; تفاصيل الهجمة الصهيونية الغربية الشاملة ضد السودان | مجلة المجتمع

العنوان تفاصيل الهجمة الصهيونية الغربية الشاملة ضد السودان

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997

مشاهدات 55

نشر في العدد 1236

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 28-يناير-1997

تتستر بالمتمردين.. وتنطلق من إثيوبيا وإريتريا وأوغندا

  • ٢٢ دبابة إثيوبية و٦٠٠٠ جندي احتلوا «الكرمك» و«فيسان» ثم نقلوا قوات قرنق جوًّا إليها.
  • أصابع إسرائيلية وأمريكية واضحة وراء العدوان وإريتريا وإثيوبيا مجرد أدوات.

القاهرة: محمد جمال عرفة 

على الرغم من أن العدوان الإثيوبي والإريتري الأخير على شرق السودان كان متوقعًا من جانب الحكومة السودانية بسبب توافر معلومات استخبارية ومؤشرات له مثل قرار واشنطن دعم الدولتين بـ ۲۰ مليون دولار في صورة «عتاد عسكري»، وتوحيد المعارضة الشمالية والجنوبية نفسها تحت إمرة زعيم متمردي الجنوب جون قرنق، فقد فوجئت الخرطوم تمامًا بما حدث لعدة أسباب، منها أن الحشود كانت على الجبهة الإريترية، ولكن بداية الضربة جاءت من إثيوبيا، ومنها أن من عادة المعتدين على الحدود السودانية–الإثيوبية التحرك بالأسلحة الخفيفة التي يمكن صدها بسهولة، ولكن العدوان هذه المرة استخدمت فيه (۲۲) دبابة و٦٠٠٠ جندي إثيوبي، ومهدت له عشرات من قطع المدفعية الثقيلة التي لا يملكها المتمردون من عيار 120، 130، 122مم، وهو ما اعترفت به إدارة الرئيس كلينتون نفسها في تصريح على لسان مسؤول فيها أكد تورط إثيوبيا في الهجوم على المنطقة الحدودية السودانية، أما الطريف فهو أن مدينة «الكرمك»، التي تم احتلالها أخيرًا سبق احتلالها ثلاث مرات سابقة وفي كل مرة كانت الحكومة السودانية تنجح في طرد المتمردين منها.

وكانت الخطة الإثيوبية تقوم على احتلال هذه المنطقة الحدودية سريعًا ثم نقل قوات التمرد–بزعامة قرنق من إثيوبيا وإريتريا وأوغندا للمنطقة – بالطائرات ليخلفوا القوات الإثيوبية في هذه المواقع على أن يستمر قادة المخابرات العسكرية الإثيوبية داخل السودان لوضع الخطط اللازمة لقوات التمرد المطعمة بعشرات من المعارضة الشمالية من حزبي الأمة والاتحادي والشيوعيين وقد نفذت هذه الخطة بالكامل حتى أنه نقل عن شهود عيان سودانيين في المنطقة الحدودية أن القوات المعتدية لم تكن سودانية، بل من قوميات إثيوبية معروفة خصوصًا، التيجري، التي تسيطر على الحكم حاليًا في إثيوبيا.

الخطة الأم لضرب السودان:

 أما الخطة الأم لضرب السودان -والتي أعلن عنها معارضون سودانيون في القاهرة وأكدها مبارك الفاضل المهدي- فتقوم على ثلاثة دعائم أساسية «الأولى» والأساسية هي غزو شرق السودان من الحدود الإريترية وطولها «٣١٠ كم» بهدف الوصول إلى مدينة وميناء بورسودان ومن ثم حرمان حكومة الخرطوم من المنفذ البحري الوحيد وخنقها، خصوصًا أن ذلك يفترض أن يتزامن مع الحظر الجوي الذي سيفرضه مجلس الأمن على الطيران السوداني، أما الدعامة «الثانية»، فتقوم على احتلال ولاية النيل الأزرق عبر الحدود الإثيوبية والوصول إلى منطقة الدمازين وخزان الروصيرص الإستراتيجي الذي يمد السودان بـ ٩٠٪ من احتياجاته من الكهرباء بهدف شل الحياة في السودان والتحرك من هناك إلى الخرطوم بعد نقل مقر قيادة المتمرد قرنق إلى هناك، والثالثة، تقوم على القيام بهجوم عبر الجنوب الغربي لاحتلال منطقة الآبار البترولية السودانية الجديدة وقطع طرق مواصلات نقل البترول السوداني الذي بدأت الحكومة السودانية تستخرجه بكميات اقتصادية لأول مرة، وواضح أن السيناريو هو شل الحكومة السودانية والضغط عليها لإسقاطها، إلا أن القراءة المتأنية لهذا التحرك العسكري المعادي الأخير لا تدلل على قوة هذه المعارضة السودانية بقدر ما هو دليل ضعف وفشل في تغيير النظام من داخل الأراضي السودانية «سواء بانقلاب أم انتفاضة أم غير ذلك»، ودليل قوة لحكومة الخرطوم للحد الذي دفع المعارضة للتعاون مع أعدى أعداء وحدة السودان مثل قرنق، وإريتريا، وإثيوبيا وجهات أجنبية غربية أخرى لمعاونتها لقلب الحكم الحالي!

بل لقد شعر المعارضون بهذا الحرج فأعلنوا أن هدفهم هو تسريع خطى الانتفاضة الشعبية والضغط على النظام حتى يسمحوا للجماهير بالخروج عليه؟ 

المصالح الإثيوبية والإريترية:

في عام ١٩٩١م نفذت المخابرات السودانية العسكرية خطة سرية أطلق عليها اسم «حجاب» لمساندة قوات المعارضة الإثيوبية «الجيش الشعبي لتحرير إثيوبيا»، والإريترية «الحركة الشعبية لتحرير إريتريا»، في ذلك الوقت وتمكينها من إسقاط حكم الرئيس الإثيوبي «منجستو هيلا مريام»، ونجحت هذه الخطة بصورة مطلقة، ووصل زعيما المعارضة «ملس زيناوي» و «أسياسي أفورقي» للسلطة بفضل هذا الدعم السوداني.

