; تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم.. سورة البقرة (٢٩) النص القرآني الثاني والعشرون لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه | مجلة المجتمع

العنوان تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم.. سورة البقرة (٢٩) النص القرآني الثاني والعشرون لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1963

نشر في الصفحة 26

السبت 30-يوليو-2011

هذا النص حوى آيتين، في الأولى منهما ، قرر الله - تبارك وتعالى - أنه لا أحد أظلم ممن منع ذكر الله في مساجد الله، وسعى في خراب تلك المساجد، وهؤلاء يجب أن يُحاربوا ويمنعوا من دخولها إلا خائفين، ولهم في يوم القيامة عذاب عظيم.

وفي الآية الثانية، أجاز الله للمسلمين أن يصلوا إلى أي جهة في بعض الحالات، كصلاة النافلة في السفر على الدابة، والصلاة في القمر الصناعي، أو عندما يحط الإنسان رحاله على القمر، فالله له الجهات كلها، وهو واسع عليم.

آيات هذا النص من القرآن الكريم

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مَن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ! سْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أَوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عظيم ولله المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وَجْهُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة 114،115).

المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات

 ١ - مدى ظلم الذين يمنعون ذكر الله في المساجد:

قرر الله - تبارك وتعالى - أنه لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ لِمَن مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾  (البقرة 114 ) ، ومنع الذكر في المساجد وتخريبها يمثل طغيان البشر تجاه الله ومساجده والعباد الذين يعبدونه فيها، وهذا الطغيان من البشر على هذا النحو ظلم عظيم، وقد وقع في الماضي، وهو واقع في الحاضر، وسيقع في المستقبل.

لقد خرب نبوخذ نصر المسجد الأقصى وشرد أهله وأسرهم، ومنع العبادة فيه، وأخرج كفار قريش الرسول الله وأصحابه من مكة والمسجد الحرام، وعمروا المسجد بالأصنام والكفر والشرك: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أنفسهم بالكفر أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ (التوبة 17 ).

وعندما توجه الرسول ﷺ وصحبه إلى مكة في عام الحديبية لأداء العمرة، صدهم الكفار، ومنعوهم من المسجد الحرام، وما كان أحد يمنع منه ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُوكُمْ عَنِ المسجد الحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَهُ﴾  (الفتح : ٢٥)

واستولى النصارى على بيت المقدس وعلى الديار التي حولها، فسفكوا دماء المسلمين في المسجد الأقصى، ومنعوا المسلمين من إعماره وبقوا في القدس على هذه الحال قرابة مائة عام، حتى أخرجهم صلاح الدين، وحرب - الأقصى والقدس من رجسهم.

واليوم يحتل اليهود الأقصى المبارك والقدس الشريف، وما حوله من المدن والقرى في فلسطين، وهم يمنعون المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى، ويسعون إلى تدميره وتخريبه، وقد دمروا كثيرا من المساجد وهدموها، وعطلوا كثيرا غيرها، وهجروا أهلها، فأصبحت قفرا يبابا، وصيروا بعض المساجد مطاعم ومخازن، وملاعب، وقد اجتاحوا بعض المساجد والمسلمون وحكامهم غافلون في ديار الإسلام عما يجري في أرض الإسراء، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 ٢ - على المسلمين أن يأخذوا على أيدي الظالمين المخربين لبيوت الله :

أخبرنا ربنا - تبارك وتعالى - كيف تعامل هؤلاء الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعون في تخريبها ، فقال : ﴿  ومن أظلم تمن منعَ مَسَاجِدَ الله أن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أَوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خائفين لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (البقرة 114 ) .

أرشد الله تبارك وتعالى المسلمين أن يأخذوا على أيدي هؤلاء الظالمين، وذلك بحربهم وقتالهم، وقمعهم وإذلالهم، فلا يطمعون بعد ذلك في دخول المساجد إلا أذلاء حقراء، كما فعل الرسول ﷺ وأصحابه بأهل مكة، فإنه لم يزل يحاربهم ويقاتلهم حتى أذلهم، وأخذ منهم المسجد الحرام وأخذ منهم مكة وطهرهما مما فيهما من الأوثان والأصنام. 

وكذلك فعل صلاح الدين بالصليبيين فإنه لم يزل يقاتلهم ويلاحقهم حتى أخذ منهم الأقصى، وحرر القدس، فكانوا لا يدخلون الأقصى بعد ذلك إلا خائفين مرتعدي الفرائص.

وعلى المسلمين اليوم أن يقاتلوا اليهود الذين يدنسون الأقصى، ويمنعون من ذكر الله فيه، وهم جادون في تخريبه والإطاحة به علينا أن نقاتلهم حتى نزيلهم عن الأرض - المقدسة، ونطهر أرضها منهم، وإن ذلك لكائن بحول الله وقوته.

وقد توعد الله هؤلاء الذين يمنعون مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه ويخربونها بالعذاب العظيم في الآخرة، فهم أذلاء حقراء في الدنيا والآخرة.

٣.أينما تولوا فثم وجه الله:

وأخبرنا الله - تبارك وتعالى - في قوله  ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وَجْهُ الله إن اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  ﴾ (البقرة 115 ) ، أن الكون كله له سبحانه له المشرق والمغرب وما بينهما، والله تبارك وتعالى فوق سماواته محيط بها سبحانه فحيثما توجه المسلمون في صلاتهم فهناك وجه الله، وقد وجه الله المسلمين إلى المسجد الأقصى في صلاتهم، ثم نسخ ذلك ووجهم إلى المسجد الحرام، وأباح لهم أن يصلوا على رواحلهم في السفر، لا يضرهم حيث توجهت بهم، وكذلك في الأحوال التي لا يعرفون فيها القبلة، أو لا يستطيعون التوجه إليها كالمريض الذي لا يستطيع التوجه إلى القبلة، والذي يركب القمر الصناعي محلقا في السماء، ويحط رحاله على القمر، فكل هؤلاء لا حرج عليهم أن يصلوا إلى أي جهة من الجهات.

 وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة 115 )، يقرر سبحانه أنه واسع، يوسع على عباده في دينهم ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم، وقد وسع علم ربنا كل شيء : ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا  ﴾ (طه 98)

وقال الفراء الواسع : الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء فتح القدير (٢٥٨/١).

فقه الآيات وفوائدها

بتدبر آيات هذا النص القرآني يظهر لنا أن فيها ما يأتي من الفرقة والفوائد :

١- المسجد كل بناء رفع ليعبد فيه الله تبارك وتعالى بالصلاة والذكر والاعتكاف وقراءة القرآن، وسمي مسجدا لأنه يسجد فيه لله تعالى.

2- يجب تعظيم المساجد التي رفعت للعبادة وتوقيرها وتطهيرها، والذين يسعون في تخريب المساجد بإزالتها وتدميرها أو بمنع العبادة فيها هم أظلم الناس، وهؤلاء يجب أن يأخذ على أيديهم في الدنيا، ولهم عذاب عظيم في الآخرة.

٣. خرب النصارى في الماضي مساجد الله ومنها المسجد الأقصى عندما احتلوا ديارنا واليهود يقومون بالدور نفسه اليوم، فقد هدموا وخربوا المئات من المساجد في فلسطين، وهم يحاولون هدم الأقصى وتدميره، ومنع العبادة فيه.

وهذه الآية عامة في كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، كما ذهب إليه ابن العربي والقرطبي: أحكام القرآن، لابن العربي، ٣٣/١ ، وتفسير القرطبي ۷۷/۲) خلافا لمن جعلها خاصة بالنصارى أو مشركي العرب ابن جرير، ٤٩٨/١ ، وابن كثير .(١٨٥/١)

‏4- إضافة المساجد لله يقتضي أنها للمسلمين جميعا، إذا بنى شخص مسجدا فإنه يخرج عن ملكيته، إلا إذا بناه في داره ومنع الناس من الصلاة فيه.

5- أخذ بعض أهل العلم من الآية عدم جواز منع المرأة من حجة الفريضة، إذا لم يكن . معها محرم، وهذا ليس بصحيح؛ لأن المانع يمنع المرأة التي ليس معها محرم من الحج لأن الرسول ﷺ منعها من السفر فوق يوم وليلة - من غير محرم.

٦- استدل الإمام مالك بهذه الآية على منع الكفار من دخول مساجد الله، وذهب أبو حنيفة إلى جوازه في حال دخولهم إياها خائفين، وذهب الشافعي وهو الأرجح إلى منعهم من دخول المسجد الحرام دون غيره من المساجد .

7- يجب على المسلم أن يتجه بصلاته إلى المسجد الحرام إذا استطاع التوجه إليه فإذا لم يستطع التوجه إليه كالذي خفيت عليه القبلة لشدة الغيم، أو المأسور المقيد إلى غير القبلة، أو الذي يركب الطائرة لمسافات طويلة، أو الذي يركب القمر الصناعي، أو الذي يصلي فوق سطح القمر، أو الذي يصلي النافلة على دابته أو في سيارته، فهؤلاء جميعاً يصلون إلى أي جهة شاؤوا أي جهة شاؤوا ، وفيهم نزل قوله تعالى : ﴿ولله المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ (البقرة 115 ).

وقد روى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته. (مسلم: ۷۰۰ ، ومعنى سبحته نافلته)، وفي رواية عنه: أن النبي كان يصلي على راحلته حيث توجهت به ( مسلم : 700 ) 

وفي رواية ثالثة عنه : كان رسول الله ﷺ يصلي، وهو مقبل من مكة إلى المدينة، على

راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾، (مسلم: ۷۰۰

والراحلة : الناقة التي كان يركبها ).

 وروى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله: «إن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة (البخاري : ۱۰۹۹).

وعن عامر بن ربيعة قال: كنا مع النبي في سفر في ليلة مظلمة، فصلى كل رجل حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله فنزل: ﴿فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾، (رواه الترمذي، ولابن ماجه نحوه، ورواه ابن جرير والطيالسي في مسنده والبيهقي.

 وقد ضعفه بعض العلماء، والذي حققه الشيخ ناصر الدين الألباني أنه يرقى إلى لة درجة الحسن بمجموع طرقه إرواء الغليل (٣٤٢/١).

الرابط المختصر :