العنوان تركيا والانتخابات العامة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 844
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 24-نوفمبر-1987
تجري الانتخابات العامة في تركيا في الأول
من تشرين الثاني من الشهر المقبل بين جميع الأحزاب المشتركة في الانتخابات، وقد اضطرت
الأحزاب المناوئة -للحزب الحاكم- قبول دخولهم الانتخابات بعد أن جمع «تورغوت أوزال»
رئيس حزب آنا وطن «الوطن الأم» ورئيس الوزراء في تركيا حاليًا جماعته في المجلس، وقرر
-بما يحتمل حزبه أكثرية المقاعد في المجلس- خوض الانتخابات العامة حسب ما ابتكروه من
النظام الجديد للانتخابات.
الأحزاب والنظام الجديد للانتخابات
لقد صير رئيس الوزراء تورغوت أوزال قانون
الانتخابات وصاغه بحيث فتح لحزبه الباب الأوسع لكسبه في الانتخابات، وقد أقام سدًّا
عاليًا -لا يقتحم- أمام الأحزاب الصغيرة، فأزال دواعي الأمل لكسبهم في الانتخابات،
بحيث أوجب على كل حزب من الأحزاب جمع ما لا يقل عن عشرين بالمئة من الأصوات في كل محافظة
وما لا يقل عن عشرة بالمئة على الساحة التركية عامة، وإلا لا يستطيع أي حزب تكوين جماعة
ضمن المجلس. لذا غدت تلك الأحزاب أحزابًا بالاسم والشعارات لا بالواقع والحقيقة، فحللت
الأوساط المعنية مثل هذه التصرفات على أنها إخلال بالديمقراطية التركية، وسوق لها نحو
حكم الحزب الواحد وإدارة شخصية وفردية لا غير.
فالأحزاب والأوساط المخالفة للحكم تنفي
ما اتخذه الحزب الحاكم من القرار حول عدم إمكانية تكوين جماعة ضمن المجلس بالحصول على
الأصوات بنسبة (%19)، بل وتراها بعيدة كل البعد عن روح الديمقراطية، بل لا ترتبط معها
بصلة.
الأحزاب اليمينية والأحزاب اليسارية
بدأت الأحزاب تزيد نشاطها وتتهيأ للواحد
من تشرين الثاني المقبل، ففي اليمين هناك خمسة أحزاب، وفي اليسار هناك حزبان أحدهما
حزب الشعب الديمقراطي SHP
وحزب إليسا الديمقراطي DSP، فالأول يترأسه ابن «عصمت إينونو» البروفيسور
«أرلدال أينونو»، والثاني يترأسه «لند أجريت» رئيس حزب SHP سابقًا. على الرغم مما يبذله الطرفان من المحاولات
وما يتشبثان به من الحلول، فإن اتحاد الحزبين وائتلافهما أمر عسير جدًّا، لذا يجب على
كل من الرئيسين أن يجرب قوته في الانتخابات وحده.
أما الأحزاب اليمينية فهي كالآتي: حزب «آنا
وطن»، الحاكم وحزب الطريق المستقيم DY، وحزب الملي العامل MGP، وحزب الرفاه، وحزب الإصلاح الديمقراطي. فالنزال الحامي سوف يتم أساسًا
بين حزب «آنا وطن» الذي ترأسه تورغوت أوزال وحزب «الصراط المستقيم» الذي قد يرأسه «سليمان
دميرال»، أما الأحزاب الباقية فالحزب الملي العامل لـ«توركيش» المعروف بميله العنصري
العرقي، وحزب الرفاه الذي يترأسه «أحمد تكدال»،
وحزب الإصلاح الديمقراطي ليس لها أي خيط أمل يتراءى في الأفق، وسوف لا تؤثر هذه الأحزاب
على سير الانتخابات تأثيرًا يذكر، فنسبة أصواتها جميعًا في تركيا اليوم هي 6-7% والحقيقة أن هذه النسبة نسبة لا اعتبار لها في ميزان
الانتخابات. هذا وإن الغالبية العظمى من حزب «العنصري» و«حزب السلامة» تحافظ اليوم
على موقعها ضمن بنية الحزب الحاكم، وقد انهارت قواهما وضعفت قواعدها بحيث مالت إلى
الانصهار في حزب آنا وطن الحاكم.
فمنذ أن ترأس سليمان دميرال حزب الطريق
المستقيم أصبح موقف أوزال محرجًا أيما إحراج، فانتابه القلق والخجل تجاهه، ذلك لأن
دميرال هو الذي جعله مستشارًا له وأتاح له الفرصة. بينما قد خانه أوزال بتعاونه مع
الجهات التي قد خلعته عن منصبه -منصب رئيس الوزراء- عنوة، فكل هذه الأمور تعد من تعاسة
حظ «أوزال» في الانتخابات. وكذلك له أعمال أخرى تزيد حظه تعاسته ألا وهي مشكلة «الحجاب»،
فحكومته التي تستطيع تبديل القوانين الهامة تحت جنح ظلام الليل وبسرعة خاطفة سكتت في
قضية الحجاب والنقاب، فغدت آلاف من الأخوات الطالبات وأبعدن عن مدارسهن بحجة أنهن مرجعيات
يلبسن النقاب، هذا ما استنكرته الأوساط الإسلامية، لقد حدثت كل هذه الاعتداءات ولم
يلق أوزال كلمة مقنعة بهذا الخصوص، ولم يحلل أسباب ذلك. بل إنه طالب الطالبات اللواتي
يلبسن النقاب وأوصاهن أن يخلعن النقاب، كي يستطعن الاستمرار في تكملة دراستهن في المدارس
والجامعات. وقد أزعج فعله هذا الناس كثيرًا.
إن نسبة الطاقة الكامنة من الأصوات لـ«سلیمان
دمیرال» هي أكثر من 30%، والنسبة هذه كفيلة أن تجعل حزبًا حسب نظام الانتخابات الحالية
حاكمًا على البلاد، كما لا يخفى أن حزب الطريق المستقيم حزب له ماض مديد، فهو دوام
حزب الديمقراطي لعدنان مندريس وحزب العدالة، وقد ضم الحزب في بنيته أعضاء جدد وانتمت
إليه كوادر بأعداد كبيرة، كما أن هناك كتلة من الإسلاميين يرجحون هذا الحزب على باقي
الأحزاب، ويرون فيه الخير أكثر من غيره في الظروف الراهنة، وكذلك أن رئيس الحزب سليمان
دميرال محظوظ من عدة نواحٍ، منها: أن الشعب یسانده، فهو أول من عارض ووقف حيال محاربة
النقاب، وصرح علنًا أن محاربة النقاب والحجاب لا ينسجم مع حقوق الإنسان وحريته في المجتمع،
هذا وإنه لم يحدث أيام حكمه أمثال هذه الاعتداءات على معتقدات الشعب وحرية اختيارهم
الزي الذي يرغبونه ويرضون به ربهم. ولم يحظر ارتداء الطالبات الحجاب الإسلامي في مختلف
الكليات والمدارس. وهناك نقطة أخرى لصالح «دميرال» وهي مساندة الشعب له وإتيانه للحكم
مرتين على رغم الاحتلالات العسكرية التي خلعته مرتين من منصبه، فهو مظلوم عوقب وغدر
به، لذا يدرك الشعب مسؤوليته تجاهه، فهو أول رئيس وزراء في تركيا يذهب -بسيارته الرسمية-
لأداء صلاة الجمعة، وهو الذي أعطى حرية الحركة والدعوة الإسلامية، فتنفست الحركات الإسلامية
في زمانه الصعداء، وقد أتاح الفرص لفتح ما يعادل أكثر من ثلاثمائة مدرسة من المدارس
للأئمة والخطباء، التي تستوعب الواحدة منها أكثر من ألف طالب وطالبة، وطالب الجهات
الرسمية بالسماح لطلبة الأئمة والخطباء المتخرجين الراغبين أن يكملوا دراستهم في المدارس
العسكرية، وقد اتهمته الأحزاب اليسارية جزاء أفعاله هذه بالرجعية، حتى إن «عصمت أنونو»
رئيس حزب الشعب سابقًا اتهمه على أنه «خليفة» لرائد الحركة الإسلامية في تركيا الأستاذ
«بديع الزمان سعيد النورسي».
وهكذا تتهيأ الأحزاب للانتخابات العامة
تحت هذه الشروط والوقائع والنتيجة مازالت مجهولة، فلا يمكن الحكم عليها بصورة قاطعة،
ولكن يمكن القول إن حكومة «أوزال» تسخر جميع إمكانات الدولة من الأئمة والخطباء لصالحه
ولا يمر يوم إلا ويستغل الدعايات الإعلامية له، وليس لـ«دميرال» إلا الاعتماد على شعبيته
ليس إلا.. إذن فلننتظر النتائج ولنرَها معًا في الانتخابات القادمة إن شاء الله.