العنوان تصاعد العداء العلماني.. وتناقضات المـشهد السياسي
الكاتب إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008
مشاهدات 58
نشر في العدد 1809
نشر في الصفحة 32
السبت 05-يوليو-2008
خصومة العلمانية التركية مع الدين والديمقراطية.. هـل لها آخر؟ (2من 3)
- المؤسسة العسكرية لا تزال ذات نفوذ واسع.. ولها سيطرة كاملة على الأجهزة الأمنية ومؤسسة القضاء!
- "أورهان باموك" الحائز على جائزة نوبل في الآداب: حزب العدالة والتنمية أكثر ديمقراطية من الأحزاب العلمانية
- استطلاع: 99% من الأتراك يعارضون إغلاق «العدالة والتنمية ... و٤٨,٨% منهم سيصوتون لصالح أردوغان وحزبه الجديد في حال الإغلاق
- البروفيسور محمد ألتان: أمام أردوغان وحزبه فرصة تاريخية للتخلص نهائيًّا من الذهنية الإجرامية التي حكمت تركيا ثمانية عقود
- وضع الأقليات الدينية والعرقية في تركيا لم يتحسن نسبيًّا إلا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم
- الشعب أدرك مرارة الوصاية العلمانية عليه.. بعد أن ذاق حلاوة ممارسة حقه في الولاية على نفسه
- هل العلمانية التي تعادي الدين والديمقراطية جديرة بأن تصبح أمرًا سرمديًّا.. بدعوى تأويلات مطاطة تتكئ على الدستور؟!
رئيس قسم بحوث وقياسات الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية مصر
لم تعد قوى العلمانية في تركيا معادية للدين فقط، وإنما باتت معادية للديمقراطية أيضًا.. فعداؤها للدين ومظاهر التدين معروف منذ عقود طويلة ترجع إلى العشرينيات من القرن الماضي، وفشلها معروف كذلك في إثناء الأتراك عن تدينهم وإصرارهم على ممارسة حريتهم الدينية والعقدية وبقية الحريات المتجذرة في الأصول الإسلامية، وفي أوساط أغلبية أبناء الشعب التركي وبخاصة في منطقة «الأناضول» التي تمثل أكثر من ٩٠% من مساحة البلاد.
أما عداء العلمانية للديمقراطية فيتصاعد يومًا بعد يوم في تركيا، ويتجلى في أشكال ومواقف متعددة، لعل من أهمها تجاوز المحكمة الدستورية لصلاحياتها عندما نظرت في مضمون التعديلات الدستورية، وليس في الجانب الإجرائي لتلك التعديلات كما يقضي قانون المحكمة ذاتها إضافة إلى كراهية الأحزاب العلمانية لكل المؤسسات التمثيلية والنيابية التي تعبر عن إرادة الشعب، وعلى رأسها المجلس الوطني الكبير: ليس فقط لتمتع الحزب الحاكم حاليًّا بأغلبية المقاعد وإنما من قبل ذلك، والسجل السياسي لتلك الأحزاب يثبت عمق كراهيتها للمؤسسات الشعبية ونفورها منها باستمرار.
نفوذ المؤسسة العسكرية
كان من المتوقع أن تزداد حدة النفور العلماني من المؤسسات النيابية المعبرة عن إرادة الشعب، بعد أن أشارت استطلاعات الرأي العام التركي إلى أن الدستور المقترح الذي يعكف حزب العدالة والتنمية الحاكم على إعداده بواسطة لجنة من الخبراء الأكاديميين قد يحظى بالقبول عند طرحه وفقًا للإجراءات الديمقراطية المعتادة كون التعديلات المقترحة توسع نطاق الحريات العامة وتحد من السلطات المخولة للمؤسسة العسكرية، وتمنع حل الأحزاب السياسية إلا في حالة ثبوت ممارستها لأعمال إرهابية أو تشجيعها لأعمال من هذا النوع.
هذا ما يفسر مسارعة المدعي العام التركي إلى تحريك دعوى قضائية لحل حزب العدالة والتنمية وحرمان ۷۱ من أبرز قياداته من العمل السياسي لمدة خمس سنوات. ولعل هذا هو ما دفع أورهان باموك الأديب التركي الحائز على جائزة نوبل في الآداب إلى أن يصف حزب العدالة والتنمية بأنه أكثر ديمقراطية من الأحزاب العلمانية.
ولكن حديثنا عن أزمة العلمانية لا يعني أن حزب العدالة والتنمية وأنصاره مرتاحون ويضعون الساق على الساق في مأمن من خطر الحظر والمحاكمات التي قد تأتي بعده فالمؤسسة العسكرية التركية لا تزال ذات نفوذ واسع ولها أذرع طويلة «وإن أضحت أقصر قليلًا من السابق، وتمتلك مؤسسات صناعية وتجارية كبيرة وإن كانت أقل قليلًا من السابق»، وترتبط بها عدة مؤسسات إعلامية «وإن كانت أضعف كثيرًا من السابق، إلى جانب السيطرة الكاملة على جميع الأجهزة الأمنية ومؤسسة القضاء، وأغلب الأحزاب السياسية التركية لا تخرج عن رأي المؤسسة العسكرية في العديد من القضايا.
مؤشر «فوكس»
والسؤال هو: هل العلمانية التركية التي تعادي الديمقراطية، وتعادي الدين جديرة بأن تصبح أمرًا سرمديًّا بدعوى تأويلات مطاطة تتكئ على الدستور؟!
مؤشر «فوكس الشهير لقياس مدى سيطرة الدولة على الدين دين الأقلية ودين الأغلبية يقول:
كل بلدان الاتحاد الأوروبي، باستثناء بلدين على درجات تتراوح ما بين الصفر إلى ٦ درجات».. وسجلت فرنسا ٦ درجات على هذا المؤشر، أما تركيا فقد سجلت ٢٤ درجة وهو مستوى بالغ السوء؛ إذ يمثل الصفر أقل قدر من سيطرة الدولة، وحيث تشير درجة الثلاثين وما فوقها إلى أشد درجات السيطرة من جانب الدولة والتضييق على الحريات الدينية فيها. ولم يتحسن وضع الأقليات الدينية "المسيحية واليهودية" والعرقية «الكردية» تحسنًا نسبيًّا إلا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم.
ماذا يفعل «العدالة والتنمية»؟
إضافة إلى مشروع إعادة كتابة الدستور الذي يعكف عليه الحزب منذ عدة أشهر تتسرب بعض الأنباء عن محاولات للوساطة تجري خلف الكواليس تقوم بها جهات مختلفة، ومنظمات رجال الأعمال والصناعيين الذين يشعرون بقلق بالغ على مصالحهم من أجواء عدم الاستقرار التي سوف تحدث إذا تم حظر حزب العدالة والتنمية.
وكانت جريدة «ميلليت» ذائعة الصيت في تركيا قد ذكرت في شهر مايو الماضي أن رئيس الغرف التجارية والبورصات «رفعت حصارجي» أو غلوه عرض صيغة توافق بين المختلفين المتنازعين تتضمن التالي:
- أن يمتنع حزب العدالة والتنمية عن تقديم تعديلات دستورية بشأن منع وحظر الأحزاب.
- أن تبطل المحكمة الدستورية التعديل الدستوري الذي سمح بارتداء الحجاب في الجامعات.
- أن تتخلى المحكمة الدستورية عن الدعوى المقامة لحظر الحزب.
أما أنصار الجمهورية الثانية. وعلى رأسهم أستاذ القانون الدستوري الأشهر في تركيا البروفيسور محمد التان. فيقولون: إن أمام أردوغان وحزبه فرصة تاريخية للتخلص نهائيًّا من ذهنية جمعية الاتحاد والترقي العنيفة والإجرامية، التي حكمت تركيا الثمانية عقود.
ويفهم من ذلك أن على الحزب الحاكم ألا يتردد في اتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية التي تدعم التوجه الديمقراطي في البلاد، وترسخ الحريات العامة الفردية والجماعية، حتى يمكن قطع الطريق على أصحاب النزعات غير الديمقراطية الذين تركيا يريدون إعادة البلاد إلى الخلف.
وإذا كانت المحكمة الدستورية قد ألغت التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان بأغلبية ساحقة في فبراير الماضي، فإن على الحزب أن يلجأ إلى طرح خلافاته مع خصومه في استفتاء عام كالذي جرى في قضية انتخاب الرئيس عبد الله جول.
خيارات مطروحة
في داخل أروقة الحزب، يبحث أعضاء العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان خيارات هي:
- الدعوة لانتخابات عاجلة، وحل المشكلة من خلال صناديق الاقتراع والرجوع إلى الشعب.
- التركيز على الدفاع أمام المحكمة الدستورية لإقناعها بزيف الاتهامات الموجهة ضد الحزب.
- دراسة حيثيات حكم المحكمة الدستورية بشأن قضية الحجاب لكي يتمكن الحزب من بناء دفاعه على تلك الحيثيات.
- الدعوة لإجراء تعديل دستوري يجعل حل الأحزاب السياسية مقصورًا فقط على حالة ممارستها للإرهاب أو دعمها له، وفقًا الشروط الاتحاد الأوروبي التي وضعها في اتفاقية البندقية.
- إجراء انتخابات عامة ومحلية واستفتاء على الدستور الجديد الذي أعدته لجنة رفيعة المستوى من خبراء القانون وأساتذة الجامعات والمفكرين وممثلي المجتمع المدني التركي على أن يكون ذلك في الخريف المقبل، وأن يتم وضع ثلاثة صناديق للاحتكام إلى رأي الشعب دفعة واحدة عبر الانتخابات العامة والمحلية والاستفتاء على الدستور الجديد.
- إنشاء حزب جديد فور صدور قرار المحكمة بحل العدالة والتنمية ومن ثم اللجوء إلى انتخابات مبكرة.
وفي كل الأحوال، نلاحظ أن العقل الجمعي للحزب يفكر في المسلك الديمقراطي، ويجتهد ما وسعه الاجتهاد من أجل النزول عند إرادة الشعب للإنصات إليها، ولوضعها موضع التطبيق.
المشهد السياسي
لعل أهم ما يلفت النظر فيما يجري حاليًّا في تركيا هو حالة التناقض بين قيمتي «الحداثة» و«التقليد»، أو «التقدم والتخلف»، وحالة التجاذب التي يخضع لها المجتمع التركي بين تيارات ومؤسسات دأبت على وصف نفسها بصفة الحداثة والعصرية ووصف ما سواها بصفة التقليدية أو الرجعية والتأخر.
ويفيدنا مفهوما المركز والمحيط اللذين استخدمهما عالم الاجتماع التركي شريف ماردين في تحليل أوضاع السياسة الداخلية التركية- كما سبق أن أشرنا- في تحليل وفهم أبعاد ما أسميناه تناقضات الحداثة والتقليد فيما بين القوى الفاعلة على مسرح السياسة التركية.
من المفترض أن تكون القوى ذات المرجعية العلمانية أكثر استيعابًا وممارسة لقيم الحداثة، وأن تكون أيضًا أكثر استعدادًا للدفاع عنها والتضحية في سبيلها.. وأهم هذه القيم الرشد العقلاني والحرية والحوار وقبول الآخر، والتسامح والإيمان وضع الأقليات الدينية والعرقية في تركيا لم يتحسن نسبيًّا إلا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بالعلم والتكنولوجيا، وانتهاج نمط الإدارة الديمقراطية، والتخصص وتقسيم العمل والبعد عن الشخصنة»، وتبني قضايا المجتمع والإسهام في حلها.
وفي حالة الأخذ بهذه القيم وممارستها تلك فعليًّا فإن النتيجة المتوقعة هي أن تصبح المؤسسات أكثر قدرة على التوسع الثقافي والاجتماعي وتحظى بالشرعية الاجتماعية والا تبقى متشبثة فقط بمواقعها في مراكز السلطة «القانونية أو السياسية».
الحداثة والتقليد
ومن المفترض- في المقابل، ومن وجهة نظر التوجه العلماني الأتاتوركي الذي سيطر على مجريات الحياة السياسية في تركي منذ تأسيس الجمهورية- أن تكون القوى ذات المرجعية الإسلامية ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمدنية عمومًا على النقيض مما سبق بالنسبة للمؤسسات ذات المرجعية العلمانية، أو على الأقل تكون أقل حرصًا منها على استيعاب قيم الحداثة وممارستها والدفاع عنها.
وإذا صح هذا الافتراض بشقيه، فإن خط الانقسام الأساسي بين القوى السياسية في المجتمع التركي هو ذلك الخط الذي يفرق بين مؤسسات تحمل صفات الحداثة وأخرى تحمل صفات تقليدية وتعمل في اتجاه معاكس للحداثة.. وهو أيضًا الخط الذي يفرق بين مؤسسات تقترب من المجتمع وتتبنى قضاياه بقدر ما تبتعد.. دون أن تفصل عن الدولة وبيروقراطيتها العامة.
ويفرق بين مؤسسات تسهم في كبح جماح الدولة وتحد من تغولها على المجتمع وتتيح فضاء أوسع أمام مختلف الشرائح الاجتماعية لممارسة فضائل الحرية وتطوير قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة قياسًا على ما تقوم به المؤسسات السياسية والمدنية في المجتمع «العلماني» في الديمقراطيات الغربية.
وإذا استخدمنا تعبيرات المركز والمحيط- بحسب شريف ماردين. فإن خط الانقسام المفترض هو خط يفصل بين مركز يضم المؤسسات المدنية المبنية على مبادئ الحداثة ومحيط هامشي يضم المؤسسات الأخرى ذات المرجعية الإسلامية أو التقليدية.
بين التفاؤل والتشاؤم
ولكن واقع المجتمع السياسي التركي لا ينسجم مع التصور السابق لخط الانقسام المفترض، إذ إنه يحمل كثيرًا مما يتناقض مع هذا التصور، ويكاد يكون الحاصل على أرض الواقع هو العكس تمامًا.
وتنقسم آراء المحللين الأتراك حول ما يجري حاليًّا في بلدهم إلى فريقين: فريق متفائل يرى أن العلمانية السلبية تحارب معركتها الأخيرة، وأنها سوف تُهزم أمام الإصرار الديمقراطي والتأييد الشعبي الذي يعبر عنه حزب العدالة والتنمية.
وفريق آخر غير متفائل يرى أن الأمر جد خطير في ضوء السوابق التاريخية في السياسة التركية، ومنها أن المحكمة الدستورية سبق أن حظرت ۱۸ حزبًا، وأن الجيش كانت له الكلمة الفاصلة في لحظات التأزم الشديدة التي مر بها النظام العلماني.
ولكن أنصار هذا الرأي الأخير يرون أنه بالرغم من قوة احتمال حل حزب العدالة والتنمية بقرار من المحكمة الدستورية إلا أن مثل هذا القرار لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وأن بإمكان أعضاء العدالة والتنمية أن يؤسسوا حزبًا جديدًا في بضعة أيام، وبإمكانهم خوض الانتخابات التي ستكون مبكرة في حالة حل الحزب خلال أربعة أشهر من الآن، وأنهم سيحصلون على تأييد شعبي أعلى مما حصلوا عليه في السابق.
فطبقًا لنتائج آخر استطلاع للرأي شمل ألف شخص من ٨ محافظات تركية أجراه مرکز متروبول للأبحاث الاجتماعية والإستراتيجية في نهاية مايو الماضي ونشرت نتائجه صحيفة يني شفق التركية مؤخرًا، اتضح أن 69,9% من الأتراك يعارضون حل حزب العدالة والتنمية، وقال 48,8% منهم: إنهم سيصوتون لصالح «أردوغان» وحزبه الجديد في حالة إغلاق حزبه الحالي، وتزيد هذه النسبة عن النسبة التي حصل عليها في انتخابات يوليو ۲۰۰۷م، والتي وصلت إلى 5.٤٦%
وتقول أكثر التحليلات تشاؤمًا بالنسبة المستقبل الديمقراطية التركية: إنه في ظل استبعاد وقوع انقلاب عسكري فإن إرادة الشعب هي التي سترسم صورة المستقبل بالطريقة التي يرضاها الشعب نفسه، بعد أن سئم مرارة الوصاية العلمانية عليه، وذاق حلاوة طعم ممارسة حقه في الولاية على نفسه!