العنوان تشاد ما زالت في يد الإليزيه
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1982
مشاهدات 60
نشر في العدد 577
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 29-يونيو-1982
فرنسا أعلنت أنها مع شرعية الرئيس السابق وأوصلت «حبري» من وراء ظهر «عويدي» إلى الحكم.
ميتران لعب على عويدي ثم تخلى عنه لأنه يريد التعامل مع الأقوى.
الفرنسيون يريدون الحفاظ على ولاء المستعمرات السابقة لهم ويخافون من دخول الأمريكان إذا انقطع الولاء.
في ظل الاستعمار كانت تشاد مستعمرة فرنسية، لم يتركها الفرنسيون إلا في الحالة التي تترك فيها معظم دول العالم الثالث يمزقها الخلاف وتأكلها الفتن. وقد مرت إحدى عشرة سنة من المعارك الطاحنة بين زعيمين متنافسين هما جوكوني عويدي رئيس الجمهورية. وحسين حبري وزير الدفاع. وخلال تلك المدة الطويلة كانت كفتا الميزان العسكري مضطربتين متأرجحتين بين الرئيس التشادي ووزير دفاعه. وقد لوحظ أن الحرب بين الرجلين منذ البدء كانت بسبب اختلاف الولاء والرغبات الخارجية التي توجد كلًا من الرجلين.
فالقذافي يريد كما ذكرت لوفيفارو الفرنسية- أن يفرض قانونه على تشاد ثم أفريقيا من خلال جوكوني عديدي.
وفرنسا ما زالت تعتبر نفسها حتى اللحظة وريثة أساسية في أفريقيا عبر مستعمراتها القديمة وبعض الموالين لها هناك.
وليبيا القذافي أيضًا توصلت في بداية عام 1981م إلى إعلان ما سمي بوحدة اندماجية مع تشاد عبر الرئيس عويدي وبدأ القذافي يطلق الرصاص على وزير الدفاع حيث دخلت وحدات عسكرية ليبية إلى تشاد.
أما الإليزيه الفرنسي فقد خاض حرب الوكالة ضد عويدي والقذافي تارة. ثم ضد حبري تارة أخرى ضمن مناورات ذكية استكشف الإليزيه من خلالها الرجل الأقوى والأقدر على تنفيذ رغبات الإليزيه في أفريقيا. وهنا وقعت المفاجأة في اللعبة.
اللعبة الفرنسية:
عندما وصل متيران إلى الحكم في العام الماضي في فرنسا أعلن أن فرنسا لا تريد الاستمرار في تقمص شخصية الشرطي الأفريقي. وكان القذافي آنذاك يلعب لعبة النار ضد رغبات بعض الاتجاهات الدولية في أفريقيا ومنها تشاد لقربها من ليبيا ولتحمس شبابها المسلم المخدوع ببعض الشعارات التي تطلقها طرابلس الغرب في مسامع الشباب الأفريقي الغض. وبناء على ما أعلن ميتران حاول الإليزيه الفرنسي أن يعلن رغبة أخرى مفادها تحييد أفريقيا. وهو الأمر الذي يعني لزوم خروج القذافي من تشاد.
وبهذا التكتيك تمكن ميتران وبحجة منع التدخل الأجنبي في الشؤون التشادية من إخراج القذافي أولًا.
ومن خلال دعوى التحييد قرر ميتران دخول المعركة التشادية وحده عن طريق منظمة الوحدة الأفريقية. فالرئيس الفرنسي هو الذي أقنع المنظمة الأفريقية بإرسال قوات حفظ السلام في تشاد والفصل بين المتقاتلين وهو الذي أقنع كلًا من زائير والسنغال والنيجر بالمشاركة في هذه القوات.
ثم تدرج ميتران قدمًا في لعبته فأعلن عن وضع طائراته وقواته العسكرية الموجودة في المنطقة تحت تصرف قوات حفظ السلام في تشاد. مع مد هذه القوات بالعتاد اللازم.
المراهنة على الأقوى:
لوحظ أنه وفق هذا الترتيب الفرنسي الذي يأخذ شكلًا أفريقيًّا تحكمه وتنفذه منظمة الوحدة الأفريقية حصول عدة مفارقات منها.
1- تعزيز الوجود الفرنسي وانفراده بأشكال حظيت برضى الأطراف الأفريقية المتهمة بالقضية التشادية. ومعظم هذه الأطراف تنتمي إلى الولاء الفرنسي باعتبارها امتدادًا للفترة الاستعمارية السابقة.
2- تعزيز حكم الرئيس «عويدي» ظاهريًّا.
3- تراجع قوات حسين حبري. وظهور القضية التشادية في أطوارها النهائية لمصلحة «عويدي» وبدعم فرنسي.
كل هذه الأمور كانت تلوح في أذهان المراقبين حتى أن الكثيرين باتوا مقتنعين بنهاية الثورة حتى حكم الرئيس «عويدي» وانتهاء دور «حسين حبري» وزير الدفاع الخصم الأقوى الحكم «عويدي» لكن هؤلاء تفاجؤوا في نهاية الأمر عندما حسم الصراع تحت الأغطية والأسماء المختلفة لمصلحة وزير الدفاع حيث دخل «تاجامينا» بقواته المنتصرة على رئيس الجمهورية. حيث تظاهرت قوات حفظ السلام الأفريقية بالفشل في ردع وزير الدفاع والفصل بين المتقاتلين.. والجدير بالذكر أن حسين حبري حقق كل انتصاراته دون مقاومة فعلية من الطرف الآخر.. بل إن كثيرًا من القطاعات العسكرية الموالية لرئيس الجمهورية كانت تنضم إلى قوات وزير الدفاع في زحفه على العاصمة وإنهاء الثلث الباقي من تشاد وضمه إلى الجمهورية التشادية الجديدة التي أعلن حبري نفسه رئيسًا لها.
كيف انقلبت اللعبة على عويدي؟:
عندما وصل حسين حبري إلى أبواب نجامينا تحقق الفرنسيون أن اللعبة انتهت لغير مصلحة «عويدي» لذا فلا بد من إعلان الموقف الفرنسي الحقيقي الذي تم فيه مخادعة رئيس الجمهورية. وهنا أعلن الفرنسيون أن لا بد من بحث التطورات التشادية الأخيرة. فظن «عويدي» أن فرنسا ستعمل على إيقاف الجيش الزاحف نحو العاصمة.. لكن العكس هو الذي حصل حيث سحبت حكومة ميتران يدها من يد «عويدي» فجأة مخالفة بذلك ما أعلنه في السابق.. وما تعهدت به أمام منظمة الوحدة الأفريقية. فاتجه الرئيس عويدي من جديد نحو القذافي طلبًا للعون لكن القذافي رفض هذه المرة مد يد المساعدة. وكأنه ينتظر مع فرنسا سقوط حكم عويدي في نهاية الفصل من المسرحية التشادية التي لعبت فيها فرنسا وليبيا أشواطًا عديدة ومتناقضة. وقد ساعدت فرنسا عميلها السابق على الهروب إلى الكاميرون لتحفظ- كما ذكرت- حقه في الحياة. ولتحول مجاذيف اللعبة في المرحلة القادمة نحو حسين حبري الوزير السابق والرئيس الجديد لتشاد.
السر الفرنسي:
بعد المعركة الفاصلة أعلنت فرنسا وقوفها إلى جانب الطرف المنتصر. وقد شبه المراقبون ما فعله میتران مع عويدي بما سبق أن فعله ديستان مع بوكاسا. لكن؛ لماذا وقفت فرنسا هذا الموقف المخالف لإعلانها السابق؟
يقول مراقب في العاصمة الفرنسية:
إن السر في ذلك يعود إلى اقتناع الدول الاستعمارية بحقيقة؛ هي وجوب وقوفهم مع الأقوى دائمًا. وفرنسا اختارت تعديل موقفها في اللحظة الأخيرة حيث كانت من قبل تقف مع عويدي بعد مغازلات كثيرة للطرفين المتصارعين.. والإليزيه اختار الموقف الأخير لئلا تفتح الباب للمناورة الأمريكية التي كانت تنتظر من فرنسا استمرار وقوفها مع عويدي «الخاسر» لتكون المرحلة التشادية المقبلة متوجهة صوب البيت الأبيض.
وهكذا مضت 24 ساعة فقط من وصول حبري إلى العاصمة اعترفت فرنسا بسلطته الجديدة وأعلن وزير خارجية الإليزيه استعداد بلاده لتقديم كل المساعدات التي يطلبها الرئيس حبري من أجل استقلال تشاد ونموه.