العنوان تعاليم الإسلام تلتقي لتصنع من الأمة فريق عمل واحد- كيف بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم «روح الفريق» بين الصحابة؟
الكاتب مهيوب خضر محمود
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1409
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 18-يوليو-2000
ارتبط بتحقيق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار تلبية الحاجات البشرية لكل منهم بالتكافل والإيثار
تسعى الأمم والشعوب جاهدة لبناء حضارة شامخة تكون لها منارة مشعة تزين التاريخ بألوان زاهية لا يملك من يراها إلا أن يعجب بها وكأنها لوحة فنية جميلة، وبناء الحضارة لا يمكن أن يكون إلا بالعمل الجماعي الهادف والمنظم الذي يرتكز على قاعدة قوية لا تهزها الرياح العاصفة ولا الزلازل المدمرة، إنها قاعدة العمل بروح الفريق.
الحقيقة التي نود أن نشير إليها في هذا المقام أن حضارة الإسلام كانت وما زالت تبنى على هذه الأسس السامية فمن زاوية العمل الجماعي نرى الخطاب الرباني في القرآن الكريم كله دعوة للعمل الجماعي إذ جاء بصيغة الجمع في غالبية التكاليف، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (سورة آل عمران: 200) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (سورة الحج، آية: 77) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة النساء: 135).
أما في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فنذكر الحديث الصحيح الذي قال فيه رسول الله الله: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» وفعل الأمر «فليؤمروا» يدل على أهمية العمل الجماعي حتى في مثل هذا الحدث البسيط.
العلوم الطبيعية والاجتماعية تتفق فيما بينها في أمور كثيرة لكنها في الوقت ذاته قد تختلف إلى حد عدم الوصول إلى مرحلة التعارض.
ففي علم الرياضيات تقول القاعدة الحسابية: ١+١ = ٢
أما في علم الإدارة فإن هذه القاعدة مرفوضة تمامًا والصحيح هو: 1+1 = 11.
وعلم الإدارة هنا لم يترك الأمر مفتوحًا بل اشترط وجود مبدأ العمل بروح الفريق -أولًا- حتى تصح هذه القاعدة -ثانيًا- وهذا القانون مسجل بنص القرآن الكريم وذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (سورة الأنفال: 65).
وإن كان هذا الأمر قد نسخ في الآية التي تليها ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 66) ولكن البشارة فيه باقية، يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده.
الانسجام والتعاون والتآلف والمحبة كلها دلائل وعلامات لوجود روح الفريق بين أفراد المؤسسة الواحدة.
وبناء روح الفريق بين أفراد المنظمة الواحدة يوحد طاقات الأفراد وجهودهم ويجعلها تسير في اتجاه واحد مما يولد طاقة جبارة لصالح تحقيق الأهداف المنشودة، وهذا هو المطلوب.
هنا يبرز الفارق الأساسي بين حزمة الضوء المبعثرة في كل اتجاه وشعاع الليزر المتناسق. فأشعة الليزر عبارة عن أشعة ضوئية متناسقة تتحرك بترددات وأطوار متماثلة لتكوين كمية هائلة ومذهلة من الطاقة تمكن تلك الأشعة من اختراق جدران الإسمنت والحديد «دليل التدريب القيادي للدكتور هشام الطالب ص ١٤٣»، في حين لا تستطيع بقية الأشعة الأخرى ذلك.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد إدراك أهمية العمل بروح الفريق هو كيف يمكن أن نؤسس هذا المبدأ بين أفراد الفريق الواحد؟
العلاقات الإنسانية.. والسيرة النبوية
إن بناء روح الفريق يقوم أساسًا على نظرية مهمة جدًا هي نظرية العلاقات الإنسانية التي تستند إلى مبادئ ثلاثة:
۱ - اعتبار الإنسان هو القيمة العلياء ومحور الاهتمام.
٢ - التعامل مع الإنسان كإنسان.
٣ - تلبية احتياجات الإنسان النفسية والعضوية والروحية... إلخ.
قد يظن البعض أن هذه المبادئ فيها نوع من المبالغة في الاهتمام والتعامل مع الموظف على اعتبار أنه الإنسان الذي تتحدث عنه نظرية العلاقات الإنسانية، لكن دعونا نعود إلى الوراء -إلى ما قبل ١٤٠٠ عام- إلى سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم الذي كان ولا يزال المعلم الإداري الأول لجميع الأمم السابقة واللاحقة، فكيف نجح الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء روح الفريق بين الصحابة رغم قلة عددهم وعتادهم حتى قامت على أكتافهم خلافة إسلامية امتدت أنوارها إلى بلاد الصين والأندلس وسائر بقاع الأرض؟
عندما هاجر الرسول صلي الله عليه سلم من مكة إلى المدينة وأراد أن يشرع في تأسيس الدولة الإسلامية قام ببناء المسجد أولًا ثم لم ينتقل مباشرة إلى توزيع الأعمال والمهام على الصحابة والدخول في تفاصيل الحكم والإدارة كما نفعل نحن اليوم، بل كانت الخطوة العظيمة الثانية التي قام بها الرسول صلي الله عليه وسلم هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
المؤاخاة هنا تعني بناء العلاقات الإنسانية على أساس الأخوة الإسلامية بين أفراد فريق العمل الواحد وهذه هي نظرية العلاقات الإنسانية التي نحن بصددها.
أما عن مبادئها، فلم يقف الرسول صلي الله عليه وسلم خاطبًا في المهاجرين والأنصار ليقول لهم «اذهبوا فأنتم إخوة»، بل كان هناك تطبيق عملي وسليم لمبادئ هذه النظرية فالرسول صلي الله عليه وسلم بدأ بالصحابة على اعتبار أنهم هم محور العمل وأساسه، ونقطة البداية.
وأما عن المبدأين الثاني والثالث فيجزئنا أن نذكر ما كتبه الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة (ص ۱۹۲) إذ يقول: «حرص الأنصار على الحفاوة بإخوانهم المهاجرين، فما نزل مهاجر على أنصاري إلا بقرعة وقدر المهاجرون هذا البذل الخالص فما استغلوه ولا نالوا منه إلا بقدر ما يتوجهون إلى العمل الحر الشريف».
روى البخاري: أنهم لما قدموا المدينة أخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟
نلمس هنا بوضوح مسألة تلبية الحاجات البشرية حتى وصل الأمر إلى الحاجة الجنسية أيضًا، وهذا يدل على عمق الفهم والتطبيق.
عند هذا المقام يسجل الأستاذ: محمد أحمد الراشد إعجابه بقصة المؤاخاة في كتابه الرقائق فيقول: «وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، لكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة! وهي قصة وقعت في هذه الأرض ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان.
الصحابة -رضوان الله عليهم جميعًا قدموا الكثير لأجل بناء روح الفريق بينهم حتى يحققوا بها المعجزات ونحن نريد شراء هذا المبدأ السامي بالمجان.
لقد جاءت معظم التكاليف الشرعية الإسلامية من فرائض وسنن لتسهم في بناء العلاقات الإنسانية بين المسلمين وتعمل على تأصيل مبدأ روح الفريق بينهم فيعجب الفرد ما الحكمة من جعل صلاة العبد في جماعة تفضل صلاته منفردًا بضعًا وعشرين درجة في ظل تساوي عدد الركعات؟
فريق عمل واحد
أما العلاقة مع الله والاتصال به فهي قائمة في صلاة العبد جماعة أو فردًا، لكنها دعوة الحق للانخراط مع الجماعة وبناء العلاقات الإنسانية مع أفرادها، تبدأ بالتعارف والتآلف، وتستمر إلى ما لا نهاية حيث يشاء الله.
والحقيقة الأعم هي أن تعاليم الإسلام وأركانه يتكاتف بعضها مع بعض لتشكل من الأمة جمعاء فريق عمل واحد.
فالصلوات الخمس ملتقى لأهل الحي الواحد يلتقون مرات عدة في اليوم والليلة، وصلاة الجمعة تجمع أحياء عدة متقاربة لتتصل، وتتعارف، وصلاة العيدين تجمع أهل المدينة جميعًا في أرض الفضاء.
والصيام ما هو إلا تعاطف روحي مع الفقراء، والمساكين، وهذا من أسمى درجات العلاقات الإنسانية.
والزكاة تعمل على تلبية احتياجات الفقراء والمساكين المادية والعينية وهو الأمر الذي تأكد في قصة المؤاخاة.
والحج هو عنوان الوحدة ورمزها.
لدرجة أن الأمر وصل إلى فريضة رد السلام، وتشميت العاطس، وغيرها من التكاليف، الأمر الذي يشكل مدخلًا طبيعيًّا لبداية إقامة علاقة إنسانية على أسس إسلامية من أناس قد تجمعنا بهم الأقدار وحدها.
إن أي مبدأ ونظرية له مستوى ودرجات في التطبيق، وأعلى وأسمى درجات تأصيل روح الفريق بين أفراد المنظمة الواحدة أو المجتمع الواحد يتمثل في قول الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سورة الحشر: 9).
فلنبحث عن الذين يطبقون قول الله عز وجل في هذه الآية ولنحاول قياس درجة العلاقة الإنسانية بينهم إنهم في أعلى الدرجات وأسمى الحالات التي يمكن أن توحد.
إذن لا شك في أن مسؤولية بناء روح الفريق بين الأفراد مسؤولية عظيمة ومرهقة جدًا ونسبة الفشل فيها كبيرة، ولكن مع هذا فإن مسؤولية المحافظة على روح الفريق التي صنعت وبنيت هي الأعظم والأشق.
لقد كان الإمام حسن البنا -رحمه الله- بما رزقه الله من بصيرة من القلائل الذين يعرفون قيمة هذا المبدأ، وهذه العلاقات، لذلك عندما اختلف الناس في صلاة التراويح هل يصلون ثماني ركعات أم عشرين وطلبوا منه أن يحكم بينهم كان حكمه أن يغلق المسجد وأن يصلي كل واحد في بيته ما أراد أن يصلي وعلل ذلك قائلًا: إن اتحاد المسلمين وأخوتهم والحفاظ على وحدتهم فريضة، وصلاة التراويح لا تعدو أن تكون نافلة ولا كانت نافلة تهدم فريضة.
الواقع أن أخطر ما تعانيه الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر هو غياب روح الفريق ويوم نتقن العمل بروح الفريق سيكون ذلك بشارة إحياء حضارة إسلامية معاصرة، ولن يوقف المد الإسلامي الحضاري عائق بعد ذلك، فإن رحمة الله وبركاته تتنزلان على العاملين بروح الأخوة وروح الفريق، فيد الله مع الجماعة (دليل التدريب القيادي)
إعداد: عبد الحميد البلالي
وقفة تربوية
الاتصال الناجح (2)
تحدثنا في الوقفة السابقة عن الصفات الخمس للاتصال الناجح، وذكرنا منها اثنتين هما: الاستماع من أجل الفهم، وتقدير احترام المتكلم.
واليوم نتناول صفتين من الصفات الثلاث الباقية، وهي: تذكر الحوافز قبل البدء بالحديث، وأن يكون الإنسان منسجمًا أمينًا، وأن يتحدث ويستمع مع اتخاذ موقف إيجابي.
أما الصفة الثالثة فهي من أكبر المحركات لكسب جميع شرائح المجتمع، فحوافز الدعاة إلى الله تعالى تختلف اختلافًا كبيرًا عن حوافز الماديين، الذين لا يعولون إلا على الحوافز المادية، بينما يتعلق الداعية إلى الله تعالى بالحوافز الأخروية، بل يقدم دمهرخيصًا في ساحات الجهاد، دافعه الجنة والحور العين وتاج الكرامة والحشر في حواصل طير خضر تطير في عرصات الجنة، وغيرها من الحوافز الأخروية.
بل يتحمل الدعاة الكثير من أذى الذين يدعونهم، بتعلقهم بهذه الحوافز الأخروية وحدها، مما يجعلهم أكثر الناس تهيئة لكسب الآخرين لو أنهم تذكروا فعلًا تلك الحوافز حينما يتحدثون أو يستمعون للآخرين.
أما الصفة الرابعة فيقصد بها تحقيق التوافق والانسجام بين سلوكك وأقوالك، فالناس متى رأوا تناقضًا بين الاثنين فإنهم لا يمكن أن يثقوا بالمتحدث، لذلك قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 3) كما أن عدم التوافق من صفات المنافقين الذين لا يليق بالداعية المؤمن الاتصاف بأخلاقهم، فضلًا عن أنه يخسر نتيجة ذلك الكثير من العلاقات واحترام الآخرين.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org