; تقنين البغاء والشذوذ! | مجلة المجتمع

العنوان تقنين البغاء والشذوذ!

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 19-يناير-2013

مشاهدات 67

نشر في العدد 2036

نشر في الصفحة 53

السبت 19-يناير-2013

(*) أستاذ الحديث وعلومه


أشرت في المقال السابق إلى أن الإسلام أرسى وضعًا منصفًا ومستقرًا للمرأة، يلبي احتياجاتها كإنسان، ويحافظ على حقوقها، كما حدد واجباتها في إطار من التوازن والعدل، وأقر صيغة شرعية نظيفة للزواج المسكون بالألفة والرحمة والمودة، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21)، ودعا إلى إشاعة ذلك النظام الاجتماعي ليكون ثقافة وقانونًا ينظم حياة المسلمين.

لكن المفارقة الغريبة أن الاتفاقيات والوثائق الدولية للمرأة التي وضعتها لجان وهيئات الأمم المتحدة المتخصصة في قضايا المرأة تلح –ونحن في القرن الحادي والعشرين –على صياغة وضع شاذ للمرأة، لا يقر بآدميتها ولا يحترم إنسانيتها، تحت شعارات الاستقواء والتمكين، حيث تتحكم مجموعة من المنتميات إلى الفكر النسوي الراديكالي في وضع نظريات وقوانين أقل ما توصف به أنها مدمرة للمرأة، وردة بها إلى عصور الجاهلية، وقد اطلعت على بحث قيم للناشطة الإسلامية «كامليا حلمي» يفضح هذه الوثائق، ويكشف أن أدبياتها تقر بجملة خطيرة من التداعيات السلبية، منها إقرار تشريعات دولية تطالب بأن تخرج المرأة وتعمل وتسافر بدون الحصول على إذن الزوج، وأن تتزوج من تشاء بدون إذن وليها، وأن تتحكم في العلاقة الجنسية مع الشريك تحكمًا كاملًا عن طريق قانون يعتبر معاشرة الزوج زوجته بغير كامل رضاها اغتصابًا زوجيًا يستوجب عقوبة رادعة تصل إلى السجن مع الأشغال الشاقة، بل وتتحكم في قرار الحمل والإنجاب تحكمًا كاملًا،

وتحصل على الخدمات الإنجابية كاملة بغض النظر عن عمرها أو حالتها الزواجية. ويشتد تطرف هذه الوثائق من خلال مطالبتها باقتسام المسؤوليات مع الرجل داخل الأسرة؛ عبر «إلغاء القوامة، وإلزام المرأة بالإنفاق داخل الأسرة مناصفة مع الرجل، وإلزام الرجل برعاية الأطفال والأعمال المنزلية مناصفة مع المرأة»، والخطير في الأمر أن هذه الوثائق تمنع زواج الفتاة في سن الثامنة عشرة زواجًا شرعيًا فيما تسمح لها بممارسة العلاقات الجنسية «المحمية» بدون زواج، هذا قليل من كثير من أوجه النظريات الدولية الفاسدة.

خطورة هذه الأفكار وبشاعتها تتزايد حينما تتبناها حكومات وتروج لتطبيقاتها، فقبل أيام قدمت وزيرة الثقافة البريطانية «ماريا ميلر» تشريعًا لمجلس العموم حول زواج المثليين، وقد أعفت كنيستي إنجلترا وويلز منه، وبعيدًا عن محاولة فرضها لهذا المشروع البغيض بازدواجية معايير وانتقائية ودون مراعاة الرفض المطلق لأبناء الجالية المسلمة في بريطانيا والعديد من الجاليات الأخرى، فإن هذا القانون الشاذ ينطوي على أخطار مدمرة لا يقبل بمحتواها أي إنسان عاقل بغض النظر عن ديانته، لأن في ذلك مخالفة للفطرة الإلهية، يقول تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:30).

وعودة إلى دين الطهارة والعفة والنقاء، نرى أن الدين الإسلامي القيم تفرد في تناول وضع المرأة، فحافظ عليها وكفل لها حقوقًا معتبرة في كل مراحل حياتها، وحرص على تطهير بيئتها من الزنا فحرمه بصفة عامة، وحرم البغاء بصفة خاصة قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾  (النور:33)، فقد نهى الله تعالى الذين يكرهون فتياتهم على هذا المنكر، ووبخهم على ابتغاء عرض الحياة الدنيا من هذا الوجه الخبيث، ووعد المكرهات بالمغفرة والرحمة بعد الإكراه الذي لا يد لهن إزاءه.

روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: كان عبد الله بن أبي ابن سلول يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئًا، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، كما روى الشيخان وغيرهما عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول اللهﷺ«نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن»، والنهي عن إكراه الفتيات على البغاء –وهن يردن العفة –ابتغاء المال الرخيص كان جزءًا من منهج ديننا القويم في تطهير البيئة وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي. وذلك أن وجود البغاء يغري الكثيرين لسهولته، ولو لم يجدوه لا نصرفوا إلى طلب المتعة في مجالها النظيف الشريف العفيف، ولا عبرة بما يقول دعاة الإباحية قديمًا، وحديثًا من أن البغاء صمام أمن يحمي البيوت الشريفة، لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر –كما يزعمون –فالميل الجنسي يجب أن يظل نظيفًا بريئًا، موجهًا إلى إمداد الحياة بالأجيال الجديدة، وعلى الحكومات والدول أن تصلح نظمها الاقتصادية، بحيث توفر مستوى يسمح للشباب بالزواج والعيش الكريم، فإذا وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت علاجًا خاصًا، وبذلك لا تحتاج إلى البغاء وإقامة مقاذر إنسانية يمر بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الزواج.

ويبقي القول: إن إسلامنا الحنيف وضع نظامًا اجتماعيًا تفصيليًا راقيًا، تحدث فيه عن سبل إقامة حياة اجتماعية أسرية ناجحة وخالية من المنغصات والانحرافات، وهيأ لذلك بجرعة توعوية وقائية مستفيضة، كما وضع نظامًا علاجيًا محكمًا وعمليًا لمواجهة أي انحراف عن الفطرة، وجعل باب التوبة مفتوحًا لمن أراد أن يتطهر، ويقلع عن المعصية، والله نسأل أن يقينا شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل