; تركيّا تُخيف الغرب.. ثانية | مجلة المجتمع

العنوان تركيّا تُخيف الغرب.. ثانية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 830

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 18-أغسطس-1987

● منذ نشأ حزب السلامة التركي قفزت الشؤون التركية إلى صدر عناوين الصحافة في الغرب.

ما الذي يشد الغرب ويجذب أنظاره إلى تركيا؟ ولماذا يكون التركيز الإعلامي مُسلطًا إلى هذا الحد على ما يدور في تركيا من أحداث بين الآونة والأخرى في كُبريات الصحف العالمية؟ وهل ينبع هذا الاهتمام بـ«رجل أوروبا المريض» كما كانت تُسمى تركيا في عهد الخلافة العثمانية من حُب الغرب لتركيا، أم إنها عقد الماضي وخوف قديم يتجدد كلما علا صوت الإسلام في تركيا من جديد، وابتدأ نداء العقيدة يتململ في الشارع التركي.!

منذ أن نشأ حزب السلامة التركي على يد نجم الدین أربکان، قفزت الشؤون التركية إلى صدر عناوين الصحافة في الغرب، فقبل ذلك لم تكن الحوادث اليومية وحوادث القتل السياسي والإضرابات الجامعية أو أخبار الأزمات الاقتصادية الخانقة في عهد إيتشفيت وديميريل تحتل أي مساحة اهتمام أو تغطية إعلامية واسعة.. لكن تأسيس حزب إسلامي في أوائل السبعينيات واكتساب هذا الحزب لمزيد من التأييد الشعبي بدأ يقلق الغرب بصورة جدية، مما استدعى المزيد من الاهتمام بهذه الظاهرة في دولة علمانية كانت فيما مضى دولة ذات نفوذ ديني وعسكري واسع في القارة الأوروبية والعالم العربي. فلم يكن أحد يتخيل أن تركيا التي قطعت صلاتها بالدين منذ عهد كمال أتاتورك وتحولت بدرجة ۱۸۰ عن الإسلام وتراثه، بل وحتى حروف اللغة العربية والملبس والحجاب، لترتدي القُبعة والملابس الفاضحة وتكتب بالحروف اللاتينية يمكن أن تعود تدريجيًا إلى الإسلام. لكن سرعان ما انتشرت اللحى المتدينة، والحجاب في الشارع التركي، وبداأن القلق الغربي قد كبر حجمه من هذه الظاهرة التي قد تهدد الأمن القومي للقارة الأوروبية. وبدا أن أوروبا تخاف لحى الإسلاميين أكثر بكثير من لحى الشيوعيين الأتراك!

أمثلة للاهتمام المُبكر بصحوة المسلمين:

