة هؤلاء الأشخاص والمنظمات حتى ولو كان ذلك يعني هدم أركان الإسلام ومنع كل مظهر له!
ملف النشاطات الأصولية كان متخمًا رغم كل ما اتخذ من إجراءات منذ عام حين اجتمع مجلس الأمن القومي بحضور نجم الدين أربكان رئيس الوزراء آنذاك وزعيم حزب الرفاه الذي جرى حله، وأعلنت وقتها الحرب على العمل الإسلامي في تركيا، فالملف يتضمن:
1. أسماء ٣٠ محافظًا و٢٥٦ قائمقام بزعم كونهم من الأصوليين لأن (۲۳۷ منهم أنهوا المرحلة الثانوية في مدارس الأئمة والخطباء).
2. تقرير عن ٨٥٠ مدرسة خاصة و٥ آلاف دورة تحضيرية وألفي قسم تمول الحركات الأصولية.
3. ثلاثة آلاف وقفية و٣٠ ألف جمعية لها نشاط إسلامي.
وقد أثارت المعلومات الواردة في الملف غضب العسكر واعتبروا أن الإجراءات التي تعهدت حكومة مسعود يلماظ باتخاذها لمكافحة الأصولية ليست كافية.
قبل الاجتماع حاول مسعود يلماظ أن يبدو مستقلًا، غير خاضع للضغوط ودعا قادة الجيش لحصر نشاطاتهم في المجالات العسكرية وحذر من التراجع عن المبادئ الديمقراطية القانونية للدولة، ولكن قادة الجيش لم يعبئوا بتصريحاته وأصدر قادة الأسلحة الأربعة «البرية والبحرية والجوية والدرك» يوم العشرين من مارس الماضي بيانًا باسمهم اعتبر بمثابة إنذار للحكومة وعلى إثره تراجع يلماظ، فحين يتحدث العسكر فلا يسع يلماظ إلا الإذعان، وعليه فقد اجتمع برئيس الأركان إسماعيل حقي قراداي ثم بسكرتير مجلس الأمن القومي أركين جلاسون تمهيدًا لاجتماع الجمعة الحاسم.
▪ جول يشرح الوضع
عبد الله جول أحد نواب حزب الفضيلة في البرلمان التركي ووزير دولة سابق في حكومة أربكان حاول في خطاب ألقاء في البرلمان التركي مجلس الأمة توصيف الوضع الحالي فقال إن مجلس الأمن القومي أصبح يتميز بثقل جناحه العسكري، وأنه أصبح يفرض جميع طلباته على الحكومة «أي أنه أصبح حكومة فوق الحكومة» متجاوزًا بذلك الدستور والقانون، وأشار إلى ما يسمى مجموعة العمل الغربية التابعة لرئاسة الأركان العامة والتي لا تستند إلى أي سند قانوني في نشأتها ولا عملها.
وقال جول إن «الأصولية»، أصبحت تستخدم كورقة بين جهات تخشى ضياع مواقعها وأعاد إلى الأذهان أن هذه الكلمة استخدمت في الماضي من قبل عدنان مندريس عام ١٩٥٠م، وسليمان دميريل- رئيس الجمهورية الحالي-، «عام ١٩٦٨م»، وتورجوت أوزال في الثمانينيات، ثم طرح جول عددًا من الأسئلة المهمة:
- ماذا فعل هؤلاء الأصوليون؟
- هل أعلنوا تحركًا في مكان ما؟
- هل ضبطت معهم أسلحة أو ذخائر؟
- هل حولوا المساجد والجوامع إلى مستودعات للأسلحة؟
- ما عدد المعتقلين بتهمة الأصولية؟
وأخيرًا- كما يقول عبد الله جول في حسرة- فإن القوانين أصبحت تخضع للسياسة، وأعضاء المحكمة الدستورية يحضرون ندوات رئاسة الأركان العامة قبل إصدار أحكامهم القانونية، وباختصار فإنه من المستحيل العثور على نظام ديمقراطي مماثل في أي بقعة أخرى من العالم.
