العنوان تعالوا نحسِب
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 20-ديسمبر-2008
مشاهدات 89
نشر في العدد 1831
نشر في الصفحة 66
السبت 20-ديسمبر-2008
تعالوا نحسب ما تبقى من عمر كل واحد منا نحن الذين تجاوزنا الستين، عشرون سنة على الأكثر.. أليس كذلك؟
حسنًا.. لنطرح منها عشر سنوات من النوم، ونضيف إليها خمس سنوات أخرى مع الأمراض والأسقام التي تمنع الإنسان من أن يحيا حياة طيبة ولو في حدودها الدنيا، فضلا عن أنها تعيقه عن العمل والنشاط.
فما الذي يتبقى؟ خمس سنوات فقط.. أليس كذلك؟
هل تستحق هذه السنوات الخمس كل هذا الهم والقلق والحزن، واللهاث، والحرص، والجين، والمذلة.. إلى آخر ما هنالك من منغصات تجعل الحياة مرة كالعلقم؟
خمس سنوات فحسب، ألا يدفع مداها الزمني - القصير جدًا - الإنسان إلى أن يراجع نفسه، ويعيد النظر في حساباته فيغير معادلات هذه الحياة وأرقامها بما يتلاءم مع هذا المدى الزمني المحدود؟
أن يكف عن اللهاث والقلق.. أن يتخفف من الهموم والأحزان.. أن يتمرد على دائرة الجبن والمذلة، وأن يرتفع فوق هذا كله، حرًا، متوحدًا آمنًا ، مطمئنًا وسعيدًا.
كم منا فعل ذلك، وحسبها قبل ألا يقدر على الحساب؟... لا أحد!!
لكأن الحياة الدنيا تملك سحرًا عجيبًا.. نوعًا أسطوريا من المغناطيسية التي تشد الإنسان إلى الأرض، وتسمر قدميه وعقله وروحه ووجدانه فيها حتى ليخيل للكثيرين أحيانا أنهم خلقوا لكي لا يموتوا.
والآن.. دعنا من الذين تجاوزوا الستين، ولم يتبق لهم من الحياة «الحقيقية» سوى خمس سنوات فحسب، ولنتراجع في سلم الأعمار إلى من هم في الثلاثين أو الأربعين.. كم تبقى لهم وفق الحساب المذكور؟ عشر سنوات مثلًا! ألا يتحتم أن يدفعهم ذلك إلى التحرر من كل صنوف التعاسة والشقاء والهموم والأحزان والقلق واللهاث التي تجعل حياة الإنسان - حتى وهو في ريعان الشباب - لا تستحق أن تعاش؟ وحتى لا يتهم هذا المنظور الذي يبدو للبعض متشائمًا بالسلبية؛ فإن الحساب المذكور ينطوي بالضرورة على بعده الإيجابي؛ إنه يجيء - لمن يملكون الحكمة – حافزًا على المزيد من العمل والإنجاز.. المزيد من الذكر والعبادة.. المزيد من تنمية الرصيد الدنيوي؛ لكي يخدمهم هناك يوم الحساب إذ ما دامت الفرصة المتبقية محدودة.. محدودة جدا فإن الذكي هو من يعرف كيف يوظفها لمصلحته، ومصيره!
من أجل ذلك نادانا رسول الله ﷺ أن نحسن توظيف الزمن المحدود المتاح لنا، وحذرنا في الوقت نفسه، فقال: «اغتنم خمسًا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك»، والله سبحانه سائل ابن آدم يوم القيامة عن خمس: «عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيم علم؟».
ومن أجل ذلك نبهنا القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا إلى تفاهة الحياة الدنيا، وقصرها وانصرامها، فقال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج:47) ووصف لنا هذه الحياة، كما لو كانت مجرد حفل تعارف ينفض سامروه بعد ساعة أو ساعتين: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (يونس:45)، ونقل لنا جانبًا من حوار الإنسان مع الإنسان يوم الحساب: ﴿ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (طه:104)، ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ (المؤمنون:113).
ألا يدفعنا ذلك - مرة أخرى - إلى أن نعيد النظر في حساباتنا، وألا نجعل الدنيا أكبر همنا، ومبلغ علمنا، كما كان يدعو الرسول المعلم ﷺ؟