العنوان تشاد والسودان.. حرب لصالح من ؟
الكاتب حسين مسار حسين
تاريخ النشر السبت 06-يونيو-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1855
نشر في الصفحة 30
السبت 06-يونيو-2009
- أنباء عن وجود خبراء صهاينة في شرق تشاد ووصول ١٢ ضابطًا من الموساد عبر الحدود مع إفريقيا الوسطى.
- تشاد لم تكن ترغب في اشتعال أزمة دارفور لأن التوتر هناك يهب برياح اضطرابات فيها ولكن الدعم الغربي جاء لها بفوائد.
- تشاد تستقوي بالوجود الأجنبي المدجج بالسلاح على أراضيها لإسقاط حكم البشير عبر دعم حركات التمرد الدارفورية.
لم يسجل في تاريخ العلاقات بين السودان وتشاد أي حرب بينهما مهما اشتدت الأزمات في أصعب مراحلها، لكن ما الذي تغير الآن ليغلب منطق القوة على العقل، وتتحول الأزمة من مجرد قطع العلاقات إلى حشود عسكرية على الحدود وتتصدر التصريحات من الطرفين عبارات الاجتياح أو السحق ... ما هي الدوافع الحقيقية وراء ذلك؟
في تشاد تسود مقولة باتت شبه قاعدة للساسة بأن رياح التغير تهب إلى تشاد دائمًا من الشرق حيث الحدود السودانية التشادية فالرئيس ديبي وصل إلى سدة الحكم من البوابة الشرقية، وقبله حسين حبري.
ويرى المراقبون بأنه إذا ساد الاستقرار في إقليم دارفور حيث ينتشر السلاح فإن ذلك سيعني تهديد حقيقي لنظام الحكم في تشاد ... فلابد من إحداث توتر في دارفور يجعل الرياح هذه المرة تهب من الغرب عكس ما كانت سابقًا.
عندما اندلع التوتر القبلي في دارفور عارض الرئيس التشادي« ديبي» قيام أي تمرد هناك لأنه يعرف أن هذا الحريق إذا اشتعل سوف يمتد ليشمل تشاد، وبالتالي وقف موقفًا حازمًا، إلا أن التيار القبلي كان أقوى وأشد منه وحدث ما حدث، وبعد ذلك تدافعت الدول الغربية لتقديم الدعم بسخاء غير معهود. واستقبلت العشائر من الجانب السوداني واحتضنت المعارضة التشادية وشكلت نصيرًا وملاذًا آمنا لها فنشطت.
تشاد استفادت من هذا التوتر في دارفور وحصلت على دعم من عدة دول نافذة لديها مصالح في المنطقة، وبدأ الجميع يدرك خطورة ذلك على العلاقات بين البلدين، لكن ما الذي أوصل الأمور إلى حد القطيعة ومن ثم نذر الحرب؟!
لا شك أن المعارضة في البلدين مثلت تهديدًا حقيقيًا للنظامين.. فالمعارضة التشادية كادت أن تقلب نظام الحكم عندما حاصرت القصر الرئاسي في ۲/۲ / ۲۰۰۸م – بعد اتهامها الرئيس التشادي بتعديل الدستور للسماح له بالترشح لفترات مفتوحة، وكذلك صرف عائدات النفط لفئات قليلة دون حسيب أو رقيب، وقضايا أخرى تعتبرها كافية لتحريض الشعب وكافة الفئات لقلب نظام الحكم. أيضًا، حركة التمرد الرئيسة في دارفور العدل والمساواة، وصلت إلى« أم درمان» في سابقة أولى وخطيرة، بعدما اتهمت الخرطوم بتهميش إقليم دارفور وغياب الخدمات واستئثار فئة قليلة من السودانيين بالسلطة على فترات طويلة، وجرّت أزمة دارفور ويلات كبيرة على الرئيس السوداني، تمثلت في طلب اعتقاله من قبل محكمة الجنايات الدولية.
لكن ما الذي دفع تشاد أن تقرر غزو السودان، وتقوم بضربات جوية هذه المرة داخل الأراضي السودانية ... السبب الرئيس هو ورود معلومات لديها - لا ندري مدى صحتها - أن المعارضة التشادية تستعد لخوض معركة أخرى بعد معركة «أم درمان »التي ألحقت بها القوات الحكومية ضربة قوية، إذ يبدو أن المعارضة التشادية هزمت فيها ماديا لكنها لم تهزم معنويا، بدليل الاستعداد الذي تحضر له الآن.
دعم غربي كبير
لكن السودان يعتقد أن تشاد بهذه الخطوة تبرهن بأنها تستند إلى دعم غربي كبير حيث تطمح تشاد في استغلال هذه الفرصة السانحة – الضغط الغربي على الخرطوم التنفيذ مخطط قديم جديد هو إسقاط نظام البشير، ويدلل على هذا تصريحات قادة التمرد في دارفور بأنه إذا اندلعت حرب بين تشاد والسودان فهذا سيمهد الطريق أمامهم الاحتلال كافة ولايات دارفور الثلاث.
لكننا كمراقبين نعتقد بأن تشاد ليست تشاد كما كانت سابقاً، بسبب التواجد الغربي الكثيف، فالقوة الأوروبية ترابط على الحدود بعتاد عسكري كثيف جدا يفوق بكثير دورها في حماية لاجئي دارفور.
ومعروف أن الوجود الفرنسي قديم ولديه اتفاقية دفاع مشترك مع تشاد في حال تعرضها لأي هجوم خارجي، فضلا عن أنباء شبه أكيدة بوجود خبراء إسرائيليين في شرق تشاد فماذا يعني وصول ۱۲ ضابطًا من الموساد على الحدود مع أفريقيا الوسطى مؤخرًا، فضلا عن أنباء تتحدث عن وجود« إسرائيلي» بجنسيات أوروبية مختلفة ؟!
لكن كل هذا لا يعني أن النظام التشادي يعيش في وضع أفضل مما كان عليه سابقًا: حيث هناك شبه عزلة غير مسبوقة من المحيط الأفريقي، وأيضًا لم تستطع الحكومة التشادية إصدار قرار إدانة للسودان من قبل مجلس الأمن.
تسوية شائكة
حركات التمرد في دارفور لديها قناعة بأن الحكومة التشادية مطلوب منها - من منطلق قبلي- أن تقدم الدعم للتمرد في دارفور حتى تتمكن قبيلة «الزغاوة» من الاستيلاء على السلطة في السودان، وترى أن هذا تعهد سبق أن قطعه الرئيس ديبي لهم حينما ناصروه عند تمرده في بداية ١٩٩٠م الذي قاده للوصول إلى السلطة في تشاد.
لكن يبدو أن الرئيس« ديبي» نظر إلى العلاقات التي كانت تجمعه مع الرئيس السوداني آنذاك بأنها أقوى من أي تأثير قبلي فوقف ضد هذا التوجه لفترات لكن عاد التأثير القبلي وأصبح أقوى بكثير من موقفه، والتمرد في دارفور صار حقيقة واقعة. وسرعان ما اكتسبت قضية دارفور بعدا دوليا واهتمام عالمي غير مسبوق لم تحظ به قضية جنوب السودان التي استمرت عشرين عامًا .
ومن هنا ترسخت قناعة لدى السودان بأنه ما لم يتم إزالة نظام الرئيس «ديبي» من الحكم في تشاد لن تهدأ الأوضاع في دارفور، وبالتالي تعول كثيرًا على الحسم العسكري على الأرض من قبل المعارضة التشادية التي رغم توحدها والتي استطاعت أن تختار قيادة موحدة لكنها عجزت عن إزالة نظام الرئيس «ديبي» للأسباب التالية:
١-المعارضة نشأت على أساس قبلي وهذا واقع تشاد فكل قبيلة تريد اقتناص الفرصة للفوز بكرسي الرئاسة، وهذا يجعل موضوع الحسم بعيدا.
٢-الحكومة التشادية فهمت الدرس جيدا انطلاقًا من التجارب السابقة، فعملت على إعادة تسليح نفسها تسليحًا جيدًا مما تسبب في عجز مالي كبير للبلاد في السنوات الأخيرة والقادمة، وسعت القيادة التشادية الإجراء تغييرات كبيرة في قادة الجيش من الحرس القديم الذي تعول عليه المعارضة في سهولة استمالته إلى جانبها عند اندلاع المعارك.
ما هي الفرص المتاحة للحل؟
أتيحت في السابق عدة فرص لإيجاد حل سلمي بين البلدين، وقدم ما يقرب من ست مبادرات للصلح، لكن ما أن توقع اتفاقيات الصلح حتى تندلع المعارك مباشرة وآخرها المبادرة القطرية، وهذا يعني أن الثقة بين البلدين باتت مفقودة.
ولكن رغم ذلك يبقى الأمل موجودًا – إن توافرت الإرادة السياسية – في إحداث اختراق خصوصًا إذا روعيت العوامل التالية:
1- أن يعترف البلدان أن لديهما مشكلات داخلية حقيقية .. فتشاد لديها مشكلات تتعلق بنظام الحكم وغياب المؤسسات والخدمات وكذلك السودان لديه مشكلة دارفور التي نشأت بسبب التهميش، وهي قضية معروفة لدى القاصي والداني.
٢-أن تقتنع الحكومات في البلدين بأن هناك معارضة لابد من الجلوس معها ليس المجرد إرضائها بقليل من المناصب، وإنما لابد من تقديم مبادرات لحل شامل وشراكة حقيقية، وأن تقدم الحكومتان تنازلات حقيقية للمعارضة، وأن يتم بعد ذلك الاحتكام إلى الآليات الديمقراطية وبإشراك الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لتشكل ضمانة حقيقية للاتفاق.
٣-أن تسلم مبادرات الصلح الأطراف وساطة تريد فعلًا إيجاد سلام حقيقي في المنطقة، لا إلى دول تريد تصفية حسابات مع هذا النظام أو ذاك، واستغلال هذه الأزمات.
أعتقد أن العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى الحل كثيرة، لكن إن تم إغفالها فستدخل المنطقة في نفق مظلم لا يعلم أحد إلى أين ينتهي، والأيام القادمة كفيلة بأن تحسم هذه التناقضات.
وفي كل الأحوال لو اندلعت حرب بين البلدين، فستكون حربا لصالح الاستعمار الأجنبي الجديد الذي ينشر قواته في تشاد ويشجع التمرد في دارفور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل