العنوان فتاوى المجتمع العدد (608)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1983
مشاهدات 61
نشر في العدد 608
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 15-فبراير-1983
يجيب عليها في هذا العدد
الدكتور الشيخ توفيق الواعي والدكتور محمد حنيف العوضي
إذا دخلت المسجد لأداء صلاة الظهر مثلًا.. ولم أجد أحدًا يصلي معي الظهر، فنويت الصلاة منفردًا وشرعت في الصلاة ثم جاء رجل ووقف بجانبي وصلى معي الظهر! فما حكم صلاتي وصلاته؟ علمًا أني نويت الصلاة منفردًا؟!
م س - الطائف
وقد أجاب الدكتور توفيق الواعي على هذا السؤال بالآتي:
لو أحرم ودخل في الصلاة منفردًا فصلى معه آخر ونوى إمامته، صح عند الشافعية ورأي لأحمد وإحدى الروايتين عنه، واحتجوا بحديث ابن عباس قال: «بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، فقام إلى القربة فتوضأ فقام فصلى فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن» (متفق عليه واللفظ لمسلم)، وحديث عائشة «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام ناس يصلون بصلاته»، والحاجة تدعو إلى نقل النية إلى الإمام فيصلي كحالة الاستخلاف، وبيان الحاجة أن المنفرد إذا جاء قوم فصلوا وراءه، فإن قطع الصلاة وأخبر بحاله قبح وكان مرتكبًا للنهي بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 33)، وإن أتم الصلاة بهم ثم أخبرهم بفساد صلاتهم كان أقبح وأشق، ولأن الانفراد أحد حالتي عدم الإمامة في الصلاة فجاز الانتقال منها إلى الإمامة، كما هو كان مأمومًا، وقياسه يقوى بحالة الاستخلاف أي إذا طرأ للإمام عذر فاستخلف بدلًا منه مأمومًا، فإنه يصير حينئذ إمامًا، ويحول نيته إلى الإمامة، فكذا هذا.
وفي رواية عن الإمام أحمد أنه يجوز في النفل فقط، وقال الحنفية لا يجوز في الفرض والنقل جميعًا لأن الإمام لم ينو نية الإمامة في ابتداء الصلاة فلم يصح كما لو ائتم بمأموم.
والرأي الأول أوفق في نظرنا إن شاء الله، وقد عبّر عنه ابن قدامة بقوله وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم ودخل في صلاة وحده ثم جاء جابر وجبارة فأحرما معه فصلى بهما ولم ينكر فعلهما، والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة لأنهم كانوا مسافرين.
د. توفيق الواعي
س1: ماهي فلسفة الزكاة؟ ومتى تجب؟ ومن هو يستحقها؟ وهل الزكاة تحل مشكلاتنا الاقتصادية؟!!
علي سالم آل بنعلي
الدوحة- قطر
وقد أجاب الدكتور محمد حنيف العوضي، الباحث في الموسوعة الفقهية، على هذا السؤال بما يلي:
الحمد لله رب العالمين والصلاة، والسلام على رسول الله الأمين، أما بعد:
ففلسفة «الزكاة» أو بعبارة أسلم حكمة الزكاة كثيرة لا مجال هنا للتفصيل، فقد ظهر لكل ذي لب ولا سيما في عصر الأيديولوجيات الأرعن.
إن الحلول المنطقية التي وضعها الإسلام لظاهرة الفقر كفيلة حقًّا لإبعاد المجتمعات عن غائلة الحرمان، وشبح الحقد والشيوعية التي تنتهز كل فرص مواتية -كأختها الرأسمالية الاستعمارية- لابتلاع الأمم.
فالله سبحانه وتعالى جعل للفقراء حقًّا معلومًا.. والذين في أموالهم حق معلوم للسائل المحروم، وبهذا الواجب أبعد الكراهية من أفئدة البائسين والمستضعفين، وأحدث توازنًا بين الناس، وإذا أضفنا إليها الصدقات المندوبة والكفارات ورعاية الجار والإحسان على عمومه وكفالة اليتيم... إلخ.
أجل ولقد رأينا في صدر الإسلام وفي زمن خامس الخلفاء الراشدين كيف حلت حلول الإسلام المشكلات الاقتصادية حيث لم يجدوا -في زمن عمر بن عبد العزيز- من يستحق الزكاة؛ فصرفت الزكاة لأصحاب الحرف والفلاحين، مساهمة في دعم الإنتاج القومي وخصمًا للأسعار أو تشجيعًا للزراع وخدمة للمجتمع الصالح.
تلك حلول إسلامية حاسمة لمشكلاتنا الاقتصادية، وما علينا إلا أن نضعها موضع التنفيذ، لقد كان في زمن عمر بن عبد العزيز يسألون المزارع -مثلًا- هل في حاجة لماشية أو أدوات زراعية... إلخ، حيث يبتاعون له من بيت المال وهكذا لسائر الحرفيين والصناع، كانوا يزودونهم ويستفسرون عن احتياجاتهم من قرية إلى قرية ومن ريف إلى آخر.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: 24-25) نستشف من مثل هذه الآية أن المال أصلًا هو لله، وبطبيعة الحال للمعدوم والمستضعف فيه نصيب بل هو شريك في مال الثري، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ (المعارج: 24)، حق من غير منة ولا فضل، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: 7)، مما يبرهن أن المال لله والمجتمع ولكن بشروطه الشرعية! لماذا؟! ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7)، بل للسيولة والحركة.
ومعنى هذا -بمنتهى الإيجاز- أن الثري لو لم يخرج حق المال فسيؤدي إلى كارثة التضخم الاجتماعي وردة فعل لا تبقي ولا تذر، وبهذا نرى أن الإسلام قد حقق التكافل الاجتماعي وطهر المجتمع من الحقد والكراهية، وربط بين الأفئدة برباط الحب والمودة والمال المدخر -أيًّا كان نوعه- تجب عليه الزكاة بشروط:
إذا بلغ النصاب «والنصاب معروف».
إذا حال عليه الحول «أي عام كامل».
إذا كان من الذهب أو الفضة أو عملة ورقية بعموم الأدلة على وجوب الزكاة فيما بلغ نصابه.
يوزع على المستحق وهم أصناف ثمانية كما في الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60)، والفقير والمسكين من لا يجد الكفاية المعيشية في الضرورات الأساسية يوميًّا، قيل: الفقير من لا مال له مطلقًا والمسكين من له عمل أو مال ولكن لا يكفي نفقة من يؤول، والعاملين عليها: وهم الجباة الذين يجمعون الصدقات، والمؤلفة قلوبهم: وهم قوم من أشراف العرب أعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليتألف قلوبهم على الإسلام، وفي الرقاب: أي وفي فك الرقاب لتخليصهم من الرق، والغارمين: أي المديونين الذين أثقلهم الدين، وفي سبيل الله: أي المجاهدين والمرابطين وما تحتاج إليه الحرب من السلاح والعتاد، وابن السبيل: أي الغريب الذي انقطع من سفره أو ترك مسكنه ووطنه كاللاجئين... إلخ.
وبذلك يجوز للحكومة الإسلامية الرشيدة أن تجمع الزكاة وتوزعها على الفئات الثمانية المذكورة في الآية، والله أعلم.
الدكتور محمد حنيف العوضي