; تساؤلات حول كارثة الطائرة المصرية | مجلة المجتمع

العنوان تساؤلات حول كارثة الطائرة المصرية

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1985

مشاهدات 59

نشر في العدد 744

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 03-ديسمبر-1985

بداية نؤكد على رفض كل الأعمال الإرهابية التي تستهدف حياة الأبرياء مهما كانت صفتهم وانتماءاتهم الدينية والعرقية.. ومن هذا المنطلق فإن اختطاف الطائرات يعد عملًا إرهابيًا غير مشروع، يتنافى مع القواعد الإسلامية والإنسانية.. مهما كانت المبررات التي يسوقها الخاطفون لهذه الطائرة أو تلك.. لأننا لا نعتقد أن هناك مبررًا واحدًا يمكن أن يجعله الخاطفون حجة لهم لقتل رجل تنتظره عائلته، أو أم يتطلع أولادها إلى رؤيتها، أو طفل تعقد عليه آمال أسرته أو وطنه... إلخ، ولهذا كله فإن مثل هذه العمليات الإرهابية مدانة مهما كانت مبرراتها.

وأمامنا اليوم واحدة من هذه العمليات الإرهابية التي تعد من أكثرها إثارة وغموضًا ومن أكبرها خسارة في الأرواح.. ونقصد بهذا عملية اختطاف الطائرة المصرية التي تحولت إلى ساحة معركة بين الخاطفين وقوات الصاعقة المصرية، انتهت إلى احتراق الطائرة ومصرع ستين شخصًا وجرح عدد آخر من الركاب.. وكأن الذي جرى عبارة عن شريط سينمائي صور على أرض المطار الدولي لجزيرة مالطا.

▪ الاتهامات المصرية

المتتبع لمسار عملية الاختطاف منذ بدايتها وحتى النهاية المفجعة لها، يلاحظ أن البيانات والتصريحات التي أطلقتها القيادات المصرية بدءًا من حسني مبارك، وانتهاءً بأصغر مسؤول مصري، كانت تدور حول الاتهامات المصرية للفلسطينيين وتحميلهم المسؤولية الكاملة في عملية الاختطاف، والواضح من هذه الاتهامات أنها لم تكن تستند إلى أية أدلة، فالناطق المصري سارع فور الإعلان عن اختطاف الطائرة إلى إعلان هذه الاتهامات والإشارة إلى أن الخاطفين ينتمون إلى إحدى المنظمات الفلسطينية، مع أن العملية كانت في بدايتها ولم يكن من الممكن معرفة هوية الخاطفين قبل استقرار الطائرة على أرض المطار، والإعلان عن مطالب خاطفيها لتتضح اتجاهاتهم.. وتشديد السلطات المصرية منذ بداية العملية على اتهام الفلسطينيين كان مثار دهشة المراقبين، وخاصة أن الرئيس المصري حسني مبارك ذهب إلى حد توجيه الاتهام إلى المنظمة الفلسطينية التي يتزعمها أبو نضال الموجود في غرفة ٤٠١ في فندق غراند أوتيل في العاصمة الليبية، كما ذكر مبارك في تصريحاته الصحفية، ثم اتضح بعد ذلك أن نزيل هذه الغرفة لم يكن سوى رئيس رابطة الحقوقيين الأفارقة «بينوانجوم» السنغالي الجنسية، والذي كان متواجدًا في العاصمة الليبية من ٢٢ إلى ۲۷ نوفمبر لحضور مؤتمر تنظمه الرابطة الإفريقية، وهذا يؤكد بشكل قاطع على أن ادعاءات مبارك وغيره من المسؤولين المصريين لم يكن لها أساس من الصحة.

والغريب في هذا الاتهام أنه جاء متناقضًا مع تصريحات المسؤولين المالطيين الذين قالوا عن الخاطفين إنهم مصريون، ومن هذا كله يتضح وعلى أغلب الاحتمالات أن الخاطفين ليسوا فلسطينيين، لأن كافة الحوادث التي كان يقوم بها فلسطينيون لم تؤد إلى مثل هذه النتائج التي اعتمدت على القتل العشوائي الذي أصاب أيضًا حوالي ۱۱ راكبًا فلسطينيًا، بينهم خمسة أطفال فلسطينيين كان يمكن للخاطفين «الفلسطينيين»!! أن يفرجوا عنهم أسوة بالآخرين الذين تم الإفراج عنهم قبل حصول الكارثة.

