; تفجيرات طابا.. محاولة للفهم | مجلة المجتمع

العنوان تفجيرات طابا.. محاولة للفهم

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004

مشاهدات 63

نشر في العدد 1623

نشر في الصفحة 30

السبت 16-أكتوبر-2004

التنظيمات الفلسطينية بريئة من الحادث لأسباب كثيرة..

هل وراءها ألعاب مخابراتية لتحقيق عدة أهداف؟

فاجأت التفجيرات الأخيرة في فندق طابا بشبه جزيرة سيناء كل المراقبين.

فالإجراءات الأمنية المصرية مشددة جدا بالنسبة لسيناء لحماية منطقة جذب سياحي مهمة جدا خاصة أن نسبة عالية من السياح فيها هم من الصهاينة بسبب قرب المكان ورخص الأسعار واعتدال الأجواء والشعور بالأمن الشديد. كما أن التحذيرات الحكومية الصهيونية المتكررة التي فقدت معناها لتطاول المدد لم تمنع تدفق هؤلاءالسياح على سيناء كما لم تمنعهم تحذيرات واتهامات مصرية شعبية تربط بينهم وبين انتشار المخدرات أو مرض الإيدز، أو تجارة العملة وغيرها من الجرائم الأمنية.

وكانت المفاجأة بالنسبة لجهاز الأمن. والسياحة المصريين مذهلة، فقد توقفت كافة العمليات العنيفة بعد حادث الأقصر الدموي ضد سياح معبد الدير البحري ۱۹۹۷م والتي راح ضحيتها ما يزيد على ٥٧ سائحًا غالبيتهم من السويسريين واليابانيين، وبذلك توقف استهداف السياحة المصرية من قبل تنظيم الجماعة الإسلامية التي أطلقت مبادرة الوقف العنف ثم أعلنت سلسلة مراجعات انتهت بالتحول التام إلى المربع السلمي رغم التباطؤ الحكومي في إغلاق ملف هذه الجماعة التي شهدت تحولات كبيرة من دعوة سلمية يشوبها عنف يهدف إلى تغيير المنكرات البسيطة إلى محاولة انقلاب بالتحالف مع تنظيمات أخرى كالجهاد، إلى عنف منهجي يهدف إلى الضغط على النظام أصاب «النصارى»، ورجال الشرطة والسياح.

وسيكون تأثير هذه التفجيرات كبيرًا على المشهد السياحي المصري الذي استعاد عافيته، كما أن الحادث سيفتح ملف الأمنالداخلي من جديد.

كما أن تأثير الحادث على العلاقاتالمصرية- الصهيونية سيكون بالغًا كذلك.

كان الطرف الصهيوني هو المبادر إلى إعلان النبأ مع تضخيم في أعداد الضحايا الذي تناقص بعد ليلة عصيبة من ٣٥ إلى ١٩،ولم ير المشاهد والمراقب إلا صورًا تليفزيونية نقلًا عن المصادر الصهيونية، بل تأخر إعلان الخير عدة ساعات في التليفزيون المصري وبينما امتلأت المحطات المختلفة بالتحليلات والتعليقات لم يحترم الإعلام المصري المواطنين ولم يشف غليلهم بأي صورة من الصور.

المسألة الرئيسة التي تفوقت فيها مصر كانت أرقام الضحايا وجنسياتهم بدقتها، ولقد سارع الناطقون الصهاينة باتهام تنظيم «القاعدة» والتأكيد على عدم الربط بين التفجيرات وبين المذبحة المستمرة في شمال قطاع غزة منذ 4 أيام والتي راح ضحيتها حتى الآن قرابة المائة من أطفال ونساء وشيوخ، ولم تتوجه الاتهامات إلى التنظيمات الفلسطينية المقاومة، واكتفت السلطات المصرية بالحديث عن جهات مشبوهة، وهو تعبير غامض جدًا. ولكنه يحمل دلالات خطيرة حول تورط أجهزة مخابراتية خلف الحادث.. في ظل تنامي الشعور بأن هناك سياسات دولية تهدف إلى خلق حالة من الفوضى في المنطقة كلها وإرباك النظم العربية بحالة من عدم الاستقرار، تنتشر من فلسطين إلى العراق إلى سورية ولبنان إلى السودان، فضلًا عن السعودية.

يهدف الكيان الصهيوني إلى إحكام الربط بين «المقاومة المشروعة» ضد الاحتلال الصهيوني والتي تشترك فيها كافة الفصائل الفلسطينية وبين الحملة العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد ما تسميه بـ «الإرهاب» والذي تتهم به «تنظيم القاعدة» الذي تحول إلى مشجب يتم تعليق كل حوادث العنف في العالم في رقبته والذي تتفاخر بعض المواقع الإعلامية على الشبكة العنكبوتية بنسبتها إليه أيضًا.

هذا الربط يستدعي إلى الذهن ما تقوم به قوات الاحتلال الأمريكي في العراق أيضًا حيث تشن عشرات الهجمات في سامراء والفلوجة والموصل ومدينة الصدر ببغداد وتعلن أنها تطارد الزرقاوي، ذلك الشيح الذي ينتقل من مكان إلى مكان بسهولة كبيرة في بلد تحكم أقوى قوة في العالم السيطرة عليه.

يهدف شارون أيضًا إلى عدم الربط بين ما يقوم به جيشه المجرم ضد الفلسطينيين من مذابح وبين ما يتعرض له الصهاينة في العالم كله من استهداف تراوح بين عدم التعاون الأكاديمي في بريطانيا، وتنامي العداء للسامية من جديد في أوروبا والكراهية الضخمة في بقية العالم الإسلامي والعربي.

وبذلك يريد شارون وأركان حكومته عدم فتح ملف السياسة الصهيونية لصالح إعلاء شأن الأمن فقط، ولكن إلى متى يستمر ذلك في مجتمع مفتوح يعاني جراء هذه السياسات وبات يفتقد الشعور بالأمن وأصبح يتساءل عن مستقبل هذه الدولة اللقيطة التي أوجدتها وتحافظ عليها القرارات الدولية بينما تفتقد أي شرعية أخلاقية أو تاريخية أو قانونية طالما لم تقبل بها الشعوب العربية والإسلامية، ولم تستطع تقديم حلول للقضايا الرئيسة كعودة اللاجئين الفلسطينيين وإعادة القدس وتفكيك المستوطنات والاعتراف التام بحقوق الفلسطينيين كشعب مناضل ومجاهد؟

التنظيمات الفلسطينية بريئة تمامًا من الحادث الأسباب كثيرة الحواجز الأمنية الشديدة الاستراتيجية الفلسطينية المقاومة التي تحصر ميدان العمليات في أرض فلسطين والرافضة لتوسيع الميدان خارج فلسطين لاعتبارات عديدة تحكمها المصالح الفلسطينية التي تزاوج بين العمل العسكري المقاوم وبين النشاط السياسي الرامي لحشد التأييد للحقوق الفلسطينية المشروعة رسميًا وشعبيًا.

كما أن التنظيمات الإسلامية المصرية التي تنتهج العنف يصعب تصور قيامها بهذا العمل الذي يتطلب تحضيرًا ضخمًا وتغييرًا في الاستراتيجية واستعدادًا لوجستيًا بانت تفتقده هذه التنظيمات خاصة مع توالي الأخبار أن تنظيم الجهاد أعد مبادرة أخرى لوقف العنف، ولكن الأمن المصري لم يعلن عنها إعلاميًّا، كما أن الصلة بين هذه التنظيمات وبين تنظيم القاعدة مقطوعة تمامًا، بل إن الجماعة الإسلامية، أدانت فكر واستراتيجية «القاعدة» في عدة بيانات واقتنع قادة تنظيم الجهاد في مصر بعدم جدوى الاستمرار في تبني أسلوب القاعدة. كما غير د. أيمن الظواهري أهدافه التي اتسعت كثيرًا بعد الارتباط بأسامة بن لادن ولم تعد مصر في مقدمة اهتماماته خاصة أنه لم يعد فيها جنود قادرون على تنفيذ تهديداته.

إذن من يكون وراء العمليات؟

سؤال يصعب الإجابة عليه الآن، ولكن هناك إشارات لا يمكن إغفالها.. فالمستهدفون غالبيتهم من الصهاينة.

لكننا نشير هنا إلى أنه مع كل حادث لا تنتهي التحقيقات إلى محاكمات عادلة ولا تنشر تقارير محايدة من تفجيرات «بالي» إلى «الدار البيضاء» إلى مدريد، وغيرها، فيبقى الأمر معلقًا بالتكهنات التي سبقت ولحقت الحوادث والتي تضعها في رقبة «بن لادن» والظواهري اللذين سرعان ما تتسرب تسجيلات صوتية لأحدهما تؤكد التكهنات وبتنا لا نعتمد على تحقيقات جدية، ولا محاكمات عادلة، ولا دراسات موضوعية، بل ينتشر الأمر الذي يشفي صدور بعض الشباب وكثير من الشعوب ضد السياسات الأمريكية- الصهيونية، بينما في الواقع هو يرسخ ويوسع هذه السياسات ضد العرب والمسلمين.

سؤال آخر: هل هناك علاقة بين الحوادث وبين التسريبات التي نشرتها صحيفة معاريف عن إسراع جهاز مخابرات عربي بتقديم ملفات قادة حماس في الخارج إلى الموساد، عقب طلبها بأيام قليلة ومبادرة مصر بنفي هذا الأمر عن المخابرات المصرية!!!

هل هي ألعاب مخابراتية تهدف إلى عدة أهداف لم تعد خافية مثل:

- الربط بين الإسلام والإرهاب.

- ترسيخ نظرية «صدام الحضارات».

- دمغ المقاومة المشروعة ضد الاحتلال بتهمة الإرهاب في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، والشيشان.

- دفع النظم الحاكمة في العالم العربي والإسلامي للتعاون الأمني ضد كل التيارات الإسلامية والاحتماء بالعدو الخارجي ضد شعوبها.

- زرع حالة من الفوضى، وعدم الاستقرار لا يستفيد منها إلا الكيان الصهيوني. - إرباك كل خطط التنمية التي تحتاج إلى حريات أكثر وأمن واستقرار.

تأثير الحدث على العلاقات المصرية- الصهيونية

ويبدو أن للحوادث تأثيرًا كبيرًا، فعلى الأقل سيتوقف تدفق السياح اليهود على سيناء، وهم ليسوا بالنسبة الكبيرة. ولا ينفقون نفقات ضخمة قياسًا بغيرهم، بينما ستنخفض -ولا تتوقف- سياحة عرب ١٩٤٨م الذين يجدون متنفسًا لهم في مصر والأردن بعد الحصار الطويل قبل المعاهدات الرسمية، ولكن هذا التوقف سيكون مؤقتًا، لأن دواعي العودة إلى السياحة من الجانبين قوية.

سيزداد التعاون الأمني إلا إذا توصل الجانب المصري إلى شكول قوية تجاه قيام أجهزة مخابراتية أو جهات غامضة باستهداف السياحة المصرية. وهنا سيكون للقرار السياسي أثره على الموضوع برمته، فهل يرضخ للضغوط السياسية وتنضم مصر علنيًا وفعليًا دون خفاء إلى الجبهة الأمريكية الصهيونية ضد ما تسميه بـ «الإرهاب الإسلامي» وهل تقدم على مواجهة تنامي العداء الشعبي ضد السياسات الأمريكية والصهيونية؟

هل يقل الاهتمام المصري بالشأن الفلسطيني أم يزداد؟

ففي ظل تردي الأوضاع داخل فلسطين وفي ظل السياسات الصهيونية المدعومة أمريكيًا والعجز العربي عن تخفيف المعاناة الفلسطينية لا يمكن أن تظل الساحات العربية هادئة وتنام خالية البال، فحتى لو امتنع الفلسطينيون عن إرباك هذه الساحات فلن يسكت الآخرون عن ضغوطهم الإخضاع الجميع لسياساتهم وإستراتيجيتهم.

هناك مصريون بين الضحايا لا يهتم بهم أحد ولا بواكي لهم.

هناك صناعة مصرية في السياحة لم يتوقف أحد كثيرًا عند الخسائر التي لحقت بها.

هناك أمن مصري اختُرق في حادث غير مسبوق في مصر منذ مدة لم يناقشه فيها أحد بجدية.

الاهتمام كله والنقاش في معظمه والحوار في غالبيته ذهب إلى الطرف الآخر الذي استثمر الحادثة في أسلوب صهيوني قديم لا يخفى على أحد!!

الرابط المختصر :