; تساؤلات وإجابات العدد (592) | مجلة المجتمع

العنوان تساؤلات وإجابات العدد (592)

الكاتب د. محمد سليمان الاشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

مشاهدات 62

نشر في العدد 592

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

وردتنا مجموعة من الأسئلة الفقهية الجديدة من بعض قرائنا، وقد طرحناها على أئمة من العلماء، حيث سنستمر في نشرها مع إجاباتها تباعًا إن شاء الله.

وفي هذا المقام نتقدم بموفور الشكر إلى السادة العلماء الذين تفضلوا بالإجابة على أسئلة قرائنا.

في هذا العدد

فضيلة الشيخ محمد الأشقر تفضل بالإجابات التالية على الأسئلة المطروحة عليه:-

السؤال الأول:

هل الإسلام يُجيز التداوي بالسحر في الظروف العصيبة، كأن يكون المريض رضيعًا مُصابًا بالسحر ويستعصى على الأطباء علاجه؟

الإجابة:

لا يجوز العلاج بالسحر مُطلقًا وفي أي ظرف من الظروف؛ لأنه محرم من المحرمات، ولكن تكلم بعض العلماء و ورد عن بعض السلف علاج السحر بالسحر أي فك السحر عن المسحور بواسطة ساحر لكن الصحيح هو أنه لا يجوز حل السحر بالسحر و إنما يحل بالأدعية الصحيحة كما ورد عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري أنه سحر عليه الصلاة والسلام، و بقى مدة وهو مسحور ولكن الله- عز وجل- أخبره بالسحر والشيء الذي سحر فيه، وكان الذي سحره ساحر يهودي، فأنزل الله على رسوله الكريم «سورة الفلق وسورة الناس» وفك عنه السحر بهاتين السورتين، فكان عليه الصلاة والسلام لا يقرأ على شيء فيه سحر إلا انفك السحر عن المسحور بهاتين السورتين، وهناك الدعاء المأثور وهو «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»

السؤال الثاني:

هل النقاب الذي تستر به المرأة المسلمة وجهها وارد في السنة؟ أم هو ثمرة لاجتهادات بالفقهاء تمشيًا ومسايرة للظروف؟ وهل صوت المرأة عورة؟

الإجابة:

كان النقاب موجودًا في الجاهلية فكانت بعض النساء تغطي وجوهها، فلما جاء الإسلام لم يأمر بترك هذا الانتقاب ولم يوجب الانتقاب، وإنما قال الله عز وجل

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور: ٣٠)

فالإسلام أمَر بالخمار الذي يُغطي الرأس والصدر، يعني مثل ما يسمى الأن «بالحجاب» وهي الخرقة التي تغطي المرأة بها رأسها وصدرها. وأمر الشرع المرأة أن تغطي بالخمار أيضًا صدرها ونحرها، مع أنه من المعلوم أن المرأة إذا خرجت من بيتها لابد أن تلبس الجلباب فتغطي به كامل زينتها ما عدا الوجه والكفين دون تبرج بزينة، و المذاهب الأربعة- ما عدا الشافعية- لا يرون وجوب الانتقاب، ولعل هذا هو الأصح والله أعلم.

أما صوت المرأة فليس بعورة، وإنما على المرأة ألا تتأنث في كلامها، أي لا تلين صوتها إذا خاطبت الرجال وإنما تتكلم كلامًا قائمًا على العادة والطبيعة والله عز وجل يقول: 

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢)

فأذن في المخاطبة، ونهي عن الخضوع بالقول وهو تكليمه بصورة مثيرة.

السؤال الثالث:

ما هو التفسير الدقيق للغيبة حتى يعمل على تفاديها؟

الإجابة:

الغيبة هي أن تذكر الإنسان في غير حضوره بما يكرهه ولا يرضاه، وهذا هو التعريف الصحيح للغيبة، فيجب أن لا يُذكر المسلم إلا بما يحب، والمفروض على المسلم أن يكف عن عيوب الناس، كما يجب أن يكف الناس عن عيوبه، أما إن قيل عن شخص عيب و افترى عليه بشيء وهو بريء منه فهذا بُهتان والبهتان تحريمه أشد من الغيبة.

 والعلماء ذكروا الغيبة التي تجوز أحيانًا وهي الشهادة، أي أنه لو استشهد إنسان على حق إنسان أخر فقال الشاهد: لقد كذب فلان وإن الأمر كذا وكذا وبَيَّن الحقيقة؛ فهذا لا حرج فيه لأن البيان لا يتم إلا به، والله عز وجل أمرنا أن نشهد بالحق، والشهادة بالحق يكون فيها أحيانًا ذِكر الإنسان بما يُكره أن يُقال عنه؛ لأنه استتر به وكان هذا ظلمًا يجب أن يكشف عنه.

السؤال الرابع:

ما حكم صلاة الظهر جماعة بعد صلاة الجمعة؟ وحكم تعدد الجُمعات في البلد الواحد؟

قال أبو حنيفة ومحمد: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع ولا تجوز في القرى، والمصر كل موضع له أمير و قاض ينفذ الأحكام، ولا تكون إلا في جامع واحد في المصر هذا هو المقدم عندهما.

وقال السرخسي: الصحيح عنهما أن تعدد الجمعات في المصر الواحد جائز لرفع الحرج بسبب ما قد يقع من الفتنة «المبسوط ٢ / ۱۲۱» ثم الظاهر أنهما يريدان بذلك حال الضرورة، وفي رواية عن أبي يوسف أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم فلم يسعهم، يعني يبنون مسجدًا أخر «فتح القدير ٤٠٨/١ – ١٠» ونص على جمعتين في بغداد لأن الحدود تُقام فيها في موضعين «المغني ف ١٣٤٥» وأخذ صاحب شرح فتح القدير برواية جواز التعدد.

وقال المالكية والشافعية: لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد لأن النبي (ص) لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد، وكذلك الخلفاء بعده. «المغني ف ١٣٤٥» 

وفي قول لأحد المالكية بجواز تعدده إن كان البلد كبيرًا، وعليه جرى العمل «الشرح الكبير ٣٧٤/١». وفي شرح المنهاج للشافعية ( ۲۸۹/۱) أن البلد إذا كان كبيرًا وعسر اجتماعهم في مكان واحد فيجوز تعددها بحسب الحاجة؛ لأن الشافعي قدم بغداد وفيها جمعتان فلم يذكر ذلك، قلت: وهذه غفلة من صاحب شرح المنهاج فإن الشافعي- رضي الله عنه- لم يوافق على تعدد الجمعة ببغداد بإطلاق، بدليل أنه عُقِدَ في «الأم» بابًا لتعدد مساجد الجمعة، وأنكر فيه ذلك مهما كانت المدينة عظيمة مُتباعدة الأقطار «الأم- ط مكتبة الكليات الأزهرية ١٩٣/١»

 فأي إنكار أعظم من ذلك؟ إن المعروف أن الشافعي ألف «الأم» بمصر بعد سفره من بغداد، وقد نص في هذا الموضع على أن ما سوى أهل المسجد الأعظم يصلون ظهرًا لا جمعة، وإن صلوا جمعة لم تصح وأعادوها ظهرًا، ولعله كان يرى بغداد مدينتين؛ لأن أبا يوسف كان يأمر بقطع الجسر بينهما.

وقال الحنابلة: إذا كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة، فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز في أكثر من موضع واحد، وإن حصل الغنى بالهين لم تجز الثالثة. ثم حيث لا يجوز التعدد إن صلوا الجمعة في موضعين فأكثر فالصحيحة جمعة الإمام «إمام المسلمين» فإن لم يكن فالسابقة، ويعيد الأخرون ظهرًا. «المغني ف ١٣٤٥– ٤».

وقال ابن حزم الظاهري: إن صليت الجمعة في مسجدين في القرية فصاعدا جاز ذلك «المحلى ٥٣/٥».

 ونقل عن عطاء بن رياح أنه قيل له: أرأيت أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه ثم يجزئ ذلك عنهم.

أما أصول المسألة فهي ما يلي:

١- صح عن علي (رضي الله عنه) أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع «المحلى ٥٢/٥».

٢- فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء بعده قال ابن عباس أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) بحوانا قرية بالبحرين «البخاري ك الجمعة / ۱۱، والمغازي ٦٩–أبو داود -ك الصلاة /٢٠٩».

تسميتها جمعة أن يشعر ذلك باستدعائها الجماعات «فتح القدير ٤١١/١».

من هذا ترى بوضوح أن صلاة الجمعة لم تتعدد في المدينة في عصر النبي (ص) مع تباعد أقطار المدينة ومَشقة الوصول إلى المسجد النبوي. ولم تتعدد كذلك في الأمصار الكبرى في العصور الإسلامية الأولى، هذا مع أنها كانت تُقام في بعض القرى الصغيرة، وقد نقل الأذن في ذلك عن عمر بن عبد العزيز «المحلى» ويظهر أنه قد بقى الأمر في المسلمين على أن صلاة الجمعة في المصر الواحد لا تكون إلا في موضع واحد حتى كانت بغداد باتساعها الهائل في عصر ازدهار الدولة العباسية وانقسامها بدجلة إلى شطرين كبيرين في كل منهما مركز حكومي فأقيمت فيها جمعتان، وقد وجدنا نصًا عن أبي يوسف أنه كان يأمر برفع الجسر بين شطري بغداد «فتح القدير ٤١١/١» ولعل غرضه من ذلك أن يؤكد أنها أصبحت مدينتين.

وكان الذي يصلي الجمعة بالناس هو الإمام الأعظم في عاصمة الإسلام، ونوابه في عواصم الأقاليم، فكان للجمعة بذلك أكثر من معنى ديني واجتماعي وسياسي، ثم لمَّا تفرقت الوحدة الإسلامية وتفرقت القلوب تعددت الجمعات.