ومع هذا كله فإننا لا ننفي احتمال أن يكونوا فلسطينيين «على أنه لم تعرف هويتهم بعد» ولكن ما نريد أن نقوله إن السرعة في توجيه الاتهامات إلى الفلسطينيين من شأنه أن يثير عدة تساؤلات عن الأسباب الكامنة وراء هذا الاتهام، وارتباطه بإشارات استفهام عديدة حول الحادث ودوافعه والجهات التي تقف وراءه.

وحتى الاتهامات المصرية لليبيا على أنها هي الجهة المحرضة التي تقف وراء الخاطفين لم تكن سوى اتهامات بلهاء مجردة عن أي دليل، لم يكن يقصد منها سوى صرف أنظار الشعب المصري إلى خارج حدوده، في محاولة من قبل السلطة لإبعاده عن حقيقة الأوضاع داخل مصر والتي توجت بفشل السلطات المصرية في معالجة حادث الاختطاف، والتضليل الإعلامي والاقتحام الفاشل الذي أدى إلى مقتل العشرات من ركاب الطائرة، إضافة إلى أن توجيه الاتهام إلى ليبيا بهدف التغطية على إمكانية توجيه إشارات استفهام أمام قوى أخرى يمكن أن يكون لها دور في هذا الحادث، حتى إن أسامة الباز مدير مكتب حسني مبارك اضطر إلى القول إننا لا نملك أدلة على تورط ليبيا بحادث الاختطاف.. وإذا كنا قد أسقطنا صحة الاتهامات المصرية لعدم وجود الأدلة الكافية، فمن هي الجهة التي تقف وراء الحادث؟

▪ الأدوار المحيطة بحادث الاختطاف:

من غير الممكن أن نقول أو بالأحرى ندعي معرفة الجهة التي تقف وراء حادث الاختطاف، إنما ومن خلال استقرائنا لملابسات الحادث والتعرف على التحركات المحيطة به، يمكننا أن نحدد بعض الأدوار وأن نتعرف على بعض المصالح التي تعود على هذا الطرف أو ذاك، ومن ثم فإن هذه الأدوار وتلك المصالح يمكن أن تعطينا صورة تكاد تكون واضحة إلى حد ما عن الجهة التي تقف وراء حادث الاختطاف.

▪ الدور المصري:

إن طريقة تصرف السلطات المصرية تجاه حادث الاختطاف يفسر دورها في الحادث، وأول هذه التصرفات المثيرة للدهشة والتساؤل هو توجيه الاتهام لكل من المنظمات الفلسطينية وليبيا فور الإعلان عن اختطاف الطائرة، وحتى قبل الإعلان عن أية مطالب للخاطفين يمكن من خلالها تحديد هوياتهم وانتماءاتهم، إضافة إلى محاولة التأكيد على هذا الاتهام من خلال ادعاء معرفة مكان وجود زعيم المنظمة الفلسطينية المحرضة في الغرفة رقم ٤٠١، في فندق غراند أوتيل بالعاصمة الليبية، واتضح كذب هذا الادعاء وبطلانه من أساسه.

ومع ذلك لم تتراجع السلطات المصرية عن هذا الاتهام واستمرت عليه وزادت من حدته.. ثم كان حادث الاقتحام الذي نفذته قوات الصاعقة المصرية بعد تلقيها الأمر المباشر من رأس السلطة المصرية.. وكانت عملية الاقتحام قد أثارت استغراب جهات دولية عديدة يمكن توضيحها بالتالي:

أ- الإعلان عن خطة الاقتحام:

فقد عمدت السلطات المصرية إلى الإعلان عن تشكيل القوة العسكرية وحددت مهمتها باقتحام الطائرة المختطفة حتى من قبل أن تتحرك هذه القوة، وهذا أمر لا يمكن قبوله حيث من المفروض أن تتم مثل هذه الاستعدادات والتحركات بسرية مطلقة «كما حدث بالنسبة للعملية التي قامت بها قوات الكوماندوز الإسرائيلية عام ١٩٧٦ في أوغندا والتي أطلق عليها اسم عملية عنتيبي».

