العنوان تساؤلات.. حول الإبداع العربي!!
الكاتب أحمد محمد كنعان
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1989
مشاهدات 75
نشر في العدد 899
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 10-يناير-1989
كثرت في الآونة الأخيرة المهرجانات التي تقام لتكريم الأدباء والفنانين والمبدعين في ميادين المعرفة والثقافة المختلفة، وهذه ظاهرة طيبة دون ريب إذا ما أحسنَّا توجيهها واستثمارها لصالح الثقافة الجماهيرية.
إلا أن الواقع -للأسف- يكشف لنا عن حقيقة مفجعة، لأن هذه المهرجانات تؤدي -في الغالب- إلى عكس الغاية المرجوة منها، إما لأنها تتخذ مسارًا إعلاميًّا فارغًا يهتم بالمظهر دون الجوهر! وإما لأن المادة التي تُعرض في هذه المهرجانات تكون دون الطموحات المأمولة! وإما -وهذا هو الأخطر- لأن هذه المهرجانات تكون موجهة ضد ثقافتنا وعقيدتنا!
ونحن -بطبيعة الحال- قد نتلمس العذر للهيئات غير العربية التي تقيم المهرجانات الصاخبة لتكريم أديب عربي نرى أنه لا يستحق التكريم، أو نرى في أدبه ما يناقض عقيدتنا، أو يتعارض مع مواقفنا السياسية... إلى غير ذلك من الأسباب التي تكمن وراء منح الجائزة للأديب.
أقول: قد نتلمس العذر لتلك الهيئات الأجنبية وبخاصة أننا لا نملك السلطة التي تمنع تلك الهيئات من منح الجائزة لمن تريد، ولكن كيف يمكن أن نتلمس العذر للهيئات العربية التي تمنح الجوائز لأشخاص يقفون من أمتنا موقف العداء، ويجاهرون في محاربة عقيدتنا وتراثنا وقيمنا الأخلاقية؟! وقد يتساءل الغيورون منا على هذه الأمة، والذين لا تتيح لهم ظروفهم أن يتابعوا الحركة الأدبية في ديارنا: هل يعقل هذا؟! ونجيب دون تردد: أجل للأسف. وهذا ما حدث فعلًا خلال مهرجان كبير للشعر يُعقد كل عام في عاصمة عربية عريقة، عرف عنها منذ القديم إحفاؤها بالأدب والأدباء!
وتبدأ القصة قبل أيام، حين كنت مع بعض الأصدقاء نتابع عبر الإذاعة أخبار ذلك المهرجان، فقد استمعنا في تلك الأمسية إلى مقتطفات شعرية لثلاثة من شعراء الحداثة فازوا بجوائز المهرجان، وإذا بنا نُصاب جميعًا بخيبة أمل فادحة جاءت أولًا من كثرة ما لاحظناه من أخطاء نحوية وقع فيها الشعراء الثلاثة، وتساءلنا في أسى: ألهذا الحد وصلت الاستهانة باللغة العربية بحيث يكرم ويبجل مثل هؤلاء الشعراء الذين لا يكادون يميزون بين الفاعل والمفعول؟!
ومع هذا، فقد حاول بعضنا أن يلتمس العذر للشعراء، فربما وقعت الأخطاء منهم سهوًا، أو ربما جعلتهم مهابة الاحتفال لا يحفلون كثيرًا بالمرفوع والمنصوب والمجرور!
وهذه واحدة.
وأما الثانية والتي لم يستطع واحد منا أن يلتمس فيها أي عذر للجنة المهرجان، فهي القصيدة التي ألقاها الشاعر الثاني، وكانت كفرًا بواحًا! فكيف حدث هذا؟ وبأي منطق أو عُرف تقوم لجنة التحكيم بتقليد هذا الشاعر وسام الإبداع العربي؟ أم إن الكفر والاستهزاء بالتراث أصبحا جواز المرور إلى القمة في هذا الزمن العربي الرديء؟!
وقبل أن تحسب -عزيزي القارئ- أنني متحامل على شعراء الحداثة، وأنني أتجنى على أهل المهرجان وأتحدث عنهم من منطلق العاطفة والانفعال، أرجو أن تقرأ معي هذه القصيدة التي تفتقت عنها عبقرية الشاعر، إذ يقول:
وجاءني طارق الموت عند الصباح
فقلت له: تمهل
ما زال في الأرض خمور
لم أذق أعتقها بعد
ما زال في الأرض ذنوب
لم أرتكب أشهاها بعد
فاذهب اليوم...
وَعُدْ بعد غد!
«أستغفر الله» وتساءلنا ونحن نستمع لهذا الهذيان الملحد: هل يمكن أن يصل الإصرار على الكفر والذنب إلى هذا الحد؟ إن فرعون -وهو من هو في الكفر والإلحاد والعناد- حينها داهمه الموت نادى بأعلى صوته مستجيرًا برب العالمين: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾ (سورة طه: 70)، وأما شاعر الحداثة فإنه يأبى أن يتوب، ويصر على كفره وفسوقه وفجوره حتى الرمق الأخير! وهو لم يكتفِ بهذا، بل زاد في الاستهزاء بملك الموت عليه السلام فطلب منه مهلة، ولكن مهلة لأي شيء؟ للتوبة؟ للاستغفار؟ لا.. بل مهلة ليستزيد من المعاصي والذنوب والآثام!
وتبلغ الفاجعة ذروتها حين ينطلق أهل المهرجان يصفقون بحرارة وحماس، ثم يكرمونه واضعين على صدره وسام الإبداع العربي، وهنا تبرز أمامنا مجموعة من الأسئلة المحيرة:
- لمصلحة مَن كان هذا التكريم؟
- ولمصلحة من تقام مثل هذه المهرجانات؟
- أهي لمصلحة اللغة العربية التي سمعناها تُهان وتنتهك حرمتها على ألسنة رواد الحداثة والإبداع؟
- أم هي لمصلحة هذه الأمة التي رأينا كيف يُستهزأ بدينها عنوة؟!
- أم هي لمصلحة جهات أخرى تتربص الدوائر بأمتنا؟!
· أسئلة محيرة ملحَّة نطرحها على أصحاب القرار، لعلهم حين يجيبون عنها بصدق يثوبون إلى رشدهم، ولعلهم يحاسِبون أنفسهم قبل أن يحاسَبوا.
وأما نحن فإن رب العالمين قد تكفل عنا بالإجابة: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة التوبة: 32).