العنوان تضارب المفكرين الفرنسيين تجاه فهمهم للإسلام يؤثر على صانعي القرار السياسي
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994
مشاهدات 50
نشر في العدد 1105
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 28-يونيو-1994
- المفكر الفرنسي جيل كيبال يقول: «إن الحركات الإسلامية تُمثل عنصرًا لا مفر منه للخريطة السياسية للعالم الإسلامي»
كيف ينظر المثقفون والمختصون الغربيون إلى التيار الإسلامي الذي تواجد في الساحة الإسلامية وحتى خارجها؟ وما مدى التصاق هذه النظرة وتوافقها مع وجهات النظر والمواقف السياسية؟
«المجتمع» تحاول استقراء مواقف بعض المفكرين والمختصين في فرنسا بعد أن كانت قدمت قراءة لمواقف مفكرين أمريكان مثل جون اسبوزيتو، وجون فول، وإيفون حداد في الوقت الذي كثر فيه الاهتمام بأدبيات الصحوة الإسلامية وتوجهاتها الفكرية ومخططاتها الإستراتيجية.
فقد تعددت المنابر التي يُدعى إليها رموز الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي بمبادرة من مراكز بحوث مختصة أو من طرف شخصيات سياسية مؤثرة «نواب» لفهم «الظاهرة الجديدة» المعروفة بالصحوة الإسلامية، وعلى سبيل المثال دُعي الدكتور الترابي لتقديم مداخلة حول هذا الموضوع من زاوية حركته في السودان وذلك أمام منظمة تهتم بالحوار الإسلامي - المسيحي وكان قد دُعي سابقًا في أمريكا للمناقشة أمام ثلة من السيناتورات، وألقى من جهته الشيخ راشد الغنوشي محاضرة أمام البرلمان الدانماركي بعنوان «العلاقة بين الإسلام والغرب: الواقع والآفاق» يوم ٢٧ مايو ١٩٩٤م كما شارك في مؤتمر نظمه الإتحاد العالمي وحضرته نخبة من الباحثين والأكاديميين ومستشرقين وسياسيين.
لكن هل يمكن تفسير هذا الاهتمام الغربي البالغ بالمُعطى الإسلامي الجديد ومحاولة سبر أغواره عن قرب، بحصول شبه قناعة بتجنب تهميش دور الإسلاميين ووزنهم في اللعبة السياسية داخل بلداتهم وعلى مستوى تكييف صناعة القرار الدولي رغم الاختلاف في تقييمهم «من الإصلاح إلى الإرهاب».
تعبر الكتابات المتعددة في الأيام الأخيرة بفرنسا حول موضوع الصحوة الإسلامية عن مواقف متضاربة فقد كتب «جيل كيبال» الباحث المختص في الشئون الإسلامية عدة مقالات بصحيفة «لوفيجارو» التي أجرت معه أيضًا مقابلة بمناسبة عرض القناة الفرنسية الثانية في برنامج «المبعوث الخاص» ملفًا حول
الجزائر والإسلام عمومًا، من ناحية أخرى قدّم «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» تحليلًا معمقًا بعنوان «التحدي الإسلامي» في تقريره السنوي المعروف بـ «رمساس» «التقرير السنوي العالمي حول النظام الاقتصادي والإستراتيجيات»، ويعتبر هذا المعهد من أهم المراكز الدراسية في فرنسا.
فشل الخيار الأمني:
ونبدأ من هذا التحليل الذي يضع الظاهرة الإسلامية في إطارها الجغرافي - السياسي الدولي، ويقول التقرير: «نشهد اليوم تصاعدًا للتحدي الإسلامي الذي لا يعفي أي بلد عربي تقريبًا، حيث يحاول الإسلاميون بنجاح احتلال الفراغ الذي تركه تراجع موسكو عن التزاماتها في الشرق الأوسط وعن إحداث قوة موازية لتفرد القوة الأمريكية، ويعتبرون هذا الدور شرعيًا بالإضافة إلى كونهم يعتبرون أنفسهم صانعي هزيمة الشيوعية».
وتعرض التقرير إلى نوعية تعامل الجهات الرسمية مع هذا «التحدي» وأشار إلى مسألتين هامّتين: مسئولية الأنظمة في تنامي الظاهرة الإسلامية، وفشل الإستراتيجيات الرسمية في التصدي للإسلاميين خاصة عبر الخيار الأمني.
ففيما يتعلق بالنقطة الأولى اعتبر التقرير أن: «الحركات الإسلامية نشأت بفعل انجراف شرعية الأنظمة القائمة قبل أن تتحول إلى سبب لهذا الانجراف باستهدافها لأسس هذه الشرعية ودعوتها إلى تغيير جذري للدولة»، أما عن السياسات المتبعة وفشلها قد أكد التقرير بأنه «سواء كان عن طريق القمع غير المُجدي لأنه يدعو إلى تجذر الحركة «الإسلامية» دون أن يضعفها أو عن طريق الإدماج في لعبة الشرعية مع التخوف من بروز سيناريو على الطريقة الجزائرية، لم تقدر أي حكومة على إزالة هذه القوى ومراقبتها واستيعابها أو تحييدها».
وركّز التقرير على الخيار العسكري الذي اعتبره «مغذيًا لمناخ عدم الاستقرار ومهيئًا بذلك الأرضية للإسلاميين الذين يعلمون أن الوقت لصالحهم»، وذلك في حالة عدم تنزّل هذا الأسلوب «في ظرف زمني معيّن وعدم إدراجه في إطار سياسة شاملة»، ويُفهم من هذا الاستدراك أن الخيار العسكري -حسب هذا التقرير- ليس شرًا من أساسه وليس مرفوضًا في المطلق وإنما يستوجب شروطًا لنجاحاته «محدودية الفترة الزمنية والبُعد الإستراتيجي»، وإلا فإنه يتحول لصالح الإسلاميين، لكن بالنظر إلى صعوبة توفر هذه الشروط، فإنّ خبراء المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية يميلون ضمنيًا إلى عدم استعمال رسائل القمع والتصعيد وفي ذلك دعوة أو إيحاء إلى الحكومات الغربية والإسلامية أيضًا بعدم الانزلاق في هذا المنحى الذي يؤدى في النهاية إلى مازق.
ولعلّ في اعتماد مثالي الجزائر ومصر وهما «الحالتان اللتان تصوران أحسن تصوير عجز المسئولين» حسبما جاء في التقرير، إشارة واضحة إلى الشامل في هاتين التجربتين ومالهما.
مصر والجزائر:
فبالنسبة لمصر يرى أصحاب التحليل أن النظام «يبدو أنه قدّر في النهاية أن الورقة الإسلامية المعتدلة ثمنها جدّ باهظ من حيث التنازلات دون أن تمكنه من الحد من تنامي التيار المتجذر، ولذلك فضل حشد كل الإسلاميين تحت نفس اللافتة «معاملتهم بنفس الطريقة» مع وجود خطر بتدعيم التيار المتجذر».
أمّا في الجزائر فإن التقرير يرى أن «اختبار القوة بين النظام والإسلاميين يبدو أنه ينمو في اتجاه الحرب الأهلية غصبًا» وأستشهد بقول المؤرخ «بنجمان ستورًا»: «هناك مجتمعان يتصارعان: مجتمع الإسلامية السياسية التقليدية، ومجتمع النظام الجمهوري المسلم، والحديث مع خلفية العلاقة بالقوة الاستعمارية الفرنسية القديمة وبالتصرف في إرثها».
وحول موضوع طبيعة العلاقة بين الحركات الإسلامية، يرى التقرير أنه من الخطأ اعتبار المحور الإيراني - السوداني نواة لبروز «التنظيم الإسلامي الدولي» بالنظر إلى الاختلافات بين السُنة والشيعة وإلى التلاقي في المصالح والاختلاف في الأيديولوجيات وإلى الاستقلالية للحركات الإسلامية الاحتجاجية، لكن لا يمنع ذلك حسب المحللين في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية من أن هذه الحركات تؤثر مباشرة على العلاقات الخارجية للدول وتُحدث اختلالًا في التوازنات الجهوية والإقليمية. وكمثال على ذلك حركة حماس في الأراضي المحتلة والتوتر بين السودان ومصر في منطقة وادي النيل.
الخطر الجنوبي:
أما عن مواقف الدول الكبرى من الصحوة الإسلامية فيشير التقرير إلى نقطتين: تضخيم «الخطر الجنوبي» في الخيال الجمعي الغربي وتردد هذه الدول في السياسة التي يجب اعتمادها كخط إستراتيجي.
ويرتبط التخوف من الصحوة الإسلامية بعوامل جانبية عديدة منها انتشار الأسلحة المدمّرة بشكل واسع بعد انتهاء الحرب الباردة.
وجاء في التقرير أن هذا التخوف «لم يتجسّد ويقترب بالفعل إلا عند تنامي الظاهرة الإسلامية في بلدين أساسيين في العالم العربي وهما الجزائر ومصر»، ولئن كان رد الفعل الأمريكي متأخرًا بالمقارنة إلى الدول الأوروبية القريبة من هذه الظاهرة فإن واشنطن دخلت اللعبة «دون أن تملك إستراتيجية واضحة للإجابة على هذا التحدي»، وفي هذا الإطار تأتي المحاولات واللقاءات لفهم هذه الظاهرة من الداخل مثل اللقاءات مع حركة حماس.
ويعلل التقرير هذا التوجه بأن الولايات المتحدة «يبدو أنها تريد استكشاف كل طرق الحوار قبل أن تستخلص بأن هذه الحركات لا يمكن أن تكون بأي حال شريكًا مقبولًا من الغرب»، ويضيف: «وأمام عجز النظام المصري لا يمكن لواشنطن أن تكتفي بموقف انتظاري، ذلك أن قيمة الإستراتيجية لمصر لا تقدّر، وقد يكون الثمن الواجب دفعه في آخر المطاف هو الضغط على الحكومة لكي تغير إستراتيجيتها وتتقاسم السُلطة مع الإسلاميين، وهذا أحد التحديات الكبرى المطروحة بشكل عاجل على إدارة كلينتون».
وهكذا يصب التقرير في ضرورة الحوار مع هذا المُعطى الإسلامي الجديد في المنطقة العربية الإسلامية والذي لا يمكن تجاهله أو القضاء عليه.
وفي هذا الإطار تأتي تصريحات المفكر الفرنسي «جيل كيبال» لصحيفة «لوفيجارو» فهو يرى بأن «حركات إعادة الأسلمة تمثل اليوم عنصرًا لا مفر منه في عناصر الخريطة السياسية والاجتماعية للبلدان الإسلامية».
وأضاف: «لكن هذه الحركات متنوعة وليس لها نفس التأثير وهدفها المشترك هو الرغبة في إعادة تنظيم المجتمع الدولي حول تطبيق الشريعة فبعض الحركات تهدف إلى تفكيك السُلطة وأخرى تركزّ في عملها الدعوي على الإصلاح الأخلاقي للأفراد، ولها حضور في فئتين اجتماعية - ثقافية المستضعفون في المدن والشباب المتعلم وبالخصوص ذوي التكوين التقني والعلمي، ويرتبط نجاح أو فشل هذه الحركات بمدى قدرة هذين الصنفين على التوحد في حركة أو حزب».
وقدّم مثال تركيا حيث صوّت المستضعفون الأكراد الذين يسكنون ضواحي مدينتي إسطنبول وأنقرا المعدّمة لصالح مرشحي حزب الرفاه خلال الانتخابات البلدية الأخيرة.
وبخصوص الجزائر يرى بأن الجبهة الإسلامية للإنقاذ منقسمة، وأنه بعد فشل العديد من محاولات الحوار بين السُلطة والمعارضة الإسلامية المتجذرة فإن الشعور السائد: هو أن كل طرف يراهن على تعفّن الوضع ظنًا منه بأن الوقت يعمل لصالحه وضد خصومه ويستبعد أن يتفاوض الجيش «مركز السُلطة الكبير» حول تقاسم السُلطة الفصيل الإسلامي الأكثر مع محافظة والأقل نزعة ثورية.
وفي مقال مطوّل عن الوضع في مصر، تحدث عن تقارب السُلطة مع رموز العلمانية في عملية نقض للتحالف!! مع الإخوان المسلمين بعد أن تبيّن لها أن هؤلاء قريبون أيديولوجيا من الجماعات المسلحة.
واعتبر «كيبال» أن العمل الاقتصادي والاجتماعي الميداني والخدمات لفائدة المستضعفين من شأنها سحب البساط من تحت تنظيم الإخوان الذي استطاع كسب تعاطف الجماهير حوله بفضل خدماته.
ويبدو أن موقف «كيبال» وقراءته للصحوة الإسلامية تؤثر كثيرًا على صانعي القرار في فرنسا بالنظر إلى المواقف الأخيرة المتشددة للحكومة الفرنسية خاصة فيما يتعلق بالجزائر مما يفسّر مدى التخوف الذي ما زال يسيطر على النخبة السياسية والفكرية ومن ورائها الرأي العام من «الخطر الأخضر» كما يطلق عليه عادة، وتطرح هذه الإشكالية مسئولية النخبة الإسلامية في الغرب في ضرورة مزيد لشرح الظاهرة الإسلامية وأهدافها وعلاقاتها بالرغم من الحواجز السياسية والنفسية القائمة ومحاولة دفع الطريق المعتدل نحو الضغط على أصحاب المواقف المتشددة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل