; مداد العلم: الإسلام وأدب النجوى | مجلة المجتمع

العنوان مداد العلم: الإسلام وأدب النجوى

الكاتب د. أحمد عبدالرحمن

تاريخ النشر الأحد 01-مارس-1992

مشاهدات 118

نشر في العدد 991

نشر في الصفحة 50

الأحد 01-مارس-1992

الدعاية والنجوى في الإسلام

يعرف الناس اليوم خطر الدعاية، في زمن الحرب وزمن السلم جميعًا، وقد أقيمت المؤسسات العملاقة للنهوض بها. ويُعزى إلى هذه المؤسسات نجاح الأحزاب والشركات والدول، والرؤساء أو إخفاقها وفشلها. لكن الكثير من الناس لا يعرف أن بث الأراجيف ونشر البلبلة قد استُخدم في الحرب ضد الإسلام والمسلمين في زمن النبوة على أيدي اليهود والمنافقين، وأن ذلك كان السبب في نزول قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (المجادلة:9). والخطاب للمؤمنين تأديبًا لهم، وبيانًا للنجوى المحرمة التي كان يمارسها المنافقون الذين كانوا يُعدون من المؤمنين أخذًا بالظاهر، والنجوى المأمور بها، بالبر والتقوى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ويعطينا القرآن الكريم أمثلة للنجوى الخيرة المأمور بها في قول الله تعالى: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء:114). وقياسًا على هذا، تُندب النجوى إذا تطلبتها أعمال الخير والبر، وما أكثر الأعمال الصالحة التي يحتاج إنجازها وإتمامها نوعًا من التكتم والسرية. كذلك يكشف لنا القرآن الكريم عن مضمون النجوى المحرمة التي كان يلجأ إليها الظالمون من المنافقين واليهود لإذاعة الأكاذيب والاتهامات الباطلة في الخفاء وتفادي المواجهة مع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وما كانت تُسفر عنه من هزيمة لأعداء الله. يقول جل شأنه: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا} (الإسراء:47)، فهم يلجئون إلى النجوى لاتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر، وتنفير الناس منه ومن دعوته، دون أن يعرضوا أنفسهم لمواجهة هم يعلمون عنها. وفي آية أخرى يكشف التنزيل عن آثام أخرى لأولئك {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (التوبة:79).

فكانت نجوى المشركين والمنافقين نوعًا من الحرب الدعائية السرية الجبانة التي تطعن في الظهر، وتجبن عن المنازلة، طعنًا في النبي والمؤمنين.

وكانت النجوى بالشر تستخدم أيضًا كسلاح حربي ضد المسلمين. يقول القرطبي رحمه الله أن اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويسر بعضهم إلى بعض القول، دون أن يُمَكِّنوا المسلمين من سماع ما يقولون، فإذا مر بهم مسلم نظروا إليه وتغامزوا بأعينهم، فيظن المسلم أن خبرًا سيئًا قد بلغهم عن إخوانه المجاهدين في السرايا والبعوث. وعندئذ تنتابه الوساوس ويعتريه القلق، وربما نقل ذلك الإحساس إلى غيره، فيحزن ويُحزن المسلمين. يقول جل ثناؤه: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (المجادلة:10)، وهذا تحذير للمسلمين من تداول الأراجيف والشائعات التي قد يطلقها العدو، ويتورط فيها بعض المسلمين بالإذاعة والنشر وبالطريقة نفسها، أي بالنجوى. والواجب هو العكس من ذلك، أن يُعلن عن تلك الشائعات ليناقشها العالمون بحقائق الأمور فيتم دحضها وكشف المجرمين الذين أطلقوها.


وعن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم قال في سبب نزول آيات سورة المجادلة السابقة: "كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ويُناجيه، والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون -يعني بعض الحاضرين- أنه يناجيه في حرب أو بلية، أو أمر مهم، فيفزعون لذلك" (انظر: الجامع للقرطبي: ج8 ص 61-64). فمثل هذه النجوى التي كانت تُمارس بحسن نية كانت تؤدي إلى إفزاع بعض المسلمين، بسبب ظروف الحرب التي كانت مشتعلة، وما يساور المؤمنين من القلق على سراياهم وكتائبهم المقاتلة، وعلاج ذلك يسير، وهو تقديم الحقائق إلى الناس، حلوها ومرها، لأن أي كذب من السلطات سوف يفقدها احترام المسلمين ولن يصدقها أحد بعد ذلك. وهذا هو ما حدث بكل أسف في حروبنا في العصر الحديث.

وأخيرًا، قد تكون النجوى بين اثنين سببًا في إحراج شخص ثالث في المجلس، فقد يشعر بأنهما لا يثقان فيه، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد" (متفق عليه عن ابن عمر). وهو قول حكيم رائع.

تُرى، أين نحن الآن من هذه الآداب والأخلاقيات والشرائع الإسلامية؟

 

 

الرابط المختصر :