; تفجر الأزمة الداخلية في تونس | مجلة المجتمع

العنوان تفجر الأزمة الداخلية في تونس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1986

مشاهدات 56

نشر في العدد 766

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 06-مايو-1986

  • بالتأكيد، إليك المقال مصححًا مع تغيير الأرقام العربية إلى أرقام إنجليزية:

     

    وزير تونسي سابق: مستقبل تونس تقرره الجزائر وباريس وواشنطن.

    الغليان التونسي بحاجة إلى مصداقية تبحث أسبابه وتقدم الحلول السليمة لمشكلات المواطن.

    حكومة مزالي تعاملت أخيرًا مع المعارضة السياسية بأسلوب القبضة الحديدية.

    بدأت تونس في الأشهر القليلة الماضية تفقد شيئًا فشيئًا هدوءها واستقرارها النسبي الذي حاول السيد محمد مزالي توطيده بعد ثورة الخبز التي هزت البلاد هزة عنيفة، فتوالت أخبار الفساد والفضائح التي طالت حتى بعض الوزراء، وتلاحقت أحداث الصراع بين الحكومة والاتجاه العام التونسي للنقل، وبرزت الصراعات حول موضوع الخلافة إلى أن جاء القصف الأمريكي على ليبيا ليفجر الأزمة الداخلية في تونس على أوسع نطاق.

    ولم يقف الأمر عند الاستياء إذ ثار الشارع التونسي ووقعت مظاهرات وإضرابات في بعض المدن، ولم ترد أحزاب المعارضة وحركاتها أن تفوت هذه الفرصة، فسارعت إلى الاتفاق فيما بينها على القيام بمسيرة سلمية تتوجه إلى السفارة الأمريكية.

    ولكن هذه المرة خشيت الحكومة من مسيرة يقودها زعماء المعارضة، وخشيت من التجاوزات التي قد تقع في هذه المسيرة، فأسرعت بتفريقها واعتقال منظميها وعلى رأسهم زعماء حركات المعارضة وأحزابها دون استثناء.

    وقد عبرت عدة أوساط وهيئات وجمعيات مهنية عن تضامنها مع الموقوفين وعن استنكارها وتنديدها بما أقدمت عليه الحكومة، فأُطلق سراح الموقوفين ما عدا أحمد المستيري الأمين العام لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين وبعض قياديين في حركته، ويبدو أن الحكومة وجدت الفرصة سانحة لضرب المعارضة.

    وها هي هذه الحكومة تتصدى اليوم لجبهة أخرى هي جبهة المعارضة وهي مقرة العزم على أن تحقق على هذه الجبهة ما حققته على جبهة اتحاد الشغل، ويبدو ذلك واضحًا من السرعة التي تم بها إيقاف أحمد المستيري وإعداد ملف التهمة الموجهة له، وتقديمه للمحاكمة والحكم عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر، وقد تم كل هذا في أقل من أسبوعين.

    وفي الأيام الأخيرة صعدت الحكومة المجابهة بينها وبين المعارضين بأن استدعت السيد عبد الفتاح مورو زعيم الاتجاه الإسلامي إلى وزارة الداخلية، ووجهت إليه تحذيرًا جادًّا بالقبض عليه وإيداعه السجن إن هو لم يعمل على تهدئة من تسميهم الحكومة «بالإخوان المتطرفين»، وجاء هذا التحذير والتهديد على إثر مقتل الطالب عثمان بن محمود «24 سنة» في معهد الهندسة والمنتسب إلى الاتجاه الإسلامي، وقد قُتل هذا الطالب على يد أحد رجال الأمن أثناء مطاردة مشبوهة، وقد اهتزت الساحة الجامعية لهذا الحادث وخشيت الحكومة من أن يترجم الطلاب عن غضبهم بالفعل خصوصًا بعد أن حاولوا النزول إلى الشارع فبادرت بإغلاق كلية الآداب بمنوبة وإخلائها من الطلاب، ولا يعرف هل ستفتح من جديد لإجراء امتحانات آخر العام الدراسي أم لا. وزيادة في التوقي والحذر لم تسمح السلطات لأهل الطالب القتيل بتسلم جثته وفرضت عليهم الإتيان في ساعة مبكرة من الصباح لدفنه.

    الملاحظ إذًا أن حكومة السيد محمد مزالي ارتأت أن تتعامل مع المعارضة السياسية ومع الحركة الطلابية مثلما تعاملت مع اتحاد الشغل بقوة وبشدة محاولة استباق الأحداث ومبرزة للجميع العصا الغليظة.

    بورقيبة لم يعد يثق ثقة كاملة في مزالي

    فهل سيستطيع السيد محمد مزالي السيطرة على الموقف في كل هذه الجبهات والتغلب على معارضيه خارج الحكومة ومنافسيه في داخلها؟ يرجح المطلعون على الشؤون التونسية أن الكفة بدأت تميل تبعًا لما حدث وما يحدث لغير صالح الوزير الأول، فبالإضافة إلى التوترات التي أحدثتها الغارة الأمريكية على ليبيا بين الحكومة والمعارضة لم يعد يخفى على أحد أن الصراعات بين الأقطاب والمحاور داخل الحكومة أضعفت السيد محمد مزالي بشكل كبير، وأن الرئيس بورقيبة لم يعد يثق فيه ثقة مطلقة ولا أدل على ذلك من إعفاء السيد البازري شقير من منصبه الوزاري في الحكومة وهو الذي يعتبر الساعد الأيمن للوزير الأول، وقد غضب السيد محمد مزالي من ذلك ومكث في بيته ثلاثة أيام بحجة المرض ولم يمنع ذلك الرئيس بورقيبة من إعطاء محافظ المنستير الأسبق السيد منصور السخيري صلاحيات واسعة تصل إلى حد الإشراف على أعمال رئاسة الوزراء مما يؤكد تقلص سلطة الوزير الأول. وقد تحدثت الصحافة العالمية في الفترة الأخيرة عن تألق نجم السخيري الذي يظهر دائمًا إلى جانب الرئيس محمد الصياح الذي رجع إلى الحكومة في أغسطس 1984م بعد أفول قصير ونجح الجنرال زين العابدين بن علي الذي مسك مؤخرًا ملف الداخلية والذي قيل عنه إنه رجل الحل العسكري. أما محمد الصياح فيقدم على أنه رجل الحل السياسي بعد أن وطد صداقات كبيرة ومد جسورًا حتى مع جمعيات معارضة وصار يقدم نفسه على أساس أنه ليبرالي لأنه كان ينظر إليه في بداية تاريخه السياسي على أنه شيوعي بل يشاع عنه أنه عقد تحالفات مع منصور السخيري وغيره لمواجهة المرحلة القادمة. ولما كلفه الرئيس أخيرًا بالإعداد لمؤتمر الحزب الدستوري الحاكم رغم وجود مديره السيد الهادي البكوش كثر الحديث عن السيد محمد الصياح باعتباره الرجل الأقوى لأن هذا التكليف ليس بالأمر العادي ولا المعهود في الظرف الراهن بالخصوص ومع وجود مدير للحزب ومن هنا كان همس الناس وجهرهم بأن محمد الصياح هو أقوى مرشح لرئاسة الوزارة في تونس عقب انتهاء مؤتمر الحزب وتعيين أعضاء اللجنة المركزية له.

    هكذا يبدو أن الرئيس بورقيبة البالغ من العمر 83 سنة والذي وصفته صحيفة غربية بأنه «آكل الرجال» سيجعل من السيد محمد مزالي كبش فداء هذه المرحلة محملًا إياه مسؤولية ما شهدته تونس من أزمات اجتماعية واقتصادية، والحقيقة التي أثبتتها الغارة الأمريكية على الجماهيرية الليبية أن تونس ليست بمعزل عما يحدث بجوارها، بل إن هناك علاقة عضوية بين ما يجري في تونس وما يحدث في منطقة البحر الأبيض المتوسط عمومًا ومنطقة شمال أفريقيا، خصوصًا وهذا ما دعا وزيرًا تونسيًّا سابقًا إلى القول: «إن مستقبل تونس ستقرره الجزائر باعتبارها القوة الإقليمية وباريس باعتبارها الشريك الاقتصادي الأهم وواشنطن التي تملك أوراقًا مهمة في لعبة الحكم التونسي».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل