العنوان تقييم سياسي لمقررات مؤتمر كامب ديفيد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
مشاهدات 102
نشر في العدد 422
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-ديسمبر-1978
الاتفاقات التي صدر عنها مؤتمر كامب ديفيد خيانة واقعية للإسلام والمسلمين
في غمرة القهر السياسي الذي تعيشه المنطقة الإسلامية، تمكنت القيادة الأميركية من جر الأمة إلى أخطر مسيرة عرفها تاريخ العالم، والتي كللت بالمؤتمر الثلاثي بين الحكومة الأميركية والإسرائيلية والمصرية في كامب ديفيد، ومعلوم أن المقررات التي صدرت عن ذلك المؤتمر انطلقت من قاعدة التآلف اليهودي-الصليبي، لترضي أولًا وأخيرًا مطامح دهاقنة اليهود، ولتحقق أهدافهم التوسعية ورغباتهم في وضع القاعدة لدولة إسرائيل الكبرى، التي تعمل القوى الصليبية واليهودية لتحقيقها على حساب الأمة الإسلامية، وإذا كانت التجمعات العربية تعيش في بيئة يحجب عنها وضوح الرؤيا، فإن المسلم الحق لا يضيع في التيه، ولا تعمي بصيرته غشاوة الأفاكين ودعوات الخراصين، إنه يراقب الأحداث بدقة، ويمحص مجرياتها ويقيمها التقييم المستند على أصول العقيدة الإسلامية وموازين شريعتها، وإذا كانت مقررات كامب ديفيد بمثابة المطلب الوطني عند السادات وثلته، فإن المراقب المسلم يرى فيها استسلامًا لا متناهيًا لعدونا اليهودي، وخضوعا كاملًا لم ترده الأطراف الكافرة في المؤتمر، ومجلة المجتمع تضع بين يدي القارئ الكريم الكتاب الذي صدر حديثًا بعنوان «تقييم سياسي لمقررات كامب ديفيد» لمؤلفه الأستاذ نبيل شبيب، الذي عرض لكامب ديفيد «دراسة ومناقشة وتحليلًا»، وفي تقييم الكاتب لمقررات ذلك المؤتمر يبرز المنهج العلمي والموضوعي في التقييم، حيث اعتمد على التجرد والموضوعية، كما أعتمد علي أقوال الأطراف المعنية دون تأويل شخصي، واستند إلى القواعد العلمية التي يقتضيها البحث العلمي المجرد من أي هوى أو عصبية أو موقف.
أما هدف المؤلف، فهو الرغبة في مساعدة العرب والمسلمين حكامًا ومحكومين على استجلاء وجه الحقيقة من خلال حجب التضليل المقصود و غير المقصود وعلى اتخاذ الموقف السليم السريع الفعال في هذا الموضوع الخطير، فالمعرفة المنهجية العلمية مسؤولية كبيرة جدًا في هذه الأمور والظروف التي يرتبط بها مصير الإسلام والمسلمين. وسوف يوقن قارىء الكتاب أن الاتفاقات التي صدر عنها مؤتمر كامب ديفيد، إنما هي خيانة واقعية للإسلام والمسلمين، وتهديد خطير لوجودهم ذاته في الحاضر والمستقبل.
إن تقييم مقررات كامب ديفيد، لا يعني بحال من الأحوال أي قبول أو إقرار للأسس التي تقوم عليها أمثال هذه المؤتمرات، فمقياس الإسلام يرفض رفضًا قاطعًا كل استسلام للعدو المغتصب، وكل تنازل له عن حقنا وأرضنا المحتلة بعد عام ١٩٦٧ وقبله مهما كانت الظروف.
مشروعية التفاوض بين الدين والقانون الدولي
يشير الكاتب في مقدمته إلى أن تقييم مقررات كامب ديفيد تقييمًا إسلاميًا خالصًا، يعني النظرة إليها من حيث المبدأ، وبالتالي رفض المؤتمر ورفض مقرراته ومقدماته ونتائجه على السواء، انطلاقًا من عدم مشروعية التفاوض على القبول باحتلال جزء من أرض إسلامية أصلًا، ثم يشير إلى أن القانون الدولي لا يعرف لمثل هذا التفاوض سوى حالة واحدة وهي التسليم أو الاستسلام، بعد معركة حربية خاسرة.. ولكن حتى في هذه الحالة، يجري التفاوض عادة في صورة لا تضيع معها الصفة الشرعية الأصلية للأرض المحتلة، ويضرب الكاتب مثلًا توضيحيًا فيقول: قد يوقع قائد عسكري أو سياسي على وثيقة يقر فيها بالاحتلال، ولكن لا يوقع على وثيقة يقول فيها إن أرضه المحتلة أصبحت أرضًا يملكها عدو.
ويرى الكاتب أن هذا لا ينطبق على مؤتمر كامب ديفيد، فالمنطلق فيه من الأصل كان الإقرار بأن فلسطين المحتلة عام 48 م على الأقل هي «إسرائيل».. الطرف الأخر في المفاوضات، سواء هذا الإقرار اعترافًا واقعيًا أم اعترافًا قانونيًا دوليًا، ومن هنا فالمؤتمر مرفوض من الوجهة الإسلامية بمقدماته وأطرافه ونتائجه.. على أن المؤتمر بمقدماته المذكورة لا يحتل مكانه في تاريخ القانون الدولي الحديث إلا كحالة إفرادية تقع لأول مرة، ومن هذا المنطلق، فإن الكاتب يبني تقييمه لمؤتمر كامب ديفيد على أساس اعتبار المؤتمر حدثًا سياسيًا منفردًا قائمًا بذاته، ينظر إلى مقدماته ومجراه ونتائجه فيقيم على أساسها فقط، من دون العوامل التاريخية والجذور الأصلية للحقوق الثابتة في قضية فلسطين.
كامب ديفيد ونتائجه الثابتة
بعد أن يستعرض الكاتب بنود الاتفاقيتين اللتين أسفر عنهما مؤتمر كامب ديفيد، ويعلل بنودهما بالتفصيل مع تحليله لمجموع المقررات المعلنة الموقعة، يستنبط نتائج ثابتة عن الإشارة إلى ما ورائها وهي:
أولًا: أن هدف إسرائيل الأكبر يقصد معاهدة مع أكبر دولة عربية تقع على حدود الأرض المحتلة أصبح قاب قوسين أو أدنى.
ثانيًا: السلام بين مصر وإسرائيل، رغم تأكيدات الطرف المصري بعد المؤتمر على ضرورة تنفيذ الاتفاقيتين بصورة متوازية- هو سلام منفرد علميًا وزمنيًا، ويجعل إسرائيل في مركز أقوى من ذي قبل على الجهات الأخرى سياسيًا وعسكريًا وقانونيًا.
ثالثًا: معاهدة السلام المتوقع عقدها بين مصر وإسرائيل تعطي إسرائيل أقصى ما تحتاج إليه حاجة ماسة من الانفتاح الاقتصادي والثقافي والفكري والسياسي في
المنطقة مع إعطائها كل ضمان لسلامتها في المستقبل على الجبهة المصرية.
رابعًا: معاهدة السلام المتوقع عقدها بين مصر وإسرائيل لا تعطي مصر مقابل ذلك حتى الحد الأدنى الذي كانت تطالب به قبل المؤتمر من حيت سيادتها الكاملة على سيناء، فالسيادة المقررة مدنية غير عسكرية، وربع سيناء مخصص تقريبًا للقوات الدولية، ونصفها مجرد من السلاح، فضلًا عن تنازل مصر عن حقوق قانونية أساسية في قناة السويس وخليج العقبة.
خامسًا: الاتفاقية الثانية حول الضفة الغربية وقطاع غزة والسلام في الشرق الأوسط، تثبت الوضع القائم للاحتلال الإسرائيلي «فيما عدا سيناء» مع إعطائه صفة شرعية، ومع ضمان استمراره بمختلف الضمانات الأمنية خلال مرحلة السنوات الخمسة وما بعدها.
سادسًا: الاتفاقية الثانية تحرم أكثر من ثلثي أبناء فلسطين حتى من مجرد المشاركة في تقرير مستقبلهم ومستقبل أرضهم، وتقيد مشاركة الثلث الأخر بقيود تتولى الإشراف على ضمانها جهات عربية بمشاركة إسرائيل.
سابعًا: مقررات كامب ديفيد وما رافقها تضع شروطًا مجحفة للسلام بين الدول العربية الأخرى وإسرائيل، وتتجاهل أهم الشروط التي وضعتها تلك الدول بمشاركة مصر حول الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام ٦٧ م بما فيها القدس والاعتراف لشعب فلسطين بحقوقه الشرعية بما في ذلك إقامة دولة، واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد.
ثامنًا: مقررات كامب ديفيد وما رافقها تتضمن ترجيحًا كبيرًا لاحتمال التخلي الكامل عن القدس الشرقية علاوة عن القدس الغربية، وتتضمن استمرار وجود المستعمرات اليهودية وتوسيعها وزيادتها دون قيود.
تاسعًا: مقررات كامب ديفيد وما رافقها مع المبادرة التي أدت إليها تمثل خطوة واسعة النطاق وأكثر مما سبقها في اتجاه إضفاء الشرعية الدولية على وجود إسرائيل كدولة في المنطقة.
ما هو البديل عن مقررات كامب ديفيد:
دأب الطرف المصري الاستسلامي طرح هذا السؤال: ما هو البديل عن المفاوضات؟ وما هو البديل عن السلام؟.. وهنا يحاول الكاتب أن يجيب على السؤال الذي يحاول الطرف المصري أن يبرر به مواقفه، فيشير إلى أن القوة هي العامل المؤثر في عالمنا المعاصر وأحداثه والمعاملات الجارية بين دوله فلا بد من سعي صاحب الحق المشروع إلى امتلاكها، ليتمكن من التعامل مع الأطراف القوية التي تغتصب حقه بنفس السبيل.
ثم يوضح الكاتب موقف القانون الدولي من ذلك، حيث إننا إذا انطلقنا من اعتباراته، وقلنا إن شعب فلسطين هو صاحب الحق بفلسطين، وشعوب مصر وسورية والأردن ولبنان هي صاحبة الحق في المنطقة، سواء كانت هذه الحقوق أرضًا أم كانت حقوقًا سياسية أو سوى ذلك.. فلا بد أن تمتلك هذه الشعوب القوة اللازمة للدفاع المشروع عن حقوقها أولًا.. وكل عمل من أية جهة كانت، يستهدف إيجاد هذه القوة، وإيجاد وضع شرعي لتكون في يد أصحابها الحقيقيين عمل صحيح في الاتجاه الصحيح.
وكل عمل من أية جهة كانت يركز الجهود على التنازل عن الحقوق بسبب اختفاء عنصر القوة هو عمل خاطئ مرفوض في الاتجاه الخاطئ المرفوض..
وإذا انطلقنا من الاعتبارات الإسلامية، وقلنا إن المسلمين جميعًا مستخلفون على أرض فلسطين وسائر الأراضي الإسلامية في المنطقة نفسها أو في سواها.. فإننا نصل إلى نفس النتيجة بضرورة بناء القوة اللازمة للمسلمين، وإيجاد الأوضاع الشرعية، لتكون في أيديهم هم، ليدافعوا بها دفاعًا مشروعًا عن حقوقهم وهنا يذكر الكاتب أن هذا الطريق قد يبدو طويلًا للوهلة الأولي، ثم يبين أنه ليس كذلك في ميزان عمر الشعوب وعمر تاريخها وقضاياها وحقوقها، وقد يبدو عسيرًا للوهلة الأولى أيضًا، وليس هو كذلك في حالة التصميم الصحيح لما يتوفر لدى هذه الشعوب من منطلقات مبيتة ومن طاقات كبيرة، تشكل جميعًا العناصر الأولي التي تكون القوة عندما يتوفر التوجيه السليم لأصحاب الحقوق الأصليين انطلاقًا من قيمهم وحقوقهم، وبهدف تغيير واقعهم الضعيف بما فيه من خلل وفساد، إلى واقع قوي، سليم، على أن سلوك هذا الطريق الطويل العسير للوهلة الأولي، القصير في عمر الشعوب وطاقاتها، وموازين الإسلام ودعاته.. هو الحل الوحيد للجمع بين الحقوق الشرعية الأصلية في قضية فلسطين وسواها من قضايا المسلمين وبين صناعة الأحداث المتعلقة بها في المستقبل.
هدايا المؤلفين
تلقت مكتبة المجلة العديد من هدايا الإخوة الكتاب والمفكرين الإسلاميين فلقد أرسل إلينا الأخ الداعية الأستاذ يوسف العظم «المهزومون» الذي قدم فيه «دراسة للفكر المتخلف والحضارة المنهارة» والكتاب رد على كل ما يجتره دعاة الشرق والغرب وعبيد الفكر الرأسمالي والفكر الشيوعي على حد سواء، ورد على الأقلام الحاقدة التي تنفث السموم ضد الإسلام والمسلمين، وفي عدد لاحق سنقدم دراسة موضوعية نعرض فيه هذا الكتاب القيم لأبناء جيلنا المسلم إن شاء الله.
كما أرسل إلينا الأستاذ العظم كتابه «مشاهد وآيات للجيل المسلم» وهو من كتب الأطفال الإسلامية النادرة التي ترتفع بمستوى كتاب الطفل االمسلم، وقد كتب الكتاب بطريقة نفسية وسهلة، وعرضت فيه أيات قرآنية تشمل ما تقع عليه حواس الطفل لتربطه بالتالي بما يحيط به من معجزات الله وتساعده على تثبيت إيمانه. وقد تلقت مكتبتنا أيضًا كتاب «بينات المعجزة الخالدة» لمؤلفه الدكتور حسن ضياء الدين عتر المدرس في كلية الشريعة بجامعة مكة المكرمة، والكتاب بيان ناصع لعظمة معجزات القرآن الكريم، وهو يشمل على شهادة العالم بإعجاز الكلم الإلهي في التنزيل القرآني، وفيه دراسة للأسلوب البياني والإيجاز العلمي والتشريعي والخلقي للقرآن، كما تضمن الكتاب بابًا دحض فيه المؤلف تخرصات جديدة للمستشرقين اللذين يصطنعون الدسائس ويثيرون الشبهات على أصلي الدين الإسلامي الحنيف «القرآن والسنة»، وردود المؤلف تستند إلى ما وصلها من هدايا السادة المؤلفين، يسرها أن توجه الشكران إلى إخوانها العاملين في حقل العمل الفكري داعية المولى أن يكلل خُطا الجميع بالتوفيق.