وقد امتدت المساعدة السودانية لنظامي زيناوي، وأفورقي رغم أنهما مسيحيان ويحكمان بلدين غالبية سكانهما من المسلمين، لحد منع المعارضة الإسلامية لهما من العمل في الخرطوم وإغلاق مكاتب لحركتي الجهاد الإسلامي الإريترية، والإثيوبية وحركات أخرى لبني شنقول، والعفر، والأرومو طلبًا لإرضاء النظامين الجديدين وتوقعًا لأن يؤدي سقوط منجستو وقوميته «الأمهرا» لإعطاء الفرصة للقوميات الأخرى «المسلمة في أغلبها»، للعب دور تتحول معه إثيوبيا، وإريتريا بالتدريج للإسلام، إلا أن العكس تمامًا حدث، فمن جهة بدأت التدخلات الأمريكية والإسرائيلية «وليم كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكي وشيمون بيريز وزير خارجية إسرائيل سارعا لزيارة البلدين ودق الأسافين وعرض المساعدات والتحذير من الخطر الأصولي في السودان». ومن جهة ثانية لم تسمح جبهة الرئيس الإثيوبي زيناوي وهي من قبيلة «النيجري» بهذا التعدد ومشاركة القوميات الأخرى في الحكم، كما لم تسمح جبهة الرئيس الإريتري أفورقي بدورها بالتعدد السياسي وحظرت أنشطة الحركات التحررية الإسلامية والقومية المعارضة لها، بل وبدأت على العكس تسكن أنصارها وأهل ملتها في المناصب العليا، وتحول الأمر لصدام إستراتيجي بين أهداف البلدين وأهداف الحكومة السودانية وبدأت الاتهامات للسودان بأنه يسعى النشر فكر الجبهة القومية الإسلامية جبهة الترابي في البلدين ويساند قوات المعارضة الإسلامية الإريترية «٤٠آلاف مقاتل»، وكذلك حركات إثيوبية معارضة مثل جبهة تحرير الأوجادين الإسلامية، وحركة تحرير أرومو الإسلامية وبني شنقول وغيرها، ولأن هذه القبائل مسلمة وتتركز على الحدود السودانية الإثيوبية فقد كانت هناك رغبة إثيوبية في حرب هذه القبائل المعارضة لحماية حكمها من جهة، ولإنشاء نوع من الحاجز الأمنِي على حدودها، أما إريتريا فلها مطامع في مدينة كسلا شرق السودان ولها في السودان ما لا يقل عن ٢٠ ألف مهاجر مسلم موجودين هناك منذ الحرب في إثيوبيا، وهؤلاء لو عادوا للبلاد لأصبحوا قوة ضغط على النظام، لأنهم تصاهروا مع أهل السودان ولهم مصالح معهم كما أن هناك جوائز عرضها عليهم الصهاينة وأمريكا مقابل تنفيذ خططهم في منطقة القرن الإفريقي والسعي مع إثيوبيا لحصار تقدم الصحوة الإسلامية شرقًا على أن تقوم أوغندا وكينيا بهذا جنوبًا، فضلًا عن أن هناك إرث عداء قديم بين الأحباش عمومًا والسودان منذ عهد الدولة المهدية في القرن الـ ۱۹، ومن هنا يفهم مصلحة إريتريا وإثيوبيا في إسقاط الحكم الحالي في السودان، بل وأي حكم قوي في الخرطوم لأنه  بالضرورة يهدد أمن الدولتين ويفهم لماذا تصعد أوغندا بدورها الأمور لصالح المتمردين في الجنوب، إذ إن منطقة الحدود السودانية الأوغندية تسكنها قبائل «الأشولي» المسلمة ولو قدر الحكومة الخرطوم الإسلامية أن تصل لحدودها في الجنوب وتسيطر عليها -لأول مرة منذ استقلال السودان- لأصبح هناك تواصل بين الشمال الإفريقي المسلم والعربي والجنوب ما يعني انتشار الصحوة الإسلامية وانطلاقها جنوبًا، وهو ما تقاتل دول وهيئات ومنظمات تبشيرية لمنعه بأي ثمن!

أيضًا هناك قوات معارضة أوغندية مثل جيش الرب المسيحي، وقوات ملتوف أوبوتي وغيرها، وهذه تدعمها الحكومة السودانية ردًّا على دعم أوغندا للمتمردين السودانيين وهم يهددون كمبالا دومًا. 

ضوء أخضر أمريكي للعدوان!

في أوائل نوفمبر الماضي نشرت أخبار عادية عن رصد أمريكا مبالغ مادية في صور عتاد عسكري تقدم لكل من إثيوبيا وإريتريا وأوغندا بزعم دعم الاستقرار في هذه الدول، إلا أن ديفيد أوتاري، أحد كبار محرري صحيفة واشنطن بوست كتب يوم ۱۱نوفمبر يشرح تفاصيل هذا الأمر ويكشف عن ضوء أخضر أمريكي لقلب حكم السودان الأصولي الحالي، فماذا قال يقول أوتاري تحت عنوان «الولايات المتحدة ترسل عونًا لأعداء السودان» -ونقلًا عن مسؤولين في الإدارة والمخابرات الأمريكية- أن الدعم الأمريكي بحوالي ۲۰مليون دولار سوف ينقل لهذه الدول الثلاثة لدعمها ضد السودان، وأنه سوف ينقل فيما بعد من هذه الدول لأيدي المعارضة السودانية على الحدود الإريترية والإثيوبية، وقد حاول مسؤولون بسفارة أمريكا بالسودان نفي ذلك إلا أنهم أكدوا بنفيهم ما قيل.

إذ برروا إرسال السلاح والعتاد العسكري لهذه الدول بحجة أنه المقاومة المعارضة الإريترية، والإثيوبية، والأوغندية التي تساندها السودان أي أنهم يعترفون ضمنًا بذهاب هذا السلاح للمعارضة السودانية ولكن ردًّا على مساندة الخرطوم للجماعات المعارضة للبلدان الثلاثة.

«وقد كشف مقال الواشنطن بوست عن أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أعطى ضمنًا إشارة خضراء لبدء غزو السودان وإرسال الأسلحة للدول المجاورة ومنها للمعارضة السودانية للقيام بهذا الأمر، إذ نقل عن مسؤولين بالإدارة الأمريكية أن اجتماعات عقدت لهذا الغرض وحضر كلينتون بعضها، وهو ما يؤكد أهمية هذه الاجتماعات»، وقال بالنص «لقد اجتمع المسؤولون «الأمريكيون»، مرات عديدة لمناقشة السياسة إزاء حكام السودان الإسلاميين المتشددين، وقد وضع هؤلاء المسؤولون سياسة مدروسة جدًّا لتبني خط أكثر تشددًا حسب قول أحد كبار مسؤولي الإدارة الذي أضاف: لقد شارك الرئيس كلينتون في بعض هذه النقاشات»!؟

بل لقد نقلت الصحف الأمريكية عن هذا المسؤول أن العتاد العسكري سيذهب لهذه الدول الثلاثة «لأنها تساند جماعات معارضة سودانية تهيئ لهجوم مشترك لإسقاط حكومة الخرطوم وقال إن بلاده تعتبر هذه الدول الثلاثة دول مواجهة أمامية»، لأنها ستلعب دورًا في مساعدة واشنطن على احتواء الخرطوم، والملفت للنظر أن المسؤولين الأمريكان حددوا موعد إرسال هذا العتاد العسكري في ديسمبر الماضي وأوائل يناير الجاري وبدؤوا بإثيوبيا التي سارعت بالعدوان على السودان بعد أن وصلها الدعم، ثم إريتريا التي بدأت بدورها الهجمات عبر الحدود تحت غطاء التمرد والمعارضة السودانية، وأخيرًا أوغندا التي أكد المسؤولون السودانيون أنها تحشد بدورها مدرعات وقوات استعدادًا لبدء دورها المرسوم في أي لحظة.

أيضًا يلاحظ أن توقيت الهجوم يأتي في الوقت الذي يجتمع فيه مجلس الأمن ليقرر حظر الطيران السوداني بضغط مباشر من أمريكا وبعد انتهاء موسم الأمطار الذي يعرقل العمليات العسكرية في المنطقة، وكلها معلومات مؤكدة على لسان مسؤولي المخابرات الأمريكية بصرف النظر عن اللغة الدبلوماسية التي تنفي بها واشنطن أي تورط لها في السودان.

«شاحاك»، على الحدود السودانية!

قبل بدء الهجوم الإثيوبي والإريتري بـ ٤٨ ساعة زار «أمنون شاحاك»، رئيس الأركان

الإسرائيلي كل من إريتريا، وإثيوبيا، وأوغندا ولم يعلن شيء عن الزيارة التي أحيطت بالسرية، «وإن نشرت صحف محلية نبأ الزيارة دون تعليق» ووفقًا لمصادر مطلعة بالقاهرة، فقد كانت الزيارة على صلة بخطة ضرب السودان التي هي جزء من مخطط إسرائيلي-أمريكي للسيطرة على مداخل ومخارج البحر الأحمر، وتعزيز الوجود في منطقة أعالي النيل والبحيرات العظمى، وهو مخطط معروف تستخدم فيه إريتريا واثيوبيا بدهاء، وظهر جزء من سيناريو تنفيذه باحتلال إريتريا لجزر «حنيش» الصغرى والكبرى اليمنية، وقد تفقد شاحاك القواعد الخمسة التي منحتها إثيوبيا «واحدة»، وإريتريا «أربعة»، لإسرائيل هناك، واطَّلع على ما يجري الإعداد له، وقدم دعمًا عسكريًّا واستخباريًّا لإنجاح هذا العدوان ضد السودان، زاعمًا أن ذلك يأتي في سياق خطة لدول المنطقة «مثل مصر»، وأمريكا لضرب الأصوليين المسلمين» في المنطقة واحتواء التطرف، وهو ما يرمز لتصاعد الصحوة الإسلامية في هذه المنطقة، والمعروف أن هناك 5 قواعد منحتها إثيوبيا، وإريتريا لإسرائيل وأمريكا معًا في أراضيها، واحدة منها في إثيوبيا عبارة عن مركز تدريب شمال إثيوبيا للمرتزقة وقوات قرنق والمعارضة السودانية وتعد لاستقبال قوات أمريكية في المستقبل، والأربعة الأخرى قواعد بحرية في إريتريا اثنتان بالجنوب على بعد 80 كم من مضيق باب المندب على جزيرتين صغيرتين وثالثة بحرية برية ورابعة بحرية على البحر الأحمر بالقرب من الحدود السودانية.

وقد سعى الصهاينة لتعزيز وجودهم في منطقة البحر الأحمر وأعالي النيل لهدفين: الأول هو عدم إغلاق هذا البحر في وجوههم مرة أخرى بعدما اغلق خلال حرب أكتوبر ۱۹۷۳م، والثاني هو ابتزاز مصر عن طريق التهديد بمساعدة إثيوبيا على بناء عدة سدود على النيل قد تقلل الكميات الواردة لمصر والسودان، وأن تسمح لها مصر والسودان بالحصول على فرع من النيل عبر سيناء لري أراضيها مستقبلًا.

اتصالات مصرية- سودانية:

أحد مهددات الأمن القومي المصري التي لا يمكن السكوت عليها هي فصل جنوب السودان عن شماله أو تفتيت وهدم وحدة الأراضي السودانية أو تهديد تدفق مياه النيل القادمة عبر السودان إلى مصر، وعليه فلو سيطرت قوات التمرد بزعامة جون قرنق على كل الجنوب أو وصلت لولاية النيل الأزرق؛ حيث يتركز مخزون المياه القادم عبر النيل إلى مصر، فسوف يشكل هذا تهديدًا للأمن القومي المصري يستدعي تدخل القاهرة بالتعاون مع حكومة الخرطوم أيًّا كانت الخلافات بين الحكومتين لمواجهة هذا الخطر المشترك، ولذلك بمجرد احتلال الكرمك وقيسان وزحفها تجاه الدمازين ومنطقة المخزون المصري من المياه، تحرك السودان للتعاون مع مصر ضد القوات الغازية، وبدأت الاتصالات أولًا عبر سفارتي البلدين في القاهرة والخرطوم، ثم زار القاهرة وفد رسمي برأسه اللواء الزبير محمد صالح نائب رئيس الجمهورية ومعه فريق أمني وعسكري الإبلاغ القاهرة بخطورة الأوضاع في المنطقة طالبًا دعمها «وفود أخرى ذهبت لإطلاع الدول العربية على ما يجري»، وعلمت المجتمع أن لقاءات اللواء الزبير مع الرئيس مبارك والمسؤولين المصريين، «والتي امتدت ليومين بدلًا من يوم واحد. مما يشير للتوصل لتفاهم ما»، ركزت على التحرك المشترك لحماية مياه النيل، ووحدة أراضي السودان كثوابت إستراتيجية لا خلاف عليها بين البلدين، كما ركزت على بحث مطالب السودان من مصر «وهي عبارة عن طلب دبابات وراجمات صواريخ وذخائر وعدم تشجيع المعارضة السودانية في القاهرة، خصوصًا أنها تعمل من هناك ضد السودان وتضع الخطط العسكرية ولم تعد مجرد قوى سياسية لاجئة»، ومطالب مصر من السودان، وهي التوقف عن السياسات التي تضر مصر مثل التعاون مع إيران، وعدم تسليم إرهابيين مصريين مطلوبين، أيضًا ركز المسؤول السوداني على طلب دعم مصر لإسقاط قرار حظر الطيران على السودان، ومحاولة ثنيها عن تأييده لخطورة ذلك أيضًا على السودان ووحدته، ومن ثم على أمن مصر ذاتها، لأن هذه العقوبات تضعف حكومة الخرطوم في الوقت الذي يقوي فيه أعداؤها مما يهدد الاستقرار ووحدة السودان.

ورغم أن المعلومات التي تسريت من الاجتماعات المصرية السودانية أشارت لاستعداد القاهرة «الأتوماتيكي» لدعم السودان في حالة وصول الأمر هناك المرحلة خطرة، وأفلت الزمام من حكومة الخرطوم، فقد جاءت تصريحات الرئيس مبارك في معرض الكتاب «بعد لقائه مع اللواء الزبير بساعات»، لتغلق الباب أمام إمكان تقديم مصر دعمًا عسكريًّا للسودان، إذ نفى الرئيس مبارك المبرر الأساسي لاحتمال تقديم هذا الدعم وهو وجود غزو خارجي، من إثيوبيا، وإريتريا لأراضي السودان، واعتبر ما يجري شأنًا داخليًّا وأن الهجوم جاء من قوات قرنق وقوات للمعارضة.

ورغم خطورة هذه التصريحات التي فسرتها مصادر في القاهرة بأنها تغيير في الإستراتيجية المصرية التي تقوم على التدخل لصالح السودان في حالة كان هناك تدخل خارجي وعدم التدخل في حالة كان الاقتتال داخليًّا، أو انقلابًا، أو انتفاضة شعبية، فقد لوحظ أن الرئيس مبارك تحدث عن مطالب مصرية قال إنه أبلغ السودان بها، وألمح إلى أنها شروط للمساعدة، الأمر الذي دعا مراقبين في القاهرة للقول إن القاهرة لا يمكن أن تتأخر عن التحرك لمواجهة ما يضر أمنها القومي بسبب ما يجري في السودان، ولكنها تسعى للاستفادة من الظرف نفسه في إجبار حكام السودان على تغيير بعض السياسات والاستجابة لمطالب مصرية معينة خصوصًا أن التقارير تشير لثبات وقوة موقف الحكومة السودانية وقدرتها على دحر هذه القوات المعتدية، وأن الأمر لم يصل بعد المراحل خطرة. 

سير العمليات مستقبلًا هو الذي سوف يحدد بالتالي موقف القاهرة النهائي، خصوصًا وأن الرئيس مبارك تحدث عن شتائم الدكتور حسن الترابي لمصر والتي صدرت في نفس يوم زيارة اللواء الزبير، وهي التصريحات التي أصدر مكتب الترابي بيانًا قال فيه إنها صدرت قبل زيارة الزبير لمصر ولكن وسائل الإعلام الغربية تعمدت نشرها يوم زيارة الزبير لمصر لعرقلة أي محاولة لتحسين العلاقات بين البلدين.

وقد سألت المجتمع مسؤولًا دبلوماسيًّا سودانيًّا كبيرًا في القاهرة عن خطورة الوضع على الجبهات، فحذر من حجم العدوان هذه المرة على جميع الجبهات وثبوت تورط الدول المجاورة، إلا أنه أكد أن الجيش السوداني الآن أفضل تسليحًا وتنظيمًا وقادر على ردع الاعتداء ومن ورائه قوات الدفاع الشعبي التي نجحت في مساعدته في استعادة مساحات تعادل حجم أراضي ألمانيا «١٠٨,١٧٤كم ۲» في جنوب السودان من أيدي المتمردين خلال عامي ۱۹۹۲م، ۱۹۹۳م.

وأشار إلى أن معلومات الاستخبارات السودانية تشير إلى نقص حادٍّ في الكفاءة القتالية للمتمردين، وعدم قدرتهم على التقدم مسافات طويلة بسبب نقص الدعم اللوجستيكي، في حين يساند الطيران السوداني قواته بضربات قوية يعجز عن صدها المتمردون، ويجري حاليًا بالفعل هجوم مضاد لطرد المعتدين بعد أن نجحت قوات الجيش السوداني في وقف الهجوم وحصره، ولكن الأبعاد الدولية للمؤامرة ضد السودان لا تزال تثير المخاوف مما قد يحدث في المستقبل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

142

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

111

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8