وما لم يقله عبد الله جول هو أن ما يحدث في تركيا صورة بشعة من صور الخداع والتزييف باسم الديمقراطية وبدعوى حماية الدستور، إنها الحالة المتجددة لأولئك المتربعين على السلطة والذين هم على استعداد لتجاوز الدستور تحت زعم منع الآخرين من تجاوزه، والإجهاز على الديمقراطية تحسبًا من أن يأتي الأصوليون ليجهزوا عليها.
▪ الدستور لا يميز العسكر
والأسوأ أن يتم التجاوز من قبل جهات ليست مخولة أصلًا بمنع التجاوز العلمانيون يتحدثون في تركيا عن تجاوز الإسلاميين للنظام العلماني، لكن لا أحد يتحدث عن تجاوز العسكر للدستور والقانون، وتعدى صلاحياتهم فرؤساء البلديات في تركيا منتخبون من الشعب وفق القانون لكن وزارة الداخلية بدعم من العسكر لم تتردد في إقالة عدد منهم بدعوى «ضمان سلامة التحقيقات الجارية بحقهم»، ومن هؤلاء رئيس بلدية «كارتل» ورئيس بلدية يانس شهر وهذان قد انضما مؤخرًا لحزب الفضيلة، كما أقالت الداخلية رئيس بلدية سيرت أروح رغم انتمائه لحزب الطريق القويم بشبهة أنه أصولي!
وربما شملت عمليات الإقالة رجب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول أكبر بلديات تركيا على الإطلاق وسبعة آخرين من رؤساء البلديات تحت الحجة نفسها.
كما تجري الداخلية تحقيقات شاملة للكشف عن توجهات عدد من المحافظين والمسؤولين المحليين لاحتمال انتسابهم الجماعات أصولية، فإن لم يكونوا ينتسبون لها فهم يوفرون لأعضائها الحماية.
أما أدلة ذلك فهي أن بعضهم يؤدي الصلاة أو يذهب للحج أو لأن زوجات بعضهم قد تحجين، وقد أوردت لجنة العمل الغربية أسماء ٢٦ محافظًا مطلوب الإطاحة بهم.
كما بدأت عملية تصفية واسعة النطاق الموظفين كبار لأنهم متدينون، وتتركز الحملة بشكل خاص على وزارات التربية والثقافة والداخلية، وتقول بعض المصادر إن هناك قائمة بأسماء ۱۲۰ موظفًا من كوادر وزارة التربية وحدها مرشحون للطرد من وظائفهم، بعضهم في وظائف عليا «مساعد مدير عام، رئيس إدارة...».
خلفاء مصطفى كمال يرون أن الحفاظ على الإرث العلماني لا يكون إلا بمحاربة الإسلام، أما الجريمة المنظمة والمافيا والفساد المالي والإداري وتجارة المخدرات والانهيار الاقتصادي والتضخم وتدهور قيمة العملة فهذه جميعًا أمور يمكن أن تتأقلم معها العلمانية ولا بأس من استمرارها واستشرائها فهذه لا تمثل خطرًا على الفئة المتسلطة وإنما تنعكس أدرانها على الشعب المسكين وحده.
وحتى تبقى الجريمة في الخفاء، فقد قرر المجلس الأعلى لمحطات الإذاعة والتلفزيون التركي تطبيق عقوبة قطع البث بحق ١٠ محطات تلفزيونية و١٦ إذاعة محلية بدعوى تقديمها برامج دينية أصولية، أما المحطات الرئيسية والصحف العلمانية، فقد تلاقت مصالحها مع الحملة وصفقت لها وباركتها.
العلمانية التركية التي أثارها قرار الاتحاد الأوروبي بعدم النظر في طلب تركيا للانضمام إليه تحولت لتنتقم من التاريخ والجغرافيا من المآذن والقباب.. واللحية والحجاب.. والأسماء والسمات، فهل تستطيع العلمانية أن تلغي ذلك كله وإن فعلت، فبأي ثمن؟
هل تعمد إلى تدمير مساجد إسطنبول السامقة، أم تحرق تراث الدولة العثمانية؟ وماذا تساوي أمة فقدت تاريخها وحاضرها طمعًا في مستقبل أسود كالذي ينتظر بعض الدول الغربية؟!
لقد حاول من قبل لينين وستالين وماوتسي تونج وأنور خوجا وغيرهم من المستبدين، فذهب هؤلاء إلى مزبلة التاريخ، وعادت الشعوب الإسلامية المقهورة إلى عقيدتها، ولن يستثني التاريخ تركيا.
▪ أرقام لا تزعج العسكر
- البطالة: ١٠ ملايين شخص.
- الدين الخارجي: ٨٦ مليار دولار.
- العجز التجاري: ۲۰ مليار دولار.
- متعاطو المخدرات: مليونا شخص.
- شرب الخمر: ۱۷ مليون شخص.
- إدمان الخمر: ٤ ملايين شخص.
- توزيع الثروة: ٢٠٪ من السكان يحوزون 50% من الدخل.
▪ بيان مجلس الأمن القومي.. نص الجزء المتعلق بالنشاط الأصولي من قرارات مجلس الأمن القومي التركي
▪ منع النشاطات الأصولية
تم استعراض المرحلة التي وصلتها التدابير المتخذة والمبلغة للحكومة في اجتماع مجلس الأمن القومي المؤرخ ۲۸ فبراير ۱۹۹۷م ضد النشاطات الأصولية التي تستهدف القضاء على النظام الديمقراطي العلماني المستند على الدستور ومبادئ أتاتورك، وعلى ضوء التقييم الذي جرى بهذا الخصوص.
أ- يعرب المجتمعون عن امتنانهم من عزم وقرار الحكومة على تنفيذ التدابير القانونية والإدارية اللازمة ضد النشاطات الأصولية المعادية للنظام والتعقيبات القانونية التي شرعت بها الأجهزة العدلية في نطاق القوانين المرعية والحساسية التي أبدتها جماهير الشعب والصحافة والبرلمان في مجال الدفاع عن تعاليم أتاتورك ومبادئ الديمقراطية والعلمانية ضد زمرة صغيرة تروم جر الشعب التركي إلى ظلام الرجعية.
ب- تم التأكيد على تواجد بعض الأشخاص والمنظمات الساعية وراء استغلال المشاعر الدينية المقدسة للشعب في سبيل تحقيق مصالحها السياسية والشخصية وذلك بإظهار التدابير القانونية المتخذة ضد النشاطات الأصولية المعادية للنظام وكأنها تدابير متخذة ضد الدين الإسلامي.
ج- اتفقت وجهات النظر تمامًا على أن المتدينين الحقيقيين الذين يشكلون قطاعات واسعة من الشعب التركي يمارسون وبدون أي قيود حرية العبادة الممنوحة لهم بموجب الفقرة ٢٤ من الدستور التركي بشرط التقيد بمبدأ العلمانية الذي يعتبر أساس الديمقراطية ويمنع تدخل المعتقدات الدينية في شؤون الدولة.
د- يشدد المجتمعون على أن حماية الجمهورية التركية التي تعتبر أكبر أمانة تركها الزعيم الخالد أتاتورك للشعب التركي والمبادئ الأساسية الواردة في الدستور هي مهمة كافة مؤسسات الدولة وجميع مواطنيها دون تقديم أي تنازل بهذا الصدد مهما كان ضئيلًا، ويؤكدون وجوب تجنب كل ما من شأنه إيذاء مشاعر الأوساط المتدينة عند تنفيذ التدابير القانونية والدستورية المتعلقة بمكافحة النشاطات المعادية للنظام ومواصلة تدابير المكافحة المذكورة داخل إطار المبادئ الديمقراطية وقواعد دولة القانون العلمانية.
ه- وبجانب هذا فليس بخاف أن إبداء التسامح النشاطات بعض الأشخاص والمنظمات التي تنتهك القوانين بشكل صريح أو خفي من شأنه تشجيع هذه الجهات على التمادي في مواقفها لذا فقد اتفقت وجهات النظر على ضرورة تنفيذ القوانين المرعية بحزم وإسراع مجلس الأمة (البرلمان) بالمصادقة على التغييرات الجارية في الأحكام القانونية ولوائح القوانين الجديدة المتعلقة بمكافحة النشاطات المعادية للنظام.
ويلاحظ أن البيان حفل كالمعتاد بالمغالطات وحاول الزعم بأن ما يحدث ليس حربًا على الإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل