العنوان تقويم اللسان: العدد 522
الكاتب الشيخ يونس حمدان
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1981
مشاهدات 74
نشر في العدد 522
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 31-مارس-1981
ثمة صيغ تعبيرية تتردد على أقلام بعض الكاتبين وألسنة بعض المتحدثين، منها قول بعضهم «قد لا أتأخر في المجيء»، وهذا لا يصح والصحيح أن يقال «قد أتعجل في المجيء» فأما كونه لا يصح فذلك لأن قد حرف يدخل على الأفعال المثبتة المتصرفة، الخبرية المجردة من الناصب والجازم والسين وسوف، ولا يصح أن يفصل بين «قد والفعل» بفاصل إلا بالقسم، لأنه يقوي ويؤكد مضمونها فتقول «قد والله نجح في دراسته».
ولـ"قد" هذه معان خمسة:
الأول التوقع: وأكثر ما يكون هذا المعنى لـ"قد" في دخولها على المضارع نحو قولهم «قد يَخْرُجُ مُحَمَّد»، و«قد» هنا تُوِمئُ إلى أن الخروج متوقع ومنتظر، و«قد» تفيد التوقع مع الفعل الماضي، ومعناها حينئذ أن الفعل الذي كان متوقعًا حدوثه قد وقع. قال الخليل: إن قول القائل «قد فعل» كلام لقوم ينتظرون الخبر، ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة لأن الجماعة منتظرون.
الثاني: التقريب: ومن معاني قد التقريب، ولا ترد للدلالة عليه إلا مع الماضي، ولذلك ينبغي استعمالها مع الماضي إذا وقع حالًا نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِ﴾ (الأنعام: 119)، وذهب قوم من النحويين إلى أن الماضي الحالي إذا ورد بغير «قد» فهي معه مقدرة، وهو مذهب الفراء، وقيل لا حاجة إلى تقديرها وهو الأظهر، ومن كلام العلماء أن قد تدخل على الفعل الماضي المتوقع لتقريبه من الحال، ومن عباراتهم في ذلك أن قد «حرف يصحب الأفعال ويقرب الماضي من الحال، ويؤثر التقليل في فعل الاستقبال» وقال ابن الخباز: إذا دخل «قد» على الماضي أثر فيه معنيين: تقريبه من زمن الحال، وجعله خبرًا منتظرًا، فإذا قلت: قد قامت الصلاة فهو كلام لقوم ينتظرون الصلاة.
الثالث: التقليل: وترد للدلالة عليه مع المضارع نحو قولك: «قد يجود البخيل» «وقد ينجح الكسول». وقال الحسين بن بدر: تفيد قد مع المستقبل التقليل في وقوعه أو متعلقه، فالأول كقولك: «قد يجود البخيل»، أي ليس ذلك منه بالكثير
والثاني كقوله تعالى ﴿قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ﴾ (النور: 64)، والمعنى -والله أعلم-: أقل معلوماته ما أنتم عليه، هذا ما يراه بعض المفسرين، وذكر آخرون أن قد هاهنا للتحقيق.
الرابع: التكثير: وهو معنى نادر وقد استشهدوا بقول امرئ القيس:
قد أَشْهَدُ الغَارَةَ، الشَّعواء تَحْمِلُني جَرداءُ، معروقَةَ اللَّحْيَيْن، سُرْحُوب
«الجرداء: الفرس القصيرة الشعر، والمعروقة: القليلة اللحم، والسرحوب: الطويلة المشرفة».
وقد مثل الزمخشري لمعنى التكثير بقوله تعالى: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ﴾ (البقرة: 144)، وقال الهذلي:
قَدْ أَترُك القِرْنَ مُصْفرًا أَنامِلُهُ كأَنَّ أَثوابَه مُجَتْ بِفِرصاد
فقد استنبط بعض العلماء من هذا معنى التكثير، وقالوا إن قد هنا أتت بمعنى «رُبَّ»، وتشبيههم «قد» بـ «رُبَّ» يدل على معنى التكثير- هذا رأي بعضهم. الخامس: التحقيق: وترد للدلالة عليه، مع الفعلين: الماضي والمُضارع فمع الماضي نحو ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1)، ومع المضارع نحو ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ﴾ (الأنعام: 33)، والحاصل أنها تفيد مع الماضي، أحد ثلاثة معان: التوقع والتقريب والتحقيق، ومع المضارع أحد أربعة معان: التوقع والتقليل والتحقيق والتكثير.
هذه معاني قد الحرفية باختصار شديد، أما قد الاسمية فلها معنيان:
الأول: بمعنى حسب، تقول «قَدْني» بمعنى حسبي.
أما الثاني: فيأتي بمعنى «كَفى» ويلزمها نون الوقاية مع ياء المتكلم، كما تلزم مع سائر أسماء الأفعال، والياء المتصلة بها في موضع نصب.
ومثلوا له بقول الشاعر:
قَدْني من نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ، قَدِي
وصفوة القول إنه لا يجوز «قد لا يجيء محمد»، وإنما يقال «قد يغيب»، فقد عرفت أنه لا يصح نفي الفعل بعد قد.