والذي يصَوِّر واقع المسألة تصويرًا حسنًا الكلام الآتي الذي كتبه الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعليقًا على مادة «الجمعة» في دائرة المعارف الإسلامية، حيث قالت: وقد حل الخطيب المأجور بالتدريج محل الخليفة أو من يمثله في إقامة الصلاة، قال: هذا صحيح مع الأسَف، وهو من أعظم أسباب ضعف المسلمين من عصور مديدة فإن الأصل في خطبة الجمعة أن يخطبها الإمام الأعظم وهو الخليفة بنفسه في المصر الأكبر «العاصمة» ويخطبها نوابه الحكام في الأمصار والعواصم وكبار القرى. يجتمع النفس لها في البلد الواحد في مكان واحد لا يتخلف منهم إلا مريض أو معذور أو متهم في دينه خارج عن قومه في كل أسبوع مرة فيخطبهم الإمام الأكبر، ويخطب نوابه في الأمصار والقرى، يعظون الناس. ويجمعون قلوبهم على الإيمان والتقوى ومكارم الأخلاق، ويتحدثون إليهم فيما ينوبهم من الأحداث السياسية أو الاجتماعية أو الخلفية أو نحو ذلك، ومن ذلك روح الأمة واتجاهاتها.

ويرشدونهم إلى طرق الهدى، وسديد الرأي، مع المساواة التامة بين الصغير والكبير والغني والفقير، فتشعر الأمة بوحدتها وقوتها، حتى إذا ما ولي أمر المسلمين خلفاء جهال أو مستبدون احتجبوا عن الناس، وأنابوا غيرهم في الخطبة والصلاة، و وضعوا نظام الطبقات الذي جاء الإسلام بهدمه، و ولوا ولاة جهالًا بدينهم كمثل جهلهم، حتى صار الأمر إلى ما نرى، ولا صلاح للمسلمين إلا أن تعود هذه الفريضة سيرتها الأولى فيكون أمراؤهم وحكامهم علماء بدينهم يقومون في الناس بإقام الصلاة، كما يقومون بإقامة ميزان العدل، ويشعر الضعيف قبل القوي أن حاكمه مثله، لا سلطان له عليه إلا في حدود الشرع والعدل، وتكون الأمة كلها واحدة متحدة، أمة أعزة ليس من بينها ذليل، وفي ذلك الفلاح والظفر، إن شاء الله..  أ.هـ

أقول: وقد تشدد علماء السلف في النهي عن تعدد الجمعة كما هو واضح في مذهب مالك وكلام الشافعي والروايات المعتمدة في المذهب الحنبلي والحنفي، ونص بعضهم على أن المساجد الأخرى تصلي الظهر لا الجمعة، ولكن عندما حصل التفرق وأصبح حقيقة واقعة وجد القول بجواز تعدد الجمعات.

إذن حقيقة الأمر أنه ينبغي معالجة المسألة جذريًا من جهتين:

١- إما من جهة المسؤولين فعليهم أن يوحدوا الجمعات في البلد الواحد وذلك بتهيئة جامع كبير في كل مدينة أو قرية كبيرة و يمنع الجمعة فيما عدا تلك الجامع الأكبر، و إن بقى من جماعة المساجد الأخرى من لا يطبق الوصول إلى المسجد الجامع صلوا الظهر جماعة. ولا يسمح بتعدد الجمعة في البلد الواحد إلا في الأمصار العظيمة كالقاهرة وبغداد ودمشق التي تتباعد نواحيها عن مركزها بُعدًا شاسعًا، ولا يمكن أن يبنى فيها جامع واحد يسع المصلين إلا بكلفة عظيمة.

 وعلى المسؤولين أن يدركوا أنه بإبقائهم الأمر على الوضع القائم الأن فعلًا إنما يساعدون على تفريق المسلمين وعلى إبطال الشطر الأكبر من فوائد الجمعة التي لأجلها شرعت، وأنهم مسؤولون عن ذلك أمام الله إذ كانوا على العمل بشرعه قادرين فلم يفعلوا.

٢- أما من جهة أفراد المصلين فعليهم أن يقصدوا لصلاة الجمعة الجامع الأكبر في المدينة فإن شق عليهم جدًا فعليهم أن يقصدوا الجامع الرئيسي في منطقتهم.

أما مسألة إعادة الصلاة ظهرًا بعد أن تصلى الجمعة فهي مسألة قالها الفقهاء بالاجتهاد العقلي ليس فيها نص من كتاب ولا من سنة، بل على المسلم إن غلب على ظنه صحة صلاة الجمعة أن يدخل فيها وتجزئ عنه، فإن غلب على ظنه عدم صحتها فلا يدخل فيها وليصل الظهر. والله أعلم.

د. محمد سليمان الأشقر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 117

72

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

أكثر من موضوع (117)

نشر في العدد 92

105

الثلاثاء 21-مارس-1972

تبسيط الفقه .. صلاة الجمعة