وقد بدأ هذا الاهتمام المُبكر يظهر في الصحف البريطانية والأمريكية أولًا.. ففي عددها الصادر في ١٠ نوفمبر ۷۸ قالت صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان «العالم على أبواب تحرك إسلامي لن تفلت دولة من بصماته، وقالت: «في كافة أرجاء العالم الإسلامي بدأت تتجلى بوادر تحرك من نوع جديد سوف يترك بصماته في مختلف الدول.. وفي تركيا ومصر ابتدأ هذا التحرك يهدد زعامة بولنت إيتشفيت وأنور السادات».. أما مجلة الإيكونومست البريطانية الصادرة في ٢٧ يناير ۱۹۷۹، فقد قالت في مقالة لها تحت عنوان «صحوة القرن الخامس عشر الهجري - المسلمون يطالبون بالعودة إلى جذورهم»: «وفي تركيا استغل حزب السلامة مسألة المنع التي كان أتاتورك قد فرضها على أداء فريضة الحج لتصل إلى السُلطة» وأكثر ما كان يقلق هذه المجلات والصحف كون هذه الظاهرة عالمية ومنتشرة في شتى أرجاء العالم الإسلامي.. وبرغم من أن هذه الصحف ركزت على الانتخابات التركية في تلك الفترة، وحاولت المخابرات الأمريكية جهدها لتزوير نتائج الانتخابات في المرة التالية من خلال محطتها في أنقرة، إلا أنها لم تستطع أن تتجاهل المد الإسلامي الذي يوشك على اكتساح تركيا وخطورة ارتباطه بالعالم الإسلامي.. فقد كان من أفكار حزب السلامة إعادة مظاهر الدين إلى تركيا وتحكيم الشريعة الإسلامية والكتابة بالحروب العربية، وربط تركيا بالبلاد الإسلامية والعربية وقطع العلاقات التركية مع إسرائيل.. كما أن رئيس حزب السلامة «أربكان» قد شجع على إقامة صناعات ثقيلة في تركيا وخاصة صناعة السلاح والدبابات،وافتتح أول مصنع لذلك، وقد اجتهد الغرب في فرض إغلاقه على تركيا. وكان من ضمن الظواهر التي أغاظت الغرب كذلك قيام أربكان أثناء وجوده في نيابة الوزارة بإمامة قيادة الجيش التركي في صلاة الفجر قبل غزوهم للجزيرة القبرصية ومواجهة اليونان هناك وهي عادة عثمانية قديمة!! وبدا في ذلك الوقت أن اليهود في الأرض المُحتلة في فلسطين كانوا أشد ضيقًا من غيرهم بهذه المظاهر الإسلامية التي باتت تحوطهم من كل جانب حتى في تركيا تحت الحُكم العثماني مما يهدد مصيرها ووجودها.

وقد حاول اليهود الضغط على الحكومات التركية المتعاقبة للقضاء على حزب السلامة، لكن إيتشفيت وديميريل لم يستطيعا فعل شيء خوفًا على شعبيتهما في الشارع التركي. أما أقصى ما فعله بولنت إيتشفيت لإرضاء الأمريكيين هو إعادة فتح بعض القواعد الأمريكية التي كانت أغلقت من قبل للخلاف على جملة أمور من بينها مسائل اقتصادية. لكن الأمريكيين استغلوا الأوضاع السياسية التركية لتصعيد العنف المسلح في الشارع التركي إلى حد الغليان، مما مهد آخر الأمر لتدخل العسكر.

يقول «نيلوسر يالسن» المعلق التركي السياسي في جريدة مليت، إحدى الصحف الرئيسية في تركيا: «في تركيا كما لا يحدث في أي بلد في العالم تبدو القوات المسلحة مصدرًا للإصلاح، ولحفظ المبادئ الأساسية فما أن يشعر الجيش أن البلاد قد انحرفت عن مسار أتاتورك حتى يتدخل ليعيدها إلى ذلك المسار».. 

وكأي دولة تعاني من أوضاع اقتصادية سيئة، فإن الجميع حاولوا أن يعدوا تركيا بتحسين الأوضاع الاقتصادية لكن أحدًا من الزعماء السياسيين لم يستطع أن يلمس الأوتار الإنتاجية الحساسة وسياسة النفس الاقتصادي الطويل كما فعل «أربكان» إذ إن معظم السياسيين الآخرين اعتمدوا على المزيد من القروض والديون.. لكن الانقلاب العسكري في عام ١٩٨٠ حظر الأحزاب القديمة كلها بما فيها «السلامة».

الشرق أو الغرب المهم حل الأزمة الاقتصادية:

والحقيقة أن الأزمة الاقتصادية تستأثر باهتمام الحكومة التركية البالغ، إذ إن جهود تورغوت أوزال تكاد تكون كلها منصبة في حل المعضلة الاقتصادية لبلاده، فهو ينشط شرقًا وغربًا لحل الأزمة الخانقة، فتارة مع تنشيط التجارة التركية العربية والسوق الإسلامية المشتركة، وتارة مع العلاقات التركية الأوروبية ودخول السوق الأوروبية المشتركة، وكأنه يحاول الاستفادة من كون الجغرافية التركية منقسمة ما بين أسيا وأوروبا أو كونها ذات تاريخ إسلامي وحاضر علماني.. ولا يكاد يَمُر عام من الأعوام إلا ويكون للمسؤولين الأتراك زيارتان، واحدة شرقية والأخرى غربية.. ولقد ساهمت هذه التحركات النشطة في تحسين الأوضاع بشكل ملموس منذ عام ٨٠ وحتى الآن لكنها لم تقتلع الأزمة من الجذور.. إلا أن المُحزن في الأمر أن المسألة تبدو أن الذي يستطيع أن يحل أزمة تركيا الاقتصادية هو الذي يستأثر بهويتها المستقبلية: إن كان الشرق فشرقية أو كان الغرب فغربية.

وقاحة الإكسبرس الفرنسية:

وقد اهتمت الصحف الغربية بمسألة الطلب التركي للانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، وخاصة أن الحكومة الحالية تحاول لعب هذه الورقة لتعزيز موقفها في الانتخابات القادمة في عام ۱۹۸۸، فتناولتها مجلة الإكسبرس الفرنسية بطريقة وقحة في مايو ۱۹۸۷ فقالت تحت عنوان: «الإسلام عَقبة أمام انضمام تركيا للسوق الأوروبية» ما يلي من مقتطفات: «تلخص الروايات الأوروبية القديمة مخاوف سكان أوروبا منذ ثلاث قرون في ثلاث كلمات: الوباء، الذئب، والتركي!» «على أن العراقيل في وجه تركيا للانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة كبيرةومُعقدة، وهي تتمثل في العلاقات التركية اليونانية وفي حقوق الإنسان وفي بعض مظاهر التخلف وفي الإسلام»، وقد بلغت المجلة الفرنسية حدها في الوقاحة عندما جعلت الإسلام في مرتبة أدنى من التخلف. وأوقح منه سؤال مندوب مجلة النيوزويك في تركيا، اليهودي تيودور ستانجر، لرئيس الوزراء التركي تورغوت أوزال، في عدد ٧ يوليو ١٩٨٦ عندما استفسر منه قائلًا: «هل يعتبر نمو الأصولية الإسلامية مشكلة في تركيا؟» وكأن تركيا يجب أن تكون بلا إسلام.

خوف غربي من تركيا المسلمة:

ولا شك أن الغرب يقلقه أي بروز للنزعة الإسلامية في تركيا بثقلها البشري والجغرافي والسياسي والعسكري، رغم مشاكلها الاقتصادية.. فعدد سكانها الخمسين مليون سيرتفع إلى ٨٠ مليون من البشر في نهاية القرن مما سيجعلها تفوق فرنسا أو ألمانيا في الكثافة السكانية، كما أن جيشها المكون من ٦٠٠ ألف رجل مدرب ومجهز على أفضل وجه يحتل المرتبة الثانية لجيش الولايات المتحدة في حِلف الأطلسي.

كما أن موقعها الفريد بين أوروبا وأسيا وإشرافها على مضيقين مهمين يتحكمان بتدفق سيل الأسطولين التجاري والحربي للاتحاد السوفيتي من البحر الأسود إلى المياه الدافئة هما: البسفور والدردنيل، وكونها عضوًا في حِلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى تاريخها المرعب لأوروبا، كل هذا يبعث القلق في النفس الغربية ويجعلهم يحسبون الحساب لأي تحرك إسلامي في الشارع التركي ولأن تركيا مركز ثِقل مهم ورأس مثلث الخطر على اليهود في الشرق «تركيا - مصر - سوريا».

وبرغم الحقد الغربي والقلق المتزايد ومحاولات التأثير الغربية على تركيا، فإن الحجاب لا زال يحظى بالاحترام لدى قطاعات كبيرة من الشعب التركي خاصة في الأقاليم البعيدة عن إستانبول وأنقرة، كما أن الـ «قرآن كورسو» -دروس القرآن- لا زالت تجذب أعدادًا متزايدة من الشباب التركي الذي يبحث عن الجذور والهوية في زحام التاريخ الحديث وقومية الذئب الأغبر، ولا يجدها إلا في ظِلال العقيدة والتاريخ العثماني المجيد.

الرابط المختصر :