ب- تحرك القوة في مطار مالطا:

فقد وصلت الطائرات المصرية إلى المطار الدولي في العاصمة المالطية واستقرت بالقرب من الطائرة المختطفة، ونزل منها جنود الصاعقة المصرية وهم بكامل أسلحتهم ليتوجهوا نحو الطائرة ويحيطوا بها من كل جانب، وقد تم هذا كله أمام أعين الخاطفين والركاب على السواء، الذين كانوا ينظرون إلى تحركات القوة المصرية بأعصاب مشدودة ومتوترة يزداد توترها كلما اقتربت القوة أكثر.. ولا يمكن أن يخفى على أحد مدى الأثر السلبي الذي تعكسه هذه التحركات المكشوفة على الخاطفين الذين يشعرون يقينًا بأن الاقتحام أمر واقع لا مفر من مواجهته.

جـ- طريقة الاقتحام:

رغم كل الادعاءات المصرية بأن العملية كانت ناجحة وأن القوة المصرية لم تطلق سوى عدة رصاصات، وأنها لم تصب سوى الخاطفين.. إلى آخر هذه الادعاءات التي ثبت عدم صحتها وأنها مناقضة للحقيقة التي جرت على أرض مطار مالطا، حيث أكدت كل المعلومات المتوفرة عن حادث الاقتحام أنه ومنذ بدايته كان يتم بطريقة بدائية وعشوائية، أدت إلى مقتل أكثر من ٦٠ شخصًا رغم ادعاء مصر بأن العملية تمت بنجاح في أول بيان لها عن العملية، رغم أن مصادر ألمانية غربية أكدت حتى قبل صدور البيان المصري بأكثر من نصف ساعة، أن معلومات دقيقة وصلتها من مالطا تدل على أن عملية الاقتحام أدت إلى وقوع مجزرة دموية، وتقول صحيفة التايمز البريطانية إن التقارير الصادرة عن مطار مالطا تؤكد على أن فرقة الكوماندوز المصرية كانت تطلق النار دون تمييز بين الركاب والخاطفين، كما أكد أحد الركاب المصريين الناجين على أن رجال الصاعقة أطلقوا عليه النار حتى وهو خارج الطائرة، وكذلك فعلوا مع الركاب الآخرين الذين تمكنوا من الفرار فلاحقهم رصاص الصاعقة.. كما ذكرت السلطات المالطية في بيان لها أذيع بعد الحادث بثلاثة أيام، أن معظم الضحايا ماتوا نتيجة انفجار شحنة من المتفجرات وضعتها القوات المصرية أسفل الطائرة قبل اقتحامها، ومن ثم قامت بإطلاق الرصاص العشوائي على الركاب والخاطفين.

▪ ماذا تريد مصر؟!

وهذا كله يدفعنا إلى الاعتقاد أن طريقة تصرف السلطات المصرية تجاه الحادث، يعني أنها كانت تستهدف وبشتى الطرق تشويه سمعة الفلسطينيين ودغدغة المشاعر المصرية، وتوجيهها نحو معاداة الشعب الفلسطيني من خلال اتهامه بالحادث وإظهار الخاطفين بمظهر الوحشية التي تستهدف مصر وشعب مصر من خلال العدد الكبير للضحايا، وترسيخ الاقتناع بأن السلطات المصرية حين تصر على كمب ديفيد وعلى السلام مع (إسرائيل) فهي محقة تمامًا.

ومن خلال ترسيخ هذه القناعات تتمكن السلطات المصرية من احتواء تحركات المعارضة المصرية المعادية لكامب ديفيد، والتي كان لها تأثير كبير على الشارع المصري، والذي يتجلى ذلك في المظاهرات الشعبية التي كانت تنادي بسقوط الاتفاقية وطرد الوجود الإسرائيلي- حادث مقتل الدبلوماسي الإسرائيلي- رفض النقابات المهنية المختلفة المحامين والأطباء واتحادات الطلبة.. لتوجهات الحكومة المصرية، تزايد شعور الكراهية نحو (إسرائيل) إثر عملية تونس، مقتل الجنود الإسرائيليين السبعة على يد أحد الجنود المصريين.. إلى آخر هذه الشواهد والتي كان يحاول الرئيس المصري حسني مبارك الالتفاف حولها من خلال تصريحاته العديدة حول كامب ديفيد وعملية السلام، وكان آخر هذه التصريحات قد وردت ضمن مقابلته مع مدير وكالة الأنباء الكويتية، حيث أبدى وبكل إصرار تمسكه وحكومته باتفاقيات الكامب ديفيد، وأن التخلي عن هذه الاتفاقية يعني الدخول في حرب مع (إسرائيل)، وأن ذلك يعني ذبح الشعب المصري.

وهذا كله يدفعنا إلى الاعتقاد أن هناك احتمالًا قويًا بأن يحدث على الساحة المصرية بعض التوترات التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث تغيير ما، وخاصة أن صفوف المعارضة المصرية توجه أصابع الاتهام للسلطات المصرية من خلال اتهامها لأبي غزالة وزير الدفاع المصري ووزير الإعلام، على أساس فشلهما في عملهما المنوط بهما.. ولا يستبعد المراقبون أن يكون هناك ثمة علاقة ما بين حادث الاختطاف وتصاعد التوتر داخل مصر، والذي يهدد مركز الرئيس المصري حسني مبارك، وبالتالي فإن هناك مخاوف من حدوث أي تأثير سلبي على الانفتاح السياسي داخل مصر.

▪ الدور الأمريكي

لم تكن أمريكا بعيدة عن مجال التأثير في حادث الاختطاف رغم كونها لم تشارك مشاركة مادية «وهذا لا يعني رفض احتمال وجود دور ما لمخابراتها المركزية» والدور الظاهري لأمريكا يتحدد بالضغوط المباشرة التي وجهتها لكل من مصر ويالطا، أما بالنسبة لمصر فتتعلق بالتحريض على سرعة اتخاذ قرار الاقتحام، وقيامها كما ذكرت الأنباء بتأمين الاتصالات اللازمة والحماية العسكرية للتحركات المصرية.. وإصدار بيانات التشجيع والتحريض.

وأما بالنسبة لمالطا فمن خلال إلزامها بعدم تزويد الطائرة بالوقود واستمرار تواجدها على أرض مطار يالطا لتتم عملية الاقتحام المصرية، وهذا ما صرحت به السلطات المالطية نفسها حين أعلنت أن الولايات المتحدة شاركت باتخاذ قرار عدم تزويد الطائرة بالوقود.

والغريب هنا في موقف السلطات المالطية أنها وافقت على نزول الطائرة في مطارها، ثم ترفض تزويدها بالوقود في أول حادث من نوعه.. ولم تقم السلطات المالطية بالتفاوض الجاد مع الخاطفين، مع أن الموقف كان يستدعي مثل هذا التفاوض الجاد والطويل لضمان حياة الركاب ولكنها لم تفعل، وتقول السلطات اليونانية في تعليقها على تخاذل السلطات المالطية: «إن الحكومة اليونانية تأسف لعدم التفاوض قبل الاقتحام، وإن المسؤولية الكبرى في ذلك تقع على السلطات المالطية التي أدى تصرفها هذا إلى قتل ۱۲ راكبًا يوناينًا».

والغريب هنا أن الضغط الأمريكي على يالطا ومصر لاقتحام الطائرة، يذكرنا بالموقف الأمريكي من حادث اختطاف الطائرة الأمريكية في الصيف الماضي في مطار بيروت، حيث استمرت المفاوضات لأكثر من ١٥ يومًا دون أي اقتحام، وهذا بالتالي يوضح رغبة الولايات المتحدة في دفع حادث الاختطاف نحو التصعيد الذي يخدم مصالحها، سواء على الساحة المصرية أو العربية.

ومن هنا فإن الدورين المصري والأمريكي لا يمكن إلا أن يخدما بشكل أو بآخر المصلحة الإسرائيلية، سواء من حيث دفع الشعب المصري نحو كراهية القضية الفلسطينية وترسيخ السلام مع (إسرائيل) في ذهنه، أو بدفع السلطات المصرية إلى اتخاذ موقف ما ضد التحركات المعارضة لكامب ديفيد ولعملية التطبيع الإسرائيلية- المصرية.

الرابط المختصر :