العنوان المجزرة الإسرائيلية في جنوب لبنان ماذا وراءها؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
مشاهدات 65
نشر في العدد 696
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
- المجازر مستمرة وسط عجز عربي.
- شولتز: النموذج الإسرائيلي.
- بيريز: شجار عائلي.
في الساعات الأولى من صباح يوم الخميس الماضي ١٣/١٢/٨٤ كانت خمسون دبابة ومجنزرة إسرائيلية تتقدم من سبع قرى لبنانية تابعة لمحافظة صور في الجنوب اللبناني، وهذه القرى هي: معركة، وبرج رحال، وطورا، وبدياس، ويانوح، وطير دبا، والعباسية.
وحين صحا المواطنون على هدير آليات هبوا لمواجهة العدو اليهودي بالحجارة والعصي، وهنا أصدر رئيس الأركان الإسرائيلي الذي كان يشرف على «العملية» من مكان قريب من «صور» أوامره بفتح النار على النساء والأطفال والرجال على حد سواء، فانطلقت نيران الدبابات والرشاشات لتحصد العشرات ممن سقطوا بين قتيل وجريح.
قوات الطوارئ تتفرج:
وأعلن «تيمور غوكسيل» الناطق بلسان قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان أن القوات الإسرائيلية طوقت المفرزة الفرنسية العاملة ضمن قوات الطوارئ في تلك المنطقة مع بداية «العملية»، وأنه «لم تتوفر لدينا أرقام عن عدد الإصابات في صفوف المدنيين» ولكن من المؤكد أن تكون كبيرة جِدًّا.
ثم أعلن بعد ذلك أن القتلى كانوا تسعة تناثرت جثثهم هنا وهناك، بينما الجرحى بالعشرات كانت أصوات استغاثة بعضهم تسمع من بعيد، ولم يسمح لأحد بإسعافهم إلا بعد أن «تنتهي العملية».
وعلى الفور انطلقت سيارات تحمل مكبرات الصوت في مدينة صور وبقية الجنوب اللبناني تدعو المواطنين للتبرع بالدم بعد أن امتلأت المستشفيات بالمصابين.
ولعل قوات الطوارئ الدولية التي وصلت إلى جنوب لبنان لحماية الجنود الصهاينة كان دورها في هذه العملية هو «التفرج» على إبادة شعب آمن عن طريق قوات احتلال نظامية. ونحن لا ننسى دور القوات الدولية «متعددة الجنسية» في مذابح صبرا وشاتيلا، بعد أن أشرفت على إخلاء بيروت من قوات منظمة التحرير الفلسطينية لتخلي المنطقة بعد ذلك للقوات الإسرائيلية -إياها- بالتعاون مع قوات الكتائب الصليبية لتعمل في الفلسطينيين الآمنين ذبحًا وتقتيلًا.
الحكومة اللبنانية تؤجل المفاوضات:
وأما الحكومة اللبنانية التي اكتفت بالإعلان عن «تأجيل مفاوضاتها مع إسرائيل.. بسبب سوء الأحوال الجوية» التي حالت دون وصول الوفد اللبناني إلى الناقورة. ولم تذكر الحكومة اللبنانية أن الطرف الآخر في المفاوضات مشغول في «مهمة»، وأنه يقوم الآن بمجزرة في سبع قرى لبنانية في الجنوب اللبناني، وفي انتظار الانتهاء من «العملية» ليتسنى استئناف الاجتماع مع «الجزارين» وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث.
اليهود يتحدثون:
اليهود من جانبهم لم ينكروا «العملية» ولكنهم اعتبروها عملية «تمشيط» عادية بحثًا عن «المخربين»، وأنهم اعتقلوا ١٥ شخصًا من المشتبه بهم. وأما عن القتلى والمصابين فهم في نظر الناطق العسكري الإسرائيلي «يوناغازيت» بسبب قتال عائلي!! ولا علاقة للقوات الإسرائيلية بهم.
أما لماذا ارتكب اليهود هذه المجزرة أثناء المفاوضات مع الحكومة اللبنانية من أجل الانسحاب؟ تقول بعض المصادر اللبنانية الجنوبية «إن اقتحام القرى السبع من قبل الإسرائيليين هو بداية لعملية تنظيف المناطق التي تقع جنوبي نهر الليطاني من العناصر المناوئة للوجود الإسرائيلي تمهيدًا لبدء انسحاب جزئي» فماذا يعني «تنظيفها» من بعض العناصر المناوئة لها إذا كانت تريد أن تنسحب؟ ولحساب من يكون هذا «التنظيف»؟ هل لحساب «إسرائيل» المنسحبة أم لحساب الحكومة اللبنانية التي من المفترض أن تحل محلها؟
العناصر المناوئة للإسرائيليين هي بالقطع العناصر المقاومة للاحتلال وهي مقاومة إسلامية في مجملها ومعظمها بل في جوهرها ومضمونها مهما ادعى المدعون، ولقد أعلنت المقاومة في جنوب لبنان أكثر من مرة أنها حركة جهادية إسلامية تتعدى في أهدافها مجرد طرد المحتل الإسرائيلي في جنوب لبنان، وتعتبر الكيان اليهودي في فلسطين كيانًا عدوانيًا غير شرعي، وجبت مقاتلته حتى يرحل عن فلسطين.
وإذا كانت الحكومة اللبنانية ترى في المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان عامل ضغط لتحسين موقفها التفاوضي مع الإسرائيليين، فهل تشارك المقاومة الإسلامية موقفها المبدئي من الكيان الإسرائيلي كله؟ من السذاجة المطلقة أن نقرر ذلك حتى بالنسبة لأكثر أعضاء الحكومة اللبنانية تحمسًا من أجل انسحاب الإسرائيليين من جنوب لبنان
السلام اليهودي:
واليهود بارعون في انتحال الأعذار وابتكار المبررات للقيام بعملياتهم الإجرامية ومجازرهم الدموية، وقديمًا قيل: «الظالم لا يعدم حجة لتبرير ظلمه». ولكنهم هذه المرة خانهم الحظ حين انتحلوا مبررًا سخيفًا لمجزرتهم وهو الخلاف بين عائلتين في جنوب لبنان، بل اعتبروا أن القتلى والجرحى في الطرقات هم من نتاج المعركة العائلية، وحين اكتشفوا سخافة ادعائهم تحولوا إلى الزعم بأنهم قاموا بعملية «تمشيط» بحثًا عن «المخربين».
والواقع أنها عملية قتل متعمدة مع سبق الإصرار، تناولت المدنيين الآمنين العزل من السلاح إلا الإيمان والحجارة والعصي، أما المجاهدون فقد كانوا يقومون بعملياتهم في مناطق أخرى.
ورغم زعم اليهود أنهم ألقوا القبض على عدد من «المشبوهين» إلا أن الحقيقة الناصعة أن هؤلاء المجاهدين -حفظهم الله ورعاهم وسدد خطاهم- قد أذهلوا اليهود وأطاشوا صوابهم ولم يمكنوهم منهم، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى ومن براعتهم في التخطيط والتنفيذ.
ولعل إشارة وزير الخارجية الأمريكي «شولتز» إلى «النموذج الإسرائيلي» في مقاومة «الإرهاب» حين تحدث في احتفال جامعة «ياشيفا» اليهودية في نيويورك ليلة ٩/١٢/٨٤ ما يكفي للحكم على الموقف الأمريكي المعجب بأسلوب اليهود في قتل المدنيين باسم مكافحة الإرهاب!
أما العرب الساعون إلى «السلام مع إسرائيل» فهذه رسالة إسرائيلية تقول لهم: هذا هو السلام كما أفهمه وكما ينبغي عليكم أن تفهموه.
الهدف تصفية المقاومة الإسلامية:
اليهود إذًا في مجزرتهم الجديدة في جنوب لبنان يحاولون -بالأصالة عن أنفسهم وبالوكالة عن غيرهم- تصفية حركة جهادية إسلامية متنامية مرشحة لتقوى وتمتد، ثم بعد ذلك تهدد -ليس الكيان اليهودي في فلسطين فحسب- بل كافة الكيانات القائمة والمرشحة للقيام والتي ترى في قيام الكيان اليهودي وبقائه مصلحة لها.
فهل أفلح اليهود في تقويض البنية التحتية للحركة الجهادية الإسلامية في جنوب لبنان؟ وهل استطاعوا عزل هذه الحركة الجهادية عن جماهيرها الإسلامية في الجنوب اللبناني؟
من السابق لأوانه من الناحية العملية الحكم على ذلك الآن، ولكن هناك إشارات ودلائل أقوى من كل افتراض نظري، ففي نفس اليوم الذي قامت فيه القوات الإسرائيلية بالعملية قام المجاهدون المسلمون في جنوب لبنان بما يلي:
- مهاجمة دورية إسرائيلية قرب بلدة «جبشيت» في فضاء النبطية.
- تفجير عبوة ناسفة استهدفت دورية إسرائيلية على طريق مرجعيون.
وعندما سارعت دوريات أخرى إلى مكان الحادث انفجرت عبوة أخرى تحت آلية إسرائيلية ودمرتها بمن فيها.
- هجوم بالصواريخ على موقع إسرائيلي قرب مدينة صور.
فهل في هذه العمليات ما يدل على أن المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان أصيبت بضربة قاصمة؟!
دروس من المقاومة الفلسطينية:
إن المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان قد تعلمت من دروس المقاومة الفلسطينية الكثير الكثير... فهي لا تبني قواعد ثابتة يمكن ضربها، ولا يظهر قادتها أمام الصحفيين وكاميرات التلفزيون، وهي تنطلق من منطلق جهادي إسلامي لا تساوم على المبدأ ولا تتراجع عن الهدف النهائي وهو إزالة الورم السرطاني اليهودي من المنطقة، وأخيرًا: إنها لا تسمح للأحزاب المشبوهة والأنظمة المتهالكة بالاندساس وسط صفوفها باسم المشاركة أو المساندة أو الوحدة أو الاتحاد.
وما دامت هي كذلك، فإن الأمل كبيرٌ، حين تصفو النوايا وتخلص لله جهادًا في سبيله أن تنتصر، ويبقى بعد ذلك دور بقية المسلمين في ديار العرب وغير العرب، باعتبار الجهاد في هذه الحالة فرض عين على كل مسلم ومسلمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ (البقرة:216)وإذا لم تكن المشاركة في الجهاد بالنفس أمرًا ممكنًا فقد قال صلى الله عليه وسلم: « مَن جَهَّزَ غَازِيًا في سَبيلِ اللَّهِ فقَدْ غَزَا» (البخاري:2843).