; تكاليف الجهاد في سبيل الله | مجلة المجتمع

العنوان تكاليف الجهاد في سبيل الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010

مشاهدات 48

نشر في العدد 1931

نشر في الصفحة 56

السبت 18-ديسمبر-2010

دراسات لم تنشر لفضيلة الدكتور السيد نوح يرحمه الله

تناولنا في العدد الماضي مجموعة من آثار الجهاد في حياة الجيل الرباني، ونستكمل في هذه الحلقة الأخيرة باقي هذه الآثار، بالإضافة إلى تكاليف الجهاد في سبيل الله، والعوامل التي تهون دفع هذه التكاليف:

الجهاد وأثره في حياة الجيل الرباني (٣-٣)

ابن المبارك إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: ﴿ والذينَ جَاهَدُوا فينا لنهدينَهُمْ سُبُلنا﴾

سلاح الجيل القرآني مع العدو ليس في العدة والعتاد وإنما في الإيمان بالله تعالى وحسن الصلة به.

لن تنجح القيادة في أداء مهمتها إلا إذا كان هناك من الجند طاعة وحسن استجابة.

٦- الهداية والتوفيق، ذلك أن الحياة مليئة بالمواقف الشائكة المشكلة، ولا يملك الهداية والتوفيق إلى الحق الواضح البين إلا الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض والذي يعلم السر وأخفى، بيد أن منح هذه الهداية، وذلك التوفيق لا يكون إلا لمن جاهدوا أنفسهم، وجاهدوا غيرهم، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ العنكبوت: 69] وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًا، فقد أذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته، وقد فطن إلى ذلك سلف الأمة- رضي الله تعالى عنهم- وحسبنا ما أثر عن سفيان أبن عيينة، إذ قال لعبد الله بن المبارك: «إذا رأيت الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله - تعالى- يقول: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ)

7- الاحتراز عن المعاصي والسيئات لاسيما القلبية، ذلك أن هذا الجيل يوقن أن سلاحه في معركته مع عدوه، ليس في السلاح والعدد، وإنما في الإيمان بالله تعالى وحسن الصلة به والبعد عن كل ما يغضبه لذا فهو يجتهد أن يكون بعيدا عن المعاصي والسيئات صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، حتى يكون أهلا للنصر والتأييد. وصدق الله﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

[ محمد: 7] وقد فطن عمر لذلك، فقال في وصيته السعد بن أبي وقاص لما أمره على العراق يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه الأمر هذه عظتي إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك، وكنت من الخاسرين (۳).

8-الثبات مع الصبر والتحمل ذلك أن هذا الجيل يعلم أنه بالجهاد أصاب من العدو فرصة وإذا فر أو ضعف لاحقه العدو، وأمسك بخناقه، وأخذ يكيل له الضربات الصاع صاعين انتقاماً وافياً، كما قال سبحانه: ﴿ إِن يَتَقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء ويَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لو تكفرون﴾ (الممتحنة آية 2)، لذا فهو يجاهد نفسه على الثبات والصبر والتحمل لثلا يمكن عدوه منه، وتكون الطامات.

9-الطاعة في المعروف، ذلك أن هذا الجيل يدرك أهمية القيادة في المعركة مع الكفر وأهله، وأن هذه القيادة لن تنجح في أداء مهمتها إلا إذا كان هناك من الجند طاعة، وحسن استجابة مع كون ذلك في المعروف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة (4)، لذا فهو يحرص كل الحرص على التحلي بهذه الطاعة حتى وإن خالفت هواه.

10- إعمال الفكر لاستنباط الحيل التي تحقق خدعة الحرب، ذلك أن هذا الجيل يدرك أن الحرب خدعة، وأن عليه أن يُعمل فكره، وأن يقدح زناد فكره لاستنباط أو استخراج الحيل التي تحقق هذه الخدعة بصورة تكافئ هذا العدوان إن لم تتفوق عليه وإلا كانت الهزيمة.

وقد وقع ذلك كثيراً في التاريخ الإسلامي، وحسبنا هنا قصة نعيم بن مسعود الأشجعي في غزوة الأحزاب، تلك التي فرق الله بها جموع العدو، وفتت وحدتهم، إذ قال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة... فخرج نعيم بن مسعود حتى أتي بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فريسة انتهزوا، وإلا استمروا إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمدًا فأنتقم منكم قالوا فما العمل يا نعيم؟ لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا : لقد أشرت بالرأي، ثم مضى على وجهه إلى قريش قال لهم: تعلمون ودي لكم، ونصحي لكم، قالوا: نعم، قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه وأنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف، فأنهضوا بنا حتى نتاجز محمدًا، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم  يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم- والله- نعيم فبعثوا إلى اليهود إنا والله لا نرسل إليكم أحدا، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدا، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان (5) .

وهكذا ولدت الروح الجهادية عند نعيم الحيلة التي خدع بها القوم، وفرق جمعهم، وفتت وحدتهم.

 تكاليف الجهاد في سبيل الله والعوامل التي تهون دفع هذه التكاليف من أبرز العوامل التي تهون هذه التكاليف كسب ثقة واحترام الناس، الأمر الذي يساعد على دخولهم في دين الله أفواجًا، ذلك أن الجيل الرباني يحرص وهو يجاهد على الاستمساك بالأخلاق والآداب الجهادية من حرمة الغلول، والغدر والتمثيل بالقتلى، وقتل الصبيان والشيوخ والنساء غير المحاربين والرهبان ونحوهم، كما قال: « اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله» اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا .... الحديث (6).

بل يحرص هذا الجيل كذلك على العدالة والرحمة، على نحو ما أثر عن عبد الله بن رواحة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى يهود خيبر ليخرص (7) عليهم، فكان يأتيهم كل عام، فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله تطعموني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على ألا أعدل عليكم (8) فما كان من اليهود إلا أن راعتهم هذه الأخلاق وتلك الآداب، فهتفوا قائلين: «بهذا قامت السماوات والأرض »..(9)

ومما يؤثر عن المجاهدين الأفغان كان ذلك في ثمانينيات القرن الماضي أن تتحول أعداد غفيرة بين الحين والحين من الروس وعملائهم من الأفغان الشيوعيين إلى صفوف المجاهدين ومعهم عنادهم وعدتهم بسبب ما يلقونه في المعاملة من الأخلاق والآداب الإسلامية، وصدق الله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [ فصلت: 34] وبالجملة، فإن أثر الجهاد على الجيل الرباني أنه يعده ويهيئه لحمل الأمانة، ورفع الراية وهداية العالمين، حتى يتحقق فيه قول الحق سبحانه ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ ﴾

[ البقرة: 143]ويشهد لصحة ما قدمنا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴾

[ الحج: 77] ,﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [ الحج: 78]

الهوامش

(۱) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الرقاق باب التواضع ۱۳۱/۸ من حديث أبي هريرة مرفوعاً به وأخرج أحمد في المسند ٢٥٦/٦ نحوه من حديث عائشة- رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: من أذل لي ولياً فقد استحل محاربتي، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء الفرائض، وما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي على وفاته لأنه يكره الموت، وأكره مساءته.

 (۲) الأثر أورده القرطبي في الجامع الأحكام القرآن ٣٦٥/١٣ دون أن يعزوه إلى أحد وعنه نقل القادري في الجهاد في سبيل الله ٠٤٦٩٠٤٧٠/٢

(۳) انظر: البداية والنهاية لأبن كثير ٣٥/٧,٣٦

 (4) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الجهاد: باب السمع والطاعة للإمام ٦٠/٤، وكتاب الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ۷۸/۹ ومسلم في الصحيح: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ١٤٦٩/٣ رقم ۳۸ (۱۸۳۹)، وأبو داود في السنن: كتاب الجهاد، باب ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ٢٠٩/٤-٢١٠ رقم ١٧٠٧ وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن علي وعمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري، وهذا حديث حسن صحيح والنسائي في السنن: كتاب البيعة باب جزاء من أمر بمعصية فأطاع ١٦٠/٧ في السنن: كتاب الجهاد، باب وأبن ماجه لا طاعة في معصية الله ٩٥٦/٢ رقم٢٨٦٤، وأحمد في المسند ،۱۷/۲، كلهممن حديث عبدالله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما مرفوعا واللفظ لمسلم. 

(٥) القصة أرودها الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ۱۱۸/۲ دون أن يعزوها لأحد وأوردها الحافظ ابن كثير في السيرة النبوية ٢١٦٠٢١٤/٣ ثم عزاها إلى ابن إسحاق، والنقل هنا عن زاد المعاد مع في تصرف يسير .

 (٦) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الجهاد والسير باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو ١٣٥٧/٢ - ١٣٥٨ رقم ٢ ٣ ٥٠٤، وأبو داود في السنن: كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين ٧٣/٣ - ٣٨ رقم ٢٦١٢، ٢٦١٣،٢٦١٤ ، والترمذي في السنن: كتاب الديات، باب ما جاء في النهي عن المثلة ۲۲/۳ - ۲۳ رقم ١٤٠٨، وكتاب السير، باب ما جاء في وصيته في القتال ٤ / ١٦٢-١٢٣ وابن ماجه في السنن: كتاب السير باب وصية الإمام في السرايا ٢/ ٢١٥ ومالك في الموطأ: كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو ٣٩٧ رقم ٩٧٤ (بلاغاً)، وأحمد المسند ۳۰۰/۱، ٢٤٠/٤، ٢٥٨/٥ كلهم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعاً، واللفظ لمسلم، وزاد أحمد روايتين عن ابن عباس، وصفوان بن عسال المرادي، وشاركه في الثانية أبن ماجه، وعقب الترمذي على حديثه قائلا: حديث بريدة حسن صحيح.

 (۷) يخرص عليهم: أي يقدر ما عليهم على طريق الظن يقال: خرص النخلة والكرمة يخرصها خرصًا إذا حزر ما عليها من الرطب ثمراً، ومن العنب زبيبًا فهو من الخرص: الظن، لأن الحزر إنما هو تقدير بظن. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ۲۸۸/۱ 

(۸) جزء من حديث طويل أورده الحافظ البيهقي في السنن الكبرى كتاب المساقاة، باب المعاملة على النخل بشطر ما يخرج منها ١١٤/٦ من حديث نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قائل أهل خيبر حتى الجاهم إلى قصرهم.... الحديث، وعنه نقل الحافظ ابن كثير في السيرة النبوية ۳۷۷/۳ - ۳۷۹ 

(۹) هذه بقية الحديث الذي تقدم تخريجه آنفاً.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

159

الثلاثاء 16-يونيو-1970

خير أمـة أُخرجت للنـاس!

نشر في العدد 14

141

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مع القراء- العدد 14

نشر في العدد 63

148

الثلاثاء 08-يونيو-1971

العقيدة.. أولًا