; ترويج المنكرات بين الأسياد قديمًا.. و«المجتمع» حديثًا | مجلة المجتمع

العنوان ترويج المنكرات بين الأسياد قديمًا.. و«المجتمع» حديثًا

الكاتب الشيخ مهلهل الياسمين

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

نقو ش على جدار الدعوة

الابتعاد عن الصراط المستقيم ليس جديدًا على البشرية، فمنذ أن امتنع إبليس عن تنفيذ أمر الله لملائكته بالسجود لآدم، مدعيًا ما حكاه عنه القرآن الكريم ﴿أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ﴾ (الأعراف: ١٢)، منذ ذلك الحين والابتعاد عن الصراط المستقيم يتم بصورة دائمة كاملة تتمثل في المشركين الذين يصرون على إشراكهم بالله حتى يأتيهم الموت، أو يتم بصورة جزئية متقطعة تتمثل في أصحاب المعاصي والآثام من المسلمين، الذين قد يتوبون توبة نصوحًا من جرمهم وآثامهم، فتمحو هذه التوبة آثار السيئات وتزيل أوزارها: ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ﴾ (هود: ١١٤).

وفي داخل هذه الصورة الجزئية تحدث آثام كثيرة، وانحرافات خطيرة، ليست هي الأخرى جديدة على البشرية، فمنذ أن حلت المصيبة بالقرية التي أمطرت مطر السوء والانحراف عن الفطرة السوية يأخذ مجراه بين البشر يتسع حينًا ويضيق حينًا بحسب الأقوام وما يعتقدون في قلوبهم، وما يكون من توجيه للسلطة الشرعية أو القانونية على حياتهم وسلوكهم، فالبلاد غير الإسلامية تقر وتعترف وتشجع كثيرًا من مظاهر الانحراف، بل إنها تحاول أن تصدر القوانين التي تحمي الشاذين جنسيًا والمنحرفين خلقيًا، بحيث لا تمس حقوقهم كمواطنين، ولا يقعون تحت طائلة القانون كشاذين منحرفين.

وفي البلاد الإسلامية تحرم مثل هذه الأفعال شرعًا وتجرم قانونًا، لكن هذا التحريم وذلك التجريم لا يمنع من وقوع ألوان وأنواع من النكرات تكبر حتى تصل إلى البغاء، وتصغر حتى تتمثل في النظرة المحرمة والكاملة الخاضعة، واللمسة الناعمة... إلى غير ذلك مما يحدث من انحرافات خافتة للحركة هامسة الصوت لا تبدو إلا على حذر، بحيث لا تحدث المنكرات إلا وهي متلفعة بالظلام، والمعصية في ذاتها محرمة شرعًا هي وكل ما يؤدي إليها، والمجاهرة بها معصية أخرى تضاف إلى سابقتها، وقد تفنن الناس قديمًا في كل ما يثير الشهوة ويظهر الرغبة، ويدفع بالشباب إلى الانحراف، ومازال هذا التفنن في الإثارة قائمًا حتى يومنا هذا بعد أن أصبحت له هيئات مختصة، ومؤسسات مهتمة، أناس متفرغون يختارون كل مبهر، ويبرزون كل جميل، ويلحون في عرضه على الشباب حتى تذوب مقاومتهم، فيستسلمون مستجيبين لدعوات الخنا والفجور والإثم والفسوق، خاصة وأن المال في أيديهم، والإيمان ضعيف في قلوبهم، والمثيرات من حولهم متعددة، تلهب الخيال وتثير الكامن، وتحرك في الشيخ الكبير صبوته، فما بالك بالفتى الذي ظهرت قوته؟ إنه في سبيل إطفاء هذا السعار المحموم في داخله، قد يزهق أرواحًا، أو يغتصب أموالًا، أو يهجر معاهد العلم ومدارسه أو يدمن المخدرات، أو يهمل في الواجبات، يصبح شاردًا عما حوله غير مفكر إلا في قضاء وطره، لا تستفزه نخوة، ولا توقظه من سباته من حفر الشهوات وأوحالها شهامة، لا يبالي بغيره من قريب أو بعيد، ولا يهتم بوطنه في كثير أو قليل، لأن أمثال هؤلاء يؤثرون أنفسهم وملذاتهم على كل أمر وكل شأن.

وقد قام بعض الأسياد قديمًا بدور مروجي الانحراف، ورواد التحلل الاجتماعي والفساد الأخلاقي، ضاربين بكل قيمة عرض المجتمع، غير حريصين إلا على كسبهم المادي من وراء ذلك الفعل الإجرامي، فكانوا يجبرون الإماء على البغاء لقاء أجر معلوم، أو رغبة في منفعة عاجلة مقابل هذه اللذة الأثمة العابرة، وجاء القرآن الكريم ليحرم ذلك بقوله: ﴿ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ ﴾ (النور: ٣٣)، نقل الإمام القرطبي في تفسيره حديث مسلم الذي رواه بسنده عن جابر ابن عبد الله –رضي الله عنهما–: «أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزني، فشكتا ذلك إلى النبي r فأنزل الله عز وجل: «ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء» ... إلى قوله: «... غفور رحيم» (القرطبي:١٢: ٢٤٥).

لقد كانت النظرة المادية الطاغية، والمصلحة الذاتية الفاشية هي دافع أولئك الأسياد لإكراه الإماء على البغاء، أما الأخلاق الفاضلة التي ينبغي أن تسود، أما التحلل الأخلاقي والخلل الاجتماعي الناشئ عن تصرفاتهم وسلوكهم، فكل ذلك لا شأن لهم به طالما سعت الأموال إلى جيوبهم، والمنافع إلى أشخاصهم، وجاء الإسلام فقضى على أسباب التحلل الأخلاقي والفساد الاجتماعي، وغير نظرة الناس إلى الحياة فسادت القيم، وشاع فيهم المثل: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ثم تعاقبت الأجيال وانطوت الأزمان لتبرز من جديد تلك النظرة المادية التي تدفع المجتمع للقيام بدور «السيد» قديمًا، فيروج المجتمع نفسه للفساد، ويدفع أبناءه دفعًا حثيثًا إلى التحلل من القيم، والتخلي عن الأعراف السائدة وإلى التعدي على حدود الدين، فتظهر جرائم كثيرة، وتضيع طاقات عظيمة، وتنشغل جمهرة من الشباب بإطفاء سعار الشهوات الملتهبة في نفوسهم، تلك التي أشعل نيرانها البث الدائم للكثير من الأفلام الماجنة في عديد من القنوات، وبيع أشرطة الفيديو المرخصة التي تعرض فجور الرقصات والراقصات، إلى جانب النقل الفضائي لعديد من المسابقات الرياضية النسائية، وفيها ما فيها من العري وكشف العورات.

فإذا ما تركت هذا الجانب، ووليت وجهك شطر غيره رأيت الحفلات الفندقية التي «تحييها» مطربات من هنا أو من هناك ورأيت عروض الأزياء التي تقام في الأماكن العامة ويؤمها الرجال والنساء على السواء، وسمعت أن هناك مسابقات لاختيار ملكة الجمال في بعض البلاد الإسلامية التي تباع فيها الخمور، وتبتكر فيها وسائل الفجور، فماذا يفعل الشباب أمام إغراء المجتمع؟ وماذا يملك أمام كل هذه الدوافع الدافعة إلى الانحراف اللهم إلا أن يكون من القابضين على الدين «أقصد علي الجمر».

والعودة إلى منهج الله فيها دواء للنفوس الجشعة، وللأهواء المنحرفة، والرغبات الجامحة، والشهوات الطافحة ﴿ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا﴾ (الإسراء: ٣٢). 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 39

1383

الثلاثاء 15-ديسمبر-1970

يوميات المجتمع (39)

نشر في العدد 91

98

الثلاثاء 14-مارس-1972

بريد القراء (العدد 91)