; تعلمت من هؤلاء ... الشهيد عبد الفتاح إسماعيل | مجلة المجتمع

العنوان تعلمت من هؤلاء ... الشهيد عبد الفتاح إسماعيل

الكاتب د. محمود عزت

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2010

مشاهدات 55

نشر في العدد 1932

نشر في الصفحة 35

السبت 25-ديسمبر-2010

لعل الفائدة التي أتحصل بها من مصاحبتي لإخواني تعظم أو تكبر على قدر المرحلة التي كنت أمر بها شخصيًّا، أقصد بذلك أن الذين تعرفت عليهم في بداية معرفتي بطريق الدعوة كان لهم أثر كبير في تربيتي وتكويني وتعليمي من هؤلاء الشهيد عبد الفتاح إسماعيل.

في أوائل الستينيات كنت طالبا في كلية الطب والتقيت بأخي وزميلي وأستاذي د. صلاح عبد الحق وكان حريصا أن يحقق في نفسه وأن يحقق معي أن نكون ممن يصدق فيهم حديث الرسول ﷺ: «وشاب نشأ في طاعة الله».

وحرص د. صلاح -وحرصت معه- أن نكون على هذه الطاعة وهذه العبادة، وحدود هذه العبادة ومفهومها عظم بشكل كبير عندما عرفت الشهيد عبد الفتاح إسماعيل، بعد أن التزمت وعدت مرة أخرى إلى ما كنت تعلمته في صغري من صلتي بالإخوان في فترة الصبا، فبدأت في هذه الفترة  «١٩٦٢-١٩٦٣م» أبحث عن العبادة والطاعة التي ترضي الله سبحانه وتعالى، ومن هذه العبادة والطاعة أن أكون صاحب رسالة. فما الرسالة التي يجب أن أحملها ؟ لا شك أن الشهيد عبد الفتاح إسماعيل كان له أثر عظيم في استقرار ومعرفة هذه الرسالة.

في الفترة التي تعرفت فيها عليه يرحمه الله كنت أبحث عن الجماعة التي تحمل هذه الرسالة. رسالة الإسلام العظيم بشمولها وكمالها، فكنت أذهب إلى مساجد «الجمعية الشرعية» وأستمع إلى دروس الفقه والعلم والسنن والآداب، وتعلمت من ذلك ما أفادني في حياتي، ثم بعد ذلك كنت أخرج مع جماعة «التبليغ» لأقوم بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وأخرج للسفر الطويل في هذا الطريق. وعندما التقيت بالشيخ عبد الفتاح استفدت الفائدة العظمى، وهي أن دعوة الإخوان المسلمين تحمل الخير من كل هذه الدعوات، وبدأ يتعرف على شخصيتي فأقول له: قرأت كذا وكذا في الفقه وفي الحديث وفي كتب الإخوان نفسها. قرأت رسائل كذا وكذا، فأخذ بيدي إلى أن أضع كل شيء في موضعه، وهو أن أحول كل ما قرأته وما أبحث عنه إلى واقع في حياتي بأن يكون الفهم الصحيح والخلق القويم والدعوة المستمرة والثبات على هذا الحق. من أسس تكويني وتربيتي، ولكي تتحول هذه المعاني إلى أخلاق وصفات كانت هناك مجموعة من الأنشطة التي حرص عليها الشهيد عبد الفتاح إسماعيل، منها المخيم والرحلة، وكان يصحبني في ذلك، وكذلك اللقاء الأسبوعي.

وكنت في ذلك الوقت أسكن في مصر «الجديدة»، وكان مما يعجب منه الناس كيف يكون شاب في مثل سني طالب في كلية الطب ثم يصاحب رجلا يرتدي العباءة ويعمل بتجارة الحبوب ولذلك حرص الشهيد عبد الفتاح إسماعيل على أن تكون لقاءاتنا في المتنزهات وفي بعض الحدائق وفي منزله كان يفعل هذا مع عدد كبير من الإخوان، واكتشفت بمرور الوقت أن هذا الرجل كان له فضل الصلة ما بين أجيال ١٩٥٤م للأجيال التي تلت بعد ذلك في ١٩٦٥م، واكتشفت أنني لست وحدي ود. صلاح من كان يقوم بهذا الدور، وإنما كانت مجموعات على مستوى القطر المصري. 

لم تكن هذه التربية تربية خاصة بالأخلاق والصفات والمفاهيم، ولكن كان هذا الرجل في تنظيمه الإداري ووعيه ذا باع طويل فكان واسع الثقافة، كما كان فقيها حرص على أن تكون اللحمة ما بين الأجيال لحمة موصولة بقيادة الجماعة فذهب إلى الأستاذ حسن الهضيبي يرحمه الله واستأذنه في تكوين جزء من هذه الجماعة والوصل والجمع بين الإخوان على مستوى القطر وفي الوقت نفسه كان يتصل بالأستاذ سيد قطب يرحمه الله في داخل السجن ويوصل إلينا رسائله التي كان يكتبها.

الدرس الآخر الذي تعلمته من الشهيد عبد الفتاح إسماعيل هو أن إخلاصك للدعوة سبب في أن يثبتك الله تبارك وتعالى على هذا الحق. في السجن الحربي كانت الأمور بالنسبة لنا كما يصف الحق تبارك وتعالى: 

﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾(سورة الاحزاب: أيه رقم11)، هذا الرجل الذي كان يحرص في الزنزانة على أن يقوم للصلاة بعد أن تنام، وإذا كنا في سفر يحمل حقائبنا على كتفه وفي التحقيقات كتم كل شيء حتى يحافظ علينا وكان في شدة السجن الحربي يذكرنا بالثبات على الحق، وأن مما يعيننا على هذا الثبات إخلاص النية، ثم الذكر الدائم لله تبارك وتعالى، وتمثل ذلك في شجاعة لو لم أرها بنفسي لاستغربت أن يحكيها لي أحد.

فقد كان الشهيد عبد الفتاح يتحمل التعذيب الشديد جدا. كان الجلادون يتبارون في ألوان التعذيب، حيث كانوا يأتون بالكلاب المدربة، فإذا ضربوا الشهيد عبد الفتاح بالكرابيج تأتي الكلاب لتنهش في لحمه، هذا منظر مرعب جدًّا، إلا أن الأمر العجيب أني رأيت الرجل يمسك بالكلبين في يده حتى ظهر لسانهما إلى الخارج، وكادا أن يموتا، وأنا كنت بمجرد أن أسمع صوت الكلاب والكرابيج أرتعد إلا أنني وجدت هذه النفس القوية الشجاعة، حتى أن الكلاب لم ينقذها منه إلا الجلادون الذين أخذوا يضربون على يديه حتى تنجو الكلاب من هذه القبضة القوية المعتصمة بالله سبحانه وتعالى المخلصة له وحده نحسبه أن الله تعالى قد ثبته وشرفه بهذه الشهادة، وأحسب أنه حقق أمنيته بأن يكون مع رسول الله ﷺ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

292

الثلاثاء 31-مارس-1970

بـَـريد المحــَـرر في مشكلة

نشر في العدد 1186

88

الثلاثاء 30-يناير-1996

صحة الأسرة: 1186