العنوان فتاوى المجتمع (630)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1983
مشاهدات 78
نشر في العدد 630
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-يوليو-1983
مشروع مساعدة العاجزين عن مؤونة الزواج
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد ثبت عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه قال «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»- وقال عليه الصلاة والسلام «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباء فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» متفق على صحته.
وبمناسبة دخول شهر رمضان الكريم فإنه يسرني أن أذكر إخواني في الله الراغبين في الخير بقوله سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (المزمل: 20). وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: 39). وقوله صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك بين أصابعه»، وقوله صلى الله عليه وسلم «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
ثم لا يخفى ارتفاع المهور وتوقف الكثير من الشباب عن الزواج بسبب ذلك، ولكون هذا المشروع بحاجة إلى تبني ودعم أعيان البلاد وأثريائها من أصحاب السمو الأمراء وغيرهم وذلك بالتبرع له بسخاء يوازي أهميته وما يتحقق به من المصالح حتى يستمر في نشاطه، ولكون هذه المساعدات من أعمال الخير والبر التي لا تحصى المصالح المتحققة من ورائها ومنها مساعدة الشباب على إحصان أنفسهم وكف شهواتهم عن المحرمات ومنها التشجيع على الزواج وإكثار النسل الذي أمر به ديننا الحنيف، ومنها المساعدة على تحصيل مصالح الأمة بالإكثار من أبنائها وتحقيق الحياة الشريفة لشبابها وغير ذلك مما لا يخفى.. فإني أهيب بمن يطلع على هذا بالمبادرة بدعم هذا المشروع من الزكاة وغيرها.
علمًا أن جملة ما وصل إليّ من المساعدات للمشروع المذكور تقرب من ستين مليونًا وقد صرف أكثرها في مصرفه المذكور آنفًا والباقي في طريق الصرف إن شاء الله، مع العلم أيضًا أن المساعدة التي تصرف للشخص الواحد مقدارها خمسة وعشرون ألفًا تصرف للراغب في الزواج إذا توافرات لديه الشروط الخمسة الآتية:
1- أن يكون الزوج والزوجة سعوديين.
2- أن يثبت عجز الزوج عن المهر لدى إحدى المحاكم الشرعية.
3- أن يقدم وثيقة مصدقة من قاضي بلده تتضمن إثبات عقد النكاح وعدم دخوله بالزوجة لعجزه عن المهر.
4- أن يكون لم يسبق أن تزوج أو تزوج وماتت زوجته.
5- أن يحضر وثيقة من إمام المسجد المجاور له تثبت محافظته على الصلوات الخمس مع الجماعة مصدقة من محكمة بلده.
وينبغي أن يعلم أن المنتظرين لهذه المساعدة من الراغبين في الزواج المتوافرة فيهم الشروط المعتمدين لدى محكمة الضمان والأنكحة بالرياض والتي قد وكل إليها القيام بمهمة صرف المساعدة كثيرون جدًّا. والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز عبد الله بن باز
يستولي على المرتب الشهري لزوجته
أنا موظفة، أتقاضى مرتبًا شهريًّا، يستولي عليه زوجي كل شهر.. وسؤالي:
هل يحق له أن يستولي على مالي وأنا التي أتعب في الحصول عليه؟ وهل تطالب ذات المال شرعًا بدفع بعض مالها لزوجها؟ أرجو إفتائي بالإجابة الشرعية الشافية:
س- الكويت
وبعد تحويل هذا السؤال على فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد القادر محمد دفع إلينا بهذه الإجابة الوافية:
* من مزايا هذا الدين، أن له موقفًا حيال المرأة، يعتبر فريدًا لم يسبقه إليه غيره، ولم يأخذه اقتباسًا من غيره.
وذلك أنه منحها من أول الأمر، وبدون طلب منها ولا تظلم، استقلالها الذاتي التام في ذات نفسها، وفي ملكيتها، وفي التصرف التام في كل ما تملك بلا وكالة ولا وساطة ولا ولاية من مخلوق، قريب أو بعيد.
ونقول أن ذلك منحة لها من الخالق- جل وعلا- بدون طلبها ولا تظلمها، لأن المرأة الغربية، لم تصل إلى قريب من هذا، إلا بعد الثورة الصناعية. بعد أن بذلت الكثير من الدموع والدماء، والكرامة والأنوثة، فانتزعت حقها انتزاعًا من البيئة المادية القاسية التي نشأت فيها، تلك البيئة التي لا تعطي إلا أقل مما تأخذ، لأن معاييرها مادية، لا تعترف بالكرامة الإنسانية ولا تتطوع بالخير.
لكن الإسلام منحها الاستقلال التام، في الذات والمال، فلا ينعقد زواجها بدون إذنها؛ ففي الحديث «الثيب تستأمر، والبكر تستأذن» ولا سلطان لأحد عليها فيما تملكه يمينها، من مال، منقول أو عقار، وحرية تصرفها فيه مكفولة مضمونة، بلا معقب ولا مقيد، وهي فيه كالرجل سواء بسواء، لا يخالف في هذا أحد من أهل العلم- فيما نعلم- وهو من تطبيقات قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228).
وعلاوة على ذلك: راعى الإسلام الفرق الواضح بين طبيعة الجنسين، فقرر الواقع، وهو أن الرجل أقوى من المرأة على مغالبة الأحداث، ومصارع القوى، في السوق وفي الغاب، لاستخلاص القوت والسعي على العيال. ولهذا أثقله بالواجبات المالية، إلى حد يدعو إلى الرثاء لحاله: فالمهر في الزواج، والنفقة في الزوجية، وتأثيث المنزل، وأجرة السكن، وفواتير الكهرباء والماء والهاتف، ونفقات التعليم والتطبيب والتموين، والكساء والغذاء، كلها مطلوبة شرعًا من الزوج، مهما كانت حاله المالية، ولو كان فقيرًا: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7).
ولا يطلب من المرأة شيء من ذلك، ولو كانت غنية موسرة، وزوجها فقير معسر، وهذا بإجماع أهل العلم والفقه، لم يخالف في شيء منه إلا ابن حزم- رحمه الله- ومخالفته غير معتبرة، حين أوجب على المرأة الموسرة أن تنفق على زوجها المعسر؛ لأن هذا مخالف لصريح الآية المذكورة.
ويرتد إجماع الفقهاء، على إعفاء المرأة الإنفاق، إلى أن الإسلام راعى طبيعة المرأة، التي تنبو عن الإنفاق، وتكف عن الإعطاء. على العكس من طبيعة الرجل، فإن رجولته لا تتكامل إلا بالإنفاق. ومن خلقه العطاء. فلو كلّف الإسلام المرأة بالإنفاق، كان ذلك منه تكليفًا لها بما لا يطاق.
وهناك سبب آخر في أن الإسلام لا يوجب على المرأة الإنفاق، حتى في حال غناها وإعسار الزوج، وذلك، لأنه لو أوجب عليها الإنفاق، لأوجب عليها العمل لأنه سبيل الكسب المشروع. ونظرية الإسلام أن لا يجب العمل على المرأة؛ لأنه مما لا يتناسب مع فطرتها وعواطفها، وإيجاب العمل عليها يغاير الفطرة، ويحيد عن الطبيعة والواقع. وحاجات الفتاة يضطلع بها الوالد ثم الأقرب إليه، وحاجات الزوجة ونفقتها مطلوبة من الزوج بإطلاق، مهما كان وضعه المالي.
وليس معنى ذلك أن الإسلام يحرم على المرأة أن تعمل، كلا، بل أن لا يوجب عليها العمل، حماية لأنوثتها من شرور الكدح، وشرار الناس، فأما إن ارتضت لنفسها أن تعمل مختارة، وارتضاه لها زوجها، وقذفت بنفسها في معارك الحياة، تحصيلًا للمال، في عصمة للفضيلة والشرف، فلا مانع من ذلك في الشرع، لكن الأحب في الشرع رعاية الأسرة وتعهد الطفل، وتبعل الزوج.
وعلى هذا يعتبر عمل المرأة في الإسلام خلاف الأصل، أي استثناء من القاعدة، لكن له- مع ذلك- أحكمه الشرعية الخاصة به، مع استثنائيته. فحيث أن العاملة في السؤال موظفه، تتقاضي راتبًا شهريًا، فيمكن استعراض الأحكام الآتية بالنسبة إليها، وذلك من حيث وجوب النفقة لها عليه، مع العمل.
1- إذا كان الزوج قد رضي بعملها، ولم يمنعها من الخروج، لممارسة عملها، ورضاه مستمر، فإنه تجب لها النفقة عليه، من الكساء والغذاء وما إلى ذلك.
2- إذا لم يرض الزوج بعملها، ونهاها عن الخروج للعمل من أول الحياة الزوجية، أو شرط عليها عند العقد ترك الوظيفة، فلم تمتثل، واستمرت في وظيفتها، فعندئذ يسقط حقها عليه في النفقة؛ وذلك لأن وجوب النفقة على الزوج منوط بالاحتباس الكامل تلبثًا في بيت الزوجية، لمصالح الزوج وتعهد الأطفال، والخروج للعمل مخل بهذه المصالح، فيسقط بسبب ذلك حقها في النفقة.
3- إذا فرض أن الزوج رضي بعملها في أول العهد بالزواج، ثم منعها من العمل، لسبب أو لغير سبب، ومن السبب كثرة العيال، والحاجة إلى رعاية المنزل، والحفاظ على العفاف، فإن الفقهاء يقررون في هذه الحال، سقوط حق الزوجة في النفقة، إذا استمرت في العمل بعد منعها منه؛ إذ يعتبرون عملها بعد المنع منه نشوزًا وإعراضًا عن الزوج، وهما يسقطان حقها عليه في النفقة.
أما القضاء المصري فإنه خالف الفقه في هذه الصورة، واعتبر إقدام الزوج على الزواج من امرأة موظفة، دون اشتراط تركها وظيفتها، رضًا بسقوط حقه في الاحتباس الكامل في منزل الزوجية.
وأرى، في هذه الصورة، أنه:
أ- إذا طرأ على الحياة الزوجية ما يستوجب ترك الوظيفة، وجوب تركها، عملًا بنصوص الفقهاء.
ب- وإذا لم يطرأ على الحياة الزوجية تغيير يستوجب ترك الوظيفة، العمل بما تقضي به المحاكم المصرية، من استمرار الزوجة في وظيفتها، لأن تزوج الموظفة إقرار لها على وظيفتها.
4- وقد يحدث أن تشترط الزوجة في عقد الزواج بقاءها في وظيفتها:
فالمالكية يكرهون هذا الشرط، لما فيه من التحجير والتضييق على الزوج، ويستحبون الوفاء به، لكنهم يقرون حق الزوج في منعها من العمل، وإن لم تمتنع تعتبر ناشزة، فتسطق نفقتها. وعلى هذا العمل في محاكم الكويت.
ومذهب الحنابلة: أن هذا الشرط جائز، ويجب الوفاء به، وليس للزوج أن يمنعها من العمل، وذلك للنصوص القرآنية والحديثية، التي تستوجب الوفاء بالشروط:
كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1).
وحديث: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (رواه الإمام أحمد).
ومع ذلك، فإن هذا الشرط مقيد بما إذا لم تتعرض مصالح الأسرة للضياع، أو تتعرض المرأة لثلم أنوثتها، أو تلوث عفتها، بسبب العمل الوظيفي، وإلا فيجوز عندئذ للزوج منعها من العمل؛ لأن مصلحة الأسرة، وسلامة الشرف، فوق كل اعتبار، ولا يترتب- أيضًا- على استمرار الزوجة في عملها في هذه الحال، سوى سقوط حقها في النفقة فقط.
ومن هذا العرض الموجز، للأحكام الشرعية بالنسبة إلى الزوجة العاملة أو المحترفة أو الموظفة، يتضح أن كل ما يتصل بها من الأحكام، هو ما يتعلق بحقها في النفقة على زوجها فقط.
فأما راتبها الذي تتقاضاه آخر الشهر لقاء عملها الوظيفي، فهو ثمرة جهدها الشخصي، وهو من كد يمينها، وعرق جبينها، ومن كدحها في الحياة، فليس لأحد، والد أو زوج، أن يمد يده إليه، وليس لأحد فيه حق إلا حق الشارع -في إيجاب الزكاة فيه إذا توفرت شروطها الخاصة فيه- ولا يحل لزوج ولا لقريب شيء منه، قل أو كثر، إلا أن يكون عن رضا كامل منها به، فإن مد أحد يده إلى راتب الزوجة الشهري بدون رضاها، أو راتب الفتاة، كذلك كان تجاوزًا وأكلًا لمالها بالباطل، وهو حرام.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: 29-30).
وفي الحديث: «أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (رواه الإمام أحمد). لقد حرم الشارع على الزوج أن يأخذ شيئًا من المهر الذي قدمه إلى الزوجة في عقد الزواج، ولو كان المأخوذ قليلًا، والمهر كثيرًا جدًّا، وسمّى ذلك بهتانًا -أي ظلمًا- وإثمًا- أي ذنبًا عظيمًا، فقال: ﴿.... وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (النساء: 20).
فكيف بمالها الخاص الذي اكتسبته بجهدها الخالص، وعملها الذي أنهك قوتها، وذبل جسمها، وهد أعصابها، وأفنى شبابها، إنه ليوشك أن يكون أشد حرمة، فما لم تطب نفس الزوجة بدفع راتبها كله أو بعضه إلى زوجها، لا يحل له أخذ شيء منه قليلًا كان المأخوذ أو كثيرًا.
نسأل الله أن يرزقنا القناعة، ويقنعنا بما رزقنا، ويطمعنا بما عنده ويزهدنا في مال الآخرين، من ذوي القربى ومن الأجانب، ومن الزوجات والبنات والأولاد والآباء. وصلى الله على سيدنا محمد عبد الله ورسوله الذي قال في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والطبراني والحاكم والبيهقي في شعاب الإيمان:
«ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل