العنوان تضامنًا مع انتفاضة الأقصى أجرأ عملية للمقاومة بعد الانسحاب الصهيوني
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1422
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 17-أكتوبر-2000
تسارعت الأحداث بشكل غير معهود، منذ انتفاضة الأقصى، وفي لبنان ارتفعت درجة الغليان الشعبي في المخيمات الفلسطينية كما في أوساط الحركات الإسلامية والتيارات السياسية القومية والوطنية، وتوج «حزب الله» تضامنها القولي والفعلي مع أبناء الانتفاضة بعملية جريئة على الحدود اللبنانية الفلسطينية، اجتاز فيها الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة على أنه التطبيق العملي للقرار الدولي رقم ٤٢٥، وأسرت ثلاثة جنود صهاينة، واصطحبتهم إلى العمق اللبناني قبل أن تعي قيادة الجيش الصهيوني ما حدث.
ودون أن تتمكن من فعل أي شيء لإنقاذ الجنود الأسرى وكي تستكمل المقاومة أهدافها من الخطوة النوعية، أهدت العملية لروح الشهيد محمد الدرة، وعلم أن حزب الله يطالب العدو لا بإطلاق الأسرى اللبنانيين داخل سجون العدو في إطار مبادلة متوقعة بل يطالب كذلك بإطلاق مئات الأسرى الفلسطينيين مما لم تستطع السلطة الفلسطينية إطلاقهم رغم المفاوضات المملة مع العدو ورغم الوعود الكثيرة.
تضامن من نوع خاص: فإذا كانت الجماهير الغاضبة في أنحاء العالم الإسلامي، قد أظهرت تضامنها مع الشعب الفلسطيني ومجاهدي الانتفاضة على طريقتها الخاصة، ووفق ما تتوافر لها من إمكانات أو ظروف، فإن الوضع في لبنان يكتسي أهمية استثنائية، فما بين الساحتين تبادل خبرات وتفاعل بالوجدان بدأت المقاومة الفلسطينية يسطع نجمها من لبنان وخاضت فيه معارك كبيرة مع العدو الصهيوني قبل أن تنجح الخطة المدعومة من أكثر من طرف دولي وإقليمي في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عقب اجتياح عام ١٩٨٢م. وبعد المجازر المروعة التي ارتكبها الصهاينة وعملاؤهم في لبنان، استلمت الشعلة مقاومة لبنانية إسلامية تمكنت بعد ١٨ سنة من النضال والجهاد من طرد المحتل مدحورًا ذليلًا، فإذا بالبضاعة نفسها تعود إلى التداول في فلسطين المقاومة والاستشهاد فهي إذا معركة واحدة تجري في مكانين متقاربين، وفي ظروف قتالية مختلفة جذريًا.
مفارقة:
التظاهرات الحاشدة التي خرجت من المخيمات الفلسطينية في بيروت وصيدا وطرابلس، ومعظم روادها من الفلسطينيين على مختلف أعمارهم، كانت من المفارقات المهمة، ذلك أن سكان المخيمات عانوا منذ فترة طويلة، أي منذ الاجتياح الصهيوني للبنان عام ۱۹۸۲م، من عسف السلطة اللبنانية وظلم ذوي القربي فضلًا عن الحصار السياسي والاقتصادي بذريعة مكافحة «مؤامرة التوطين».
والتغيير الملموس في تعاطي الدولة اللبنانية مع اللاجئين الفلسطينيين حدث مع تسلم الرئيس الحالي إميل لحود مقاليد السلطة قبل عامين وجاء الانسحاب الصهيوني من الجنوب اللبناني في مايو الماضي، ليعيد الاعتبار إلى العنصر الفلسطيني كعامل مهم في ملف المفاوضات لاسيما قضية اللاجئين. ومع انفجار انتفاضة الأقصى. تطلعت الأنظار إلى لبنان ليس لسبر عمق الرد المتوقع على المجازر الصهيونية، بل لشيء آخر باعتبار أن لبنان كان إلى أمد قريب ساحة مقاومة عسكرية ناجحة للاحتلال الصهيوني.
والسؤال نفسه تردد هل تنطلق مقاومة فلسطينية مجددًا من الأراضي اللبنانية المحتلة ويتوافق ضمني مع السلطة اللبنانية وتنسيق مع حزب الله تحت شعار حق العودة الذي يكفله القانون الدولي ومختلف الشرائع الدولية أم يستأنف حزب الله حربه لتحرير ما بقي من الأراضي اللبنانية المحتلة لا سيما مزارع شبعًا؟
على أن خيارًا آخر كان قيد التداول والنقاش هو القيام بتحركات سلمية قرب الحدود من قبيل التظاهر والاعتصام والمطالبة بحق عودة كل لاجئ إلى أرضه وبيته وبالفعل راح الفلسطينيون كغيرهم من اللبنانيين يتوافدون إلى الحدود الدولية للتعبير عن غضبهم على الاحتلال ولتسجيل اعتراضهم على طريقتهم بل إن المشهد المتكرر على معبر فاطمة ورمي الحجارة على موقع العدو كان بمنزلة الإرهاص لما سيعود في فلسطين نفسها، ولم تتأخر الرسالة، عندما نضجت الظروف.
المجزرة والموقعة: الجديد في الأمر أن الجنود الصهاينة الذين كانوا في الأشهر الماضية يكتفون بمراقبة ما يجري في الجانب الآخر، أقدموا على إطلاق الرصاص الحقيقي على المتظاهرين الفلسطينيين قرب معبر رامية بمؤازاة مستوطنة زرعيت الصهيونية، فاستشهد اثنان وجرح عشرون في أول حادث من نوعه على الحدود اللبنانية، وكان الأوامر هي نفسها داخل فلسطين كما على الحدود.
واستغلت المقاومة اللبنانية الحادث الدموي فقامت بقصف مواقع العدو في مزارع شبعا، وهنا ظن العدو أن حزب الله يرد على سقوط المدنيين كما كان يفعل دائمًا قبل الانسحاب من الجنوب، وذلك طبقًا لتفاهم أبريل الذي يحفظ حياة المدنيين على طرفي الحدود. ويبدو أن قيادة العدو لم تتوقع اقتحام الخط الأزرق فضلًا عن أن حزب الله لم يحاول ذلك في أي مناسبة منذ ٢٥ مايو. وهكذا كان عنصر المباغتة بيد المقاومين الذين هاجموا دورية صهيونية على الطريق إلى قرية شبعا، فأسروا ثلاثة وجرحوا الباقين. وفيما كانت قوات العدو تطوق بالنار مكان العملية لمنع المقاومة من اصطحاب الأسرى إلى الداخل، كان المقاومون قد أكملوا مهمتهم بنجاح منقطع النظير.
هذا مع العلم أن حزب الله حاول في فترات مختلفة أسر جنود صهاينة لمبادلتهم مع الأسرى في السجون وفي معتقل الخيام وعقب معركة أنصارية التي سقط فيها أكثر من ١٠جنود من قوات النخبة حصل حزب الله على أشلاء بادل بها مئات من الأسرى، وعندما انسحبت قوات الاحتلال على عجل وبفوضى ليل ٢٤ مايو تركت أسرى معتقل الخيام في مكانهم فحررهم الأهالي، وبقي أقل من عشرين أسيرًا داخل فلسطين المحتلة، بعضهم خطفوا من بيوتهم ومضى عليهم سنوات دون محاكمة، ومنهم مقاومون وقعوا أسرى بعد مواجهات حامية على مدى السنين المنصرمة.
على أن العقدة الرئيسية التي منعت إغلاق هذا الملف إصرار العدو على معرفة مصير الطيار الصهيوني رون أراد الذي سقطت طائرته فوق لبنان عام ١٩٨٦م، أثناء إحدى الغارات العدوانية، ووقع الأسير بيد المقاومة المؤمنة وهي فصيل داخل حركة أمل، ثم انتقل إلى يد حزب الله ثم اختفت آثاره بعد غارة صهيونية في البقاع، ومحاولته الهرب، وعلى خلفية القضية اختطف الصهاينة بعض القادة السابقين في المقاومة المؤمنة وحزب الله، وما تزال تحتجزهم لجلاء الحقيقة وهما الشيخ عبد الكريم عبيد «حزب الله»، ومصطفى الديراني-المقاومة المؤمنة الأول اختطف عام ۱۹۸۹م من منزله في بلدة جبشيت الجنوبية والثاني من منزله في البقاع عام ١٩٩٤م، وكشف مؤخرًا أن الديراني تعرض لتعذيب وحشي في سجنه. وصل إلى حد اغتصابه بعصا!
الاحتمالات: والآن ما الاحتمالات بعد أسر ثلاثة جنود صهاينة؟ هل يبادلهم الكيان الصهيوني بكافة الأسرى اللبنانيين فقط أم تطلق أيضًا سراح الأسرى الفلسطينيين؟ وما سيحل بقضية رون أراد إذا جرت الصفقة من دون تبيان مصير أراد فستكون تلك صفعة قاسية لباراك ولكل أجهزة الكيان العدو وهل بإمكان العدو أصلًا أن يفاوض من موقع قوة؟ لقد خسر الكيان الصهيوني المعركة تقريبًا، ولن تجدي أي عملية عسكرية مهما عظمت إن لم تطلق سراح الجنود الأسرى ومعلوم أن باراك خبير في هذا المجال وقد شارك في عملية قتل القادة الفلسطينيين في بيروت، في السبعينيات، لكن الظروف مختلفة تمامًا وليست العملية نزهة بل قد يصيبها ما أصاب عملية أنصارية أيام نتنياهو.
على الأقل بدأت الحكومة الألمانية بوساطة بين حزب الله والصهاينة لتسهيل عملية التبادل بين الأسرى، وللألمان تجربة سابقة وناجحة في هذا المجال لكنها توقفت عند قضية رون أراد، وحزب الله يؤكد أن لو كان يحتفظ بسر أراد لبادل به أسراه في سجون الكيان الصهيوني، لكن العدو يرفض هذا الموقف ويصر على مطلبه، فهل يعقد أسر الجنود الثلاثة قضية أراد أم يسهلها؟
الصهاينة: ويل لنا لو قاد«الأصوليون» الجماهير العربية!
امتلأت الصحف الإسرائيلية بتعليقات محللين وخبراء حول مغزى خطف الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان، ودارت التعليقات حول خطورة تحول أفعال حزب الله إلى قدوة لدى الجماهير العربية.
فقد علق موشيه آرنس -وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق النائب عن حزب الليكود- على نجاح حزب الله في اختطاف الجنود الصهاينة قائلًا: ما حدث يعني انهيار قوة الردع الإسرائيلية في ذهن الشارع العربي. وأضاف: «لقد حول حزب الله جيشنا إلى أضحوكة. إن أحدًا في الحركة الصهيونية لم يتوقع ذلك حتى في أشد الكوابيس».
من ناحيته اعتبر يكوف بيري الرئيس السابق لجهاز المخابرات الصهيونية العامة «الشين بيت» عملية الخطف ضربة قاصمة لقوة الردع الإسرائيلية، إلى جانب كونها تمثل بالنسبة للجمهور العربي دليلًا على أن القوة وحدها الطريق الذي يمكن به تحقيق أمانيهم الوطنية وإحقاق الحقوق التي يدعون أنها لهم- على حد تعبيره- وأضاف بيري «خطورة مثل هذه العمليات تكمن في أنها ترفع الروح المعنوية للشعوب العربية، وتثبت لها أنه بالإمكان تشكيل ضغط حقيقي على إسرائيل وإرباك قيادتها السياسية، وخلخلة جبهتها الداخلية، وإرغام الدولة بكامل قوتها على الاستجابة لابتزاز منظمة ميلشيا لا يمكن مقارنة إمكاناتها مع إمكانات لواء واحد في الجيش الإسرائيلي».
لكن يكوف بيري يشير إلى ما يعتبره واحدًا من أهم الأبعاد التي يجب الإشارة إليها، حيث يرى أن تزامن هذه العملية في الوقت الذي يشتعل فيه الشارع العربي بسبب ما يحدث في فلسطين المحتلة، وتعطش الجمهور العربي لكل عمل انتقامي لا يزيد إلا من عزلة الأنظمة الحاكمة، وعلى الأخص الدول التي وقعت على معاهدات تسوية، ويشدد بيري على «أن ذلك يعتبر تقويضًا لواحد من أهم مقومات الاستراتيجية الإسرائيلية التي كانت دومًا تحرص على إقناع الجمهور العربي بأنه لا يمكن الحصول على تنازلات من إسرائيل عن طريق القوة، وأن الطريق الصحيح هو الطريق الذي سلكته الدول العربية التي وقعت على اتفاقات سلام مع إسرائيل، أو تلك التي تبدي حرصًا على التطبيع معها».
أما كارمي غيلون-وهو أيضًا رئيس سابق لجهاز شين بيت-فيرى أن تطورات في غاية الخطورة يمكن أن تحدث، ويتساءل غيلون تخيلوا الآن عندما يطالب حزب الله بالإفراج عن جميع المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين، ماذا يمكن أن يحدث عندما نستجيب لهذا الطلب سواء بشكل كامل أو جزئي؟ هذا يعني دعوة الجمهور الفلسطيني العربي للانضمام إلى دائرة العمل ضد إسرائيل، فعندما يعرف الفلسطينيون والعرب أن إسرائيل رفضت-في خضم عملية السلام- الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين والعرب. وتقوم على جناح السرعة بالإفراج عن المعتقلين تحت تأثير الضغط، فإن الدلالة الوحيدة لذلك- في نظر الشارع العربي -هي الانضمام لدائرة العداء والمقاومة لإسرائيل».
كذلك أشار الجنرال داني روتشيلد -مدير قسم الأبحاث السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية- إلى بعد آخر يرى أنه مهم جدًا. وهو حقيقة أن المنظمات التي تتولى مقاومة إسرائيل هي منظمات ذات توجهات دينية ويضيف في لقاء مطول مع القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي حول عملية الخطف «انفراد ذوي التوجهات الدينية بقيادة المقاومة ضد إسرائيل، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي هو أمر بالغ الخطورة، وعلى الأخص في المرحلة المقبلة فهذا ببساطة يعني أن الجمهور العربي سينظر إلى الحركات الدينية كممثله الطبيعي لكونها تتحمل عب العمل ضد الدولة التي يعتبرونها العدو رقم واحد».
ويواصل روتشيلد الذي يوصف بأنه كان أحد أبرز الذين ساهموا في بلورة الاستراتيجية الصهيونية على مدى فترة خدمته العسكرية قائلًا: «انظروا ما حدث! دول لا تعرف عادة تسيير المظاهرات خرجت فيها المظاهرات تضامنا مع الفلسطينيين، ماذا تتوقعون عندما يعلم الجمهور هناك أن الذي تولى الانتقام للفلسطينيين هم الأصوليون الإسلاميون؟ هذا يعني أن الجمهور العربي سيرى في هؤلاء الأصوليين الجهة التي تعبر عنه بشكل أصيل وحقيقي، ويحذر روتشيلد القيادة الإسرائيلية من ذلك قائلًا ويل لدولة إسرائيل إذا سمحت للأصوليين أن يكونوا بمثابة الجهة التي تتطلع لها الجماهير العربية».
ويقول الدكتور إيلي ريخس-المستشرق والباحث في شؤون الحركات الإسلامية في مركز «ديان» للأبحاث-في تعليقات أدلى بها لإذاعة «صوت الجيش الإسرائيلي»، بعيد الإعلان عن خطف الجنود الإسرائيليين «كل نجاح للإسلاميين يمثل لنا خسارتين في آن معًا ، فمرة لأن الخوض في مواجهة ذات طابع ديني ويقودها متدينون مسلمون صعبة لنا، ومرة أخرى لأن نجاح الحركات الإسلامية يعني إفلاس الأنظمة العربية في نظر الجمهور العربي وهذا أمر لا يقل خطورة عن الأولى لأننا يجب أن نكون معنيين بأن تكون الأنظمة الحاكمة مقنعة لجمهورها».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل