العنوان تركيا ومصر.. هل بات الاتفاق وشيكاً؟
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الخميس 01-أبريل-2021
مشاهدات 93
نشر في العدد 2154
نشر في الصفحة 38
الخميس 01-أبريل-2021
حالة العالم الإسلامي
- بعد ثورة يناير راهنت أنقرة على تحالف وثيق مع القاهرة لتأسيس نظام إقليمي ديمقراطي مختلف.
- بعد 3 يوليو2013م بدت مصر منخرطة ضمن محور إقليمي مواجه لتركيا في معظم الملفات.
- رغم أن القاهرة قابلت معظم التصريحات التركية بالصمت فإنها تناغمت عملياً مع مسار التهدئة الجديد بين البلدين.
- الاتفاق يمثل مصلحة حيوية للبلدين بمواجهة اليونان وتطبيع بعض الدول مع «إسرائيل» وتناغماً مع «بايدن».
- احتمالية توصل الطرفين لمصالحة شاملة تبدو أقل حظاً وأضعف فرصاً في المدى المنظور.
بعد ثماني سنوات من القطيعة الدبلوماسية بين البلدين، يبدو أن العلاقات بين مصر وتركيا تسير نحو مرحلة مختلفة، بعد تواتر تصريحات تركية تتحدث بإيجابية عن العلاقة مع مصر وشعبها، إضافة لخطوات عملية فُهِمَتْ في إطار بناء الثقة بين الجانبين.
السمة الأبرز للعلاقات بين البلدين هي التنافس، كان ذلك هو الوضع منذ عقود، وما زال؛ فقد مضت فترة الحرب الباردة في معظمها والبَلدان في معسكرين متواجهين، ولعل الحدث الأبرز بينهما كان وصولهما لحافة الحرب عام 1958م في عهد الجمهورية العربية المتحدة.
في السنوات التي سبقت الثورة بمصر، حصل دفء نسبي في العلاقات، في مرحلة أتقنت فيها أنقرة الدبلوماسية الشعبية واعتمدت القوة الناعمة ونسجت علاقات متوازنة مع جميع الأطراف في المنطقة على قاعدة الربح للجميع.
لكن الثورة المصرية في عام 2011م قلبت الأمر رأساً على عقب، حيث تخلت تركيا عن سياستها المتحفظة، وانخرطت سريعاً في الحدث الأبرز والأكثر تأثيراً في المنطقة -الثورات- متبنية موقفاً داعماً للثورة وضاغطاً على «مبارك» مبكراً جداً.
مباشرة بعد تنحي «مبارك»، كان الرئيس آنذاك «عبدالله غل» أول رئيس دولة يزور مصر ويلتقي مختلف القوى بل والتجمعات الشبابية، ثم كانت زيارة رئيس الوزراء آنذاك «رجب طيب أردوغان»، بداية عام 2012م، مع وفد كبير من رجال الأعمال، لتدشين مرحلة جديدة من التعاون بين القوتين الإقليميتين.
راهنت أنقرة على تحالف وثيق مع القاهرة يمكنه أن يؤسس لنظام إقليمي مختلف، تحالف أسماه وزير خارجيتها في حينها «أحمد داود أوغلو» «تحالف الديمقراطية»، لكن ذلك المسار لم يعش طويلاً بعد أن اصطدم بالانقلاب العسكري في عام 2013م.
أدى الموقف التركي الحاد من انقلاب الثالث من يوليو إلى قطيعة بين البلدين، بدأت دبلوماسية ثم تأثرت بها العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما، لاحقاً، مع إعادة تشكل المحاور والاصطفافات بالمنطقة، وقف الجانبان على طرفي نقيض في معظم قضايا المنطقة، وبدا وكأن مصر قد انخرطت ضمن محور إقليمي مواجه لتركيا في معظم الملفات الإقليمية وخصوصاً شرق المتوسط.
بعد الانقلاب الفاشل في تركيا صيف 2016م، انتهجت أنقرة سياسة «تكثير الأصدقاء وتقليل الخصوم»، وبدأت في تدوير زوايا الخلاف مع عدد من الأطراف الإقليمية، وقد كان لافتاً تراجع حدة الخطاب الرسمي التركي تجاه النظام المصري في السنوات القليلة الأخيرة، بالتوازي مع تنامي التجارة البينية بينهما وتحدثت بعض التقارير عن لقاءات حصلت بين الجانبين.
إشارات التهدئة:
قبل عدة أسابيع، تحدث وزير الخارجية التركي «مولود تشاووش أوغلو» عن لقاء جمعه بنظيره المصري «سامح شكري»، توافقا فيه على ضرورة وضع خريطة طريق لتحسين العلاقات بينهما، وعلى أن تكون أولى الخطوات العملية امتناعهما عن الإضرار ببعضهما بعضاً في المنابر الدولية.
بعد ذلك لفت الأنظارَ تراجُعُ حدة الاستقطاب بينهما في ليبيا التي كانت قد شهدت تصعيداً ملحوظاً بينهما سابقاً، وصلت إلى تهديد القاهرة بالتدخل العسكري المباشر إذا ما تخطت أنقرة «خطوط مصر الحمراء» فيها، تراجُعُ حدة التصريحات رافقه تنسيق بين البلدين، تحدثت عنه عدة تقارير، بخصوص الحل السياسي وانتخابات المجلس الرئاسي التي جرت برعاية الأمم المتحدة، بعد أن كانت مصر غيّرت سلوكها الميداني والسياسي وخصوصاً تجاه حكومة الوفاق الوطني.
لاحقاً، تواترت تصريحات تركية عديدة من مختلف الشخصيات القيادية (وزيرَيْ الخارجية والدفاع والناطقيْن باسم الرئاسة والحزب الحاكم وصولاً للرئيس «أردوغان») تمتدح «العلاقات التاريخية بين الشعبين»، وتتحدث عن رغبة بلادهم في «فتح صفحة جديدة في العلاقات» مع مصر، وكذلك مع دول الخليج العربي.
هذه التصريحات أتت بعد خطوات عملية من القاهرة قرأت فيها أنقرة رسائل إيجابية تجاهها، حيث تجنبت الأولى إقحام مناطق متنازع عليها بين اليونان وتركيا (تعدُّها الأخيرة حقاً لها) في مناقصات لشركات عالمية للتنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسط، وقد أتى ذلك بعد توقيعها اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية جزئياً مع اليونان، دَعَمَ السردية التركية أكثر من اليونانية فيما يتعلق بحقوق الجزر الصغيرة (أكثر النقاط الخلافية بين أنقرة وأثينا)؛ وعليه، ورغم أن القاهرة قابلت معظم التصريحات التركية بالصمت، وأحياناً بتصريحات غير محددة المصدر لبعض وكالات الأنباء، فإنها عملياً كانت تتناغم مع مسار التهدئة الجديد بين البلدين.
بعد ذلك دخلت الدولتان في مرحلة يمكن تسميتها استئناف العلاقات الدبلوماسية -بعد مرحلة التهدئة- وهو ما أكده «تشاووش أوغلو» ولم تنفِه القاهرة بشكل رسمي ومباشر، ولئن كانت هذه المرحلة تحتاج خطوات بناء ثقة مختلفة عن السابق، فقد ذهب الجانبان لتفاهم ضمني بتخفيف حدة التراشق الإعلامي، فتراجع مستوى وَحِدَّةِ التناول المصري للشأن التركي في وسائل الإعلام المحسوبة على النظام المصري، كما ألزمت أنقرة الإعلام المصري المعارض الذي يبث من أراضيها بتخفيف لهجته وضبط أداء برامجه السياسية التزاماً بما سمي «ميثاق الشرف الإعلامي».
المستقبل:
بعد مرحلتَيْ التهدئة واستئناف اللقاءات الدبلوماسية، يفترض أن تكون المرحلة المقبلة بين الجانبين فكرة توقيع اتفاق بينهما لتحديد الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لكل منهما، على غرار الاتفاق التركي الليبي، اعتماداً على جملة من المتغيرات التي تدفع الطرفين لبناء مسار جديد مختلف بينهما.
ففي المقام الأول، يمثل اتفاق مشابه مصلحة حيوية لكليهما في مواجهة اليونان التي تريد الاستئثار بالحصة الكبرى من ثروات شرق المتوسط، كما أن الجانبين أدركا أن التفاهم والتنسيق بينهما ممكن أولاً ومفيد لهما ثانياً، كما حصل في الملف الليبي مؤخراً.
محلياً، لم يعد لدى النظام المصري هاجس متعلق بالشرعية الداخلية والخارجية ولا بقيت المعارضة تشكل تحدياً له، مقابل تطورات تركية داخلية -في مقدمتها الاقتصاد- تدفع حكومتها لتخفيف التوتر في ملفات السياسة الخارجية والبحث عن شركاء في ملف شرق المتوسط تحديداً، الذي بات يمثل أولوية تتمحور حول الأمن القومي وأمن الطاقة.
إقليمياً، الجانبان غير سعيدين بمسار تطبيع بعض الدول العربية علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وخصوصاً مصر التي يخصم ذلك من أدوارها الإقليمية ويضعف من أهمية قناة السويس اقتصادياً، ويدركان ارتدادات المصالحة الخليجية وتطورات الأزمة الليبية على كل منهما، كما أن انتخاب «بايدن» -دولياً- دفعهما لإعادة ضبط إيقاع سياساتهما الخارجية وتهدئة بعض الملفات.
كل ما سبق لا يعني أن توقيع اتفاق بحري بينهما بات وشيكاً وأنه دون عقبات، بل تمثل أمامه تحديات عديدة، في مقدمتها العلاقات المصرية اليونانية، وشبكة تحالفات مصر الإقليمية، وما خلفته السنوات الثماني الماضية من تراكمات قد يصعب تخطي بعضها دون إرادة سياسية واضحة وخطوات متزامنة من الجانبين؛ وعليه، ومع تكرار أنقرة دعوتها للقاهرة لتوقيع الاتفاق، يمكن القول: إن الكرة في ملعب الأخيرة.
وإذا كان الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية لا يبدو خياراً سهلاً ولا متوقعاً قريباً جداً، فإن احتمالية توصل الطرفين لمصالحة كاملة شاملة تبدو أقل حظاً وأضعف فرصاً في المدى المنظور، ولا يمكن توقع حصول ذلك إلا في حالة حدوث تغيرات جذرية في منظومة الاصطفافات الإقليمية، خصوصاً على صعيد العلاقات بين أنقرة والرياض، وهي التي وردت حولها بعض المؤشرات مؤخراً لكنها لم تصل بعد لمرحلة يمكن توقع حدوث متغيرات كبيرة بخصوصها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل