; تعلمت من هؤلاء (١١).. الأستاذ كمال السنانيري | مجلة المجتمع

العنوان تعلمت من هؤلاء (١١).. الأستاذ كمال السنانيري

الكاتب د. محمود عزت

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011

مشاهدات 71

نشر في العدد 1943

نشر في الصفحة 57

السبت 12-مارس-2011

 «أصدق الله يصدقك»، هذا كان حال الأستاذ «كمال السنانيري»، يرحمه الله أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله، كان صادقاً في كل شيء، مجاهدًا لنفسه، كثير الذكر طويل العبادة. نشأ في أسرة ثرية، كان والده يمتلك صيدلية، في وقت ندر فيه امتلاك مثلها لقلة عدد الصيادلة في ذلك الوقت، وقصته تذكرني بسيدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه، حيث كان ثريًا ومع ذلك عاش زاهدًا.

تعرفت عليه في السجن، وكان يحرص على الصيام «يصوم يوما ويفطر يومًا» لا يدع ذلك حتى في مرضه وكان لا يلبس إلا بذلة السجن، ومعروف أنها خشنة غير مهندمة، والعجيب أنه كان يلبسها ولا يرتدي تحتها شيئًا من الملابس الداخلية التي كانت ضرورية سواء كان ذلك في الصيف لتمتص العرق، حيث كنا في سجن قنا وكان الجو شديد الحرارة، كما أنها ضرورية في الشتاء لشدة البرودة، ومع ذلك كان لا يقبل مطلقًا أن يلبس تحتها شيئًا مهما كانت حالته المرضية. 

وفي إحدى المرات ارتفعت درجة حرارة أخينا كمال، ووصلت ٤٠ درجة، وذهبت إلى الأستاذ حامد أبو النصر «وكان وقتها عضو المكتب الموجود في قنا» أطلب منه أن يلزمه بلبس شيء؛ لكن الأستاذ كمال يرحمه الله رفض بشدة، ولم يمنعه ذلك من إتمام صومه أو قيامه بواجباته.

نموذج فريد من الهمة العالية والالتزام والانضباط، وهذا كان أول انطباع أخذته عن الأستاذ كمال، وكان يتمتع بالعديد من الصفات الحسنة، منها: الشهامة والرجولة والصبر، وكان شديد الرفق بإخوانه خدومًا لهم، كان يسارع بالقيام بواجبه وواجب بقية إخوانه رغم أنه كان في وقت من الأوقات مسؤول الإخوان العام عن السجن لكنه كان حريصًا أن يؤدي واجبه في مسألة الخدمات سواء كان التنظيف أو إحضار الطعام أو الخروج لأداء بعض الخدمات في شدة الحر بالتعامل مع الإدارة أو إحضار الزيارات من الخارج لإدخالها السجن وتوزيعها، ويقوم بكل أعبائه وواجباته. 

الأمر الثاني الذي لاحظته على الأستاذ كمال حبه للذكر؛ فكان دائما لسانه رطبًا بذكر الله تبارك وتعالى، وكان يداوم على قيام الليل، حيث كان يفضل أن يكون في زنزانة انفرادية لسنوات طويلة جدًا أحسب أن دافعه في ذلك هذه العبادة التي كان لا يحب أن يطلع عليها أحد. 

كما تعرض لمحن كثيرة وتحملها بصبر، منها: طلب زوجته الطلاق أثناء فترة سجنه، فعوضه الله عنها، حيث نزل إلى الليمان؛ ليعالج أذنه بعد أن فقد جزءًا كبيرًا من سمعه أثناء التعذيب «بعد الفترة الأولى من سجنه التي بدأت عام ١٩٥٤م» ولما نزل للعلاج بعد ذلك قابل الأستاذ سيد قطب، وهناك تعرف على شقيقته أمينة قطب، أثناء زيارتها لأخيها، وتزوجها بعد خروجه من السجن. 

ومن الدروس التي تعلمتها من الأستاذ كمال يرحمه الله: «ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»، فقد كان الأستاذ يستغني عن أي شيء يمكن أن يستغله خصومنا؛ ليضعفوا من إرادتنا مهما كان هذا الشيء من الحاجيات الأساسية، فالقاعدة عنده أنا لا أحب أن يضغط على أحد بشيء.

فلم يكن له عادات في مسألة الطعام أو الشراب، فقد كنا جميعًا نضع صناديق لجمع القمامة، وبقايا الطعام خلف أبواب الزنازين، إلا هو لم يكن يضع مثل ذلك الصندوق؛ لأنه كان يستفيد من كل بقايا الطعام حتى قشر البرتقال كان «يخلله»، حيث كان عنده «برطمان» المخلل هذا يضع فيه أي شيء يتبقى من الطعام، كذلك كان حاله بين إخوانه يزهد فيما بين أيدي الناس، تستشعر أنه يعمل بقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (الشورى: 23).

وكان حريصًا على مشاعر إخوانه يخدمهم بقلبه، وكان رجلًا رياضيًا فكان يتحمل ضعف ما يتحمله أي أخ.

وبعد خروجه من السجن كان من المجتهدين لعودة العمل الدعوي مرة أخرى، وكان عضوًا في أول مكتب إرشاد بعد خروج إخوانه من السجن، وكان مهتما بنشر الدعوة خارج القطر المصري فبمجرد خروجه من السجن اهتم بالقضايا العالمية، وكان على رأس هذه القضايا دوره في القضية الأفغانية، فكان يدرك حقيقة ما يحتاجه الأفغان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي وهو الوحدة ولذلك لازمهم فترات طويلة حتى يؤلف بين قلوبهم ويجمع كلمتهم، حتى تكللت جهوده بالنجاح، وأخذ قادتهم جميعًا إلى مكة وكان ميثاق الاتحاد بين طوائف وفرق المجاهدين الأفغان، وتم قيام التحالف الإسلامي للمجاهدين، قبل أن تظهر «طالبان»، ولبث في أفغانستان فترة طويلة، وأذكر أنه في أواخر عام ۱۹۸۰م عاد الأستاذ كمال بعد فترة غياب طويلة والتقى بمكتب الإرشاد، فقال له الأستاذ عمر التلمساني -يرحمه الله- المرشد العام في ذلك الوقت كنت أظن أنك قد استشهدت فقد غبت عنا مدة طويلة، وغابت أخبارك، فقال الأستاذ كمال: «والله إني لأسأل الله الشهادة»، فما لبث إلا أشهر قليلة حتى كانت محنة عام ۱۹۸۱م ودخل السجن واستشهد الأخ كمال داخله، فقد صدق الله تبارك وتعالى فصدقه.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبله في الشهداء، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية