; تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو! | مجلة المجتمع

العنوان تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!

الكاتب الشيخ رائد صلاح

تاريخ النشر السبت 10-مارس-2007

مشاهدات 48

نشر في العدد 1742

نشر في الصفحة 34

السبت 10-مارس-2007

  • «كرومر» رئيس مجلس الاستعمار البريطاني بمصر: جئت لأهدم ثلاثة: القرآن والكعبة والأسرة المسلمة.

  •  «جلادستون»: إذا أرادت بريطانيا العظمى أن تسيطر على الشرق فعليها أن تمزق القرآن

سایکس- بيكو هو الاتفاق السري المشؤوم الذي أبرمته بريطانيا وفرنسا، واقتسمتا بموجبه العالم العربي، بعدما استدرجت بريطانيا الشريف حسين وأبناءه للثورة على الدولة العثمانية، ووعدتهم بدعم قيام مملكة عربية تخضع لسلطانهم!

 ولم تحرص بريطانيا على تقسيم العالم العربي بينها وبين فرنسا فقط، بل حرصت في نفس الوقت على تهيئة كل الظروف لدعم المشروع الصهيوني الذي استباح لنفسه أن يصرح: نريد أرضًا بلا شعب الشعب بلا وطن، فتزامن تقسيم العالم العربي مع بداية وقوع نكبة فلسطين.

بقلم الشيخ رائد صلاح «*»

ولم يكن طمع بريطانيا دافعها لتقسيم العالم العربي وبسط نفوذها ونفوذ فرنسا الاستعماري عليه، بل خططت بريطانيا أن يعتمد ذاك التقسيم كوضع أبدي لخريطة العالم العربي، وعدد دول العالم العربي ومساحة وحدود كل دولة لولا يزال العالم العربي رهين ذاك التقسيم حتى الآن مع الأخذ بعين الاعتبار محاولات بعض القيادات العربية والإسلامية- خلال السنوات الماضية للتمرد على هذا التقسيم وإيجاد بدائل جديدة، ولكن كل هذه المحاولات فشلت في المحصلة الأخيرة وذهبت أدراج الرياح.

سياسة التفتيت

ولم تحرص بريطانيا على تفتيت العالم العربي كي يبقى منقسمًا على نفسه فقط، بل حرصت على فصله عن العالم الإسلامي بالكلية، وكان هناك قضايا عربية وأخرى إسلامية، لا يربط بينهما أي رباط ديني أو تاريخي أو حضاري، وكأنه لا يجوز أن تبقى أخوة إسلامية تربط بين المسلم الفلسطيني والتركي والإيراني والباكستاني وهكذا تقطعت أوصال العالم الإسلامي والعالم العربي إلى دول، لكل منها قضاياها وسياساتها الخاصة، ولم يعد من المفاجئ أن نجد دولة عربية تتعامل مع قضايا مصيرية الدولة عربية أخرى بلا مبالاة ولا اكتراث، وكأن الأمر لا يعنيها إطلاقًا، وهكذا أصبح الحال مع شديد الأسف فيما بين الدول الإسلامية.

تبعية للغرب

ولم يعد مفاجئًا اليوم أن تجد دولة عربية أو دولة مسلمة تعاني من ويلات المشروع الصهيوني أو ويلات المشروع الأمريكي، وفي نفس الوقت دولة عربية أخرى أو دولة مسلمة أخرى قد أعطت كل الولاء للمؤسسة «الإسرائيلية» أو المؤسسة الأمريكية، ولا يزال الوضع على صعيد العالم الإسلامي والعالم العربي يراوح مكانه بهذه المعطيات مع شديد الأسف!

 وهكذا نجحت بريطانيا ومن بعدها أمريكا أو الصهيوأمريكي أن تستفرد بكل دولة عربية أو دولة مسلمة لتصفي حساباتها معها وكأن الوجع لا يهم إلا صاحبه فقط، كما يقال في مثلنا الشعبي..

 وإحقاقًا للحق، لابد أن نؤكد أن هناك بعض المحاولات العربية والإسلامية للتمرد على هذا الاستفراد البريطاني، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في التصدي الفاعل السياسة الاستفراد وتصفية الحسابات مع كل دولة على حدة.

 ومن جهة ثانية، حرصت بريطانيا على محاربة كل مبادرة عربية أو إسلامية رافضة لمنهجها الاحتلال ي، فهدمت كل مقومات الوحدة الإسلامية والعربية والتقت جهودها مع جهود الحركة الصهيونية لهدم سلطة الخلافة الإسلامية في بدايات القرن التاسع عشر..

 وقد أعلن «جلادستون» الذي شغل منصب رئيس مجلس العموم البريطاني في القرن الماضي أن بريطانيا العظمى إذا أرادت أن تسيطر على الشرق فيجب عليها أن تمزق القرآن ونذر لورانس العرب - صاحب كتاب أعمدة الحكمة السبعة، وقد ساند ثورة الشريف حسين بكل ما يملك حياته لهدم مقومات الوحدة الإسلامية كما لم يتردد كرومر، رئيس مجلس الاستعمار البريطاني بمصر أن يقول: جئت إلى مصر لأهدم ثلاثة: القرآن والكعبة والأسرة المسلمة.

احتلال «إسرائيلي» أمريكي بدل البريطاني الفرنسي

ومع التطور الإقليمي والدولي ورثت بريطانيا المؤسسة الإسرائيلية، والمؤسسة الأمريكية تلك السياسة وها هي «إسرائيل» تستفرد بالشعب الفلسطيني والشعب اللبناني، وكذا الاحتلال  الأمريكي يستفرد بالشعب العراقي والشعب الأفغاني وفي طريقه للاستفراد بالصومال والسودان إلخ وحرصت إسرائيل، وأمريكا على مواصلة قمع كل مبادرة عربية أو إسلامية جادة للتمرد على المنهج الاحتلال ي البريطاني في الماضي، والذي تحول اليوم إلى منهج احتلالي إسرائيلي- أمريكي، وكلاهما حرص على هدم كل مقومات الوحدة العربية والوحدة الإسلامية تحت ذرائع شتى أبسطها ما يسمى «محاربة الإرهاب».

بؤر توتر

 وحرصت الاستراتيجية البريطانية عندما رسمت حدود التقسيم بين دول المنطقة العربية على الإبقاء على أكثر من بؤرة خلاف بين كل دولتين متجاورتين كي تسعى فيما بعد لتأجيج واستغلال هذا الخلاف كلما لزمت مصالحها، لذلك لا يزال الخلاف قائمًا حتى الآن بين تركيا وسورية وبين الإمارات وإيران، وبين مصر والسودان حول ترسيم الحدود وحول تبعية بعض المناطق وبعض الجزر وبعض الثروات الطبيعية وكذا تسير أمريكا وإسرائيل على نفس الطريق من إثارة النعرات العرقية والطائفية في كل دولة عربية أو  مسلمة، ويعملان في كثير من الأحيان على تسليح هذه النعرات، وعلى تدريبها وتحريضها للمطالبة بالانفصال عن الدولة الأم، العربية أو الإسلامية مثلما يحدث في إقليم دارفور بغرب السودان، وذلك من أجل لي أذرع الأنظمة على الصعيد الإسلامي والعربي، وتهديدهم بإثارة هذه القوى الانفصالية كي تتمكن بذلك المؤسسة الإسرائيلية والأمريكية من ضبط أكبر عدد ممكن من الأنظمة العربية والمسلمة وفق هوى هاتين المؤسستين.

«فزاعة» الإسلاميين

وكلاهما الآن يعملان على إثارة مخاوف أكبر عدد ممكن من الأنظمة العربية والمسلمة من تنامي قوة التيار الإسلامي ويحاولان أن يظهرا الأمر بأسلوب مشوه عن سبق إصرار، وكأن التيار الإسلامي قد حدد لنفسه هدفًا واحدًا فقط وهو الإطاحة بهذه الأنظمة، مع أن قادة التيار الإسلامي أكدوا- ومازالوا يؤكدون أنهم يدعون لعقد مصالحة تاريخية وجادة بين الأنظمة والشعوب العربية والمسلمة خصوصًا في هذه المرحلة المصيرية التي يمر بها العالم الإسلامي والعربي !!

ولكن المؤسستين «الإسرائيلية» والأمريكية كلتيهما لا تروق لهما أية حالة تفاهم بين التيار الإسلامي والأنظمة العربية والمسلمة، بل هما تعملان على الإبقاء على حالة التصادم بين هذه الأنظمة وبين التيار الإسلامي، بل وبين الأنظمة وشعوبها لتعميق أزمة الثقة في مجتمعاتنا بين هذه الأنظمة وبين هذه الشعوب أدوار مشبوهة بل الأدهى من ذلك دعم آلاف الجمعيات ذات الأسماء البراقة والأهداف الخداعة التي تقوم بمصادقات رسمية وتقوم على أكتاف أعضاء عرب أو مسلمين، ولكنها تتلقى تمويلها من اليد الأولى الإسرائيلية والأمريكية وتتلقى التوجيهات للتنفيذ من اليد الثانية لهاتين المؤسستين لدرجة أن هذه الجمعيات أصبحت عيونًا علينا! !

ومن الواضح أن المؤسستين الإسرائيلية والأمريكية باتت لديهما قناعات واضحة بضرورة إعادة رسم خريطة جديدة ذات صياغة جديدة على الصعيدين العربي والإسلامي، وإدخال تغييرات جذرية في وضعية التقسيم الذي تحمله خريطة «سایکس- بيكو» ويبدو أن لهاتين المؤسستين أحلامًا سوداوية تعمل بالتدريج الحذر على إلغاء وجود بعض الدول العربية أو المسلمة، والعمل في الوقت نفسه على تقسيم بعض هذه الدول إلى أكثر من دولة.

فها هي تيمور الشرقية انفصلت عن إندونيسيا وأصبحت دولة مستقلة وهناك سعي محموم لتقسيم السودان والصومال وسعي محموم لتقسيم العراق بشكل خاص وهناك سعي خبيث لإدخال تغييرات مرعبة على لبنان، ومحاولات إغلاق ملف القضية الفلسطينية وفق مقياس إسرائيلي أمريكي احتلالي، ولعل هناك مخططات تستهدف تركيا وإيران وباكستان وماليزيا بما يمهد للانتقال من «سايكس- بيكو» إلى «أمريكا- بيكو» وإلى «إسرائيل»- بيكو».

الرابط المختصر :