العنوان تكامل فرض العين مع فرض الكفاية (7)
الكاتب إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012
مشاهدات 51
نشر في العدد 2029
نشر في الصفحة 66
السبت 01-ديسمبر-2012
بمرور الزمن، ومع اتساع رقعة المدنية الإسلامية واستقرار قواعدها وازدهار عمرانها، ومع حدوث تمايز نسبي بين مؤسساتها ومرافقها العامة من النواحي الوظيفية والرمزية، أضحت هناك علاقة مباشرة بين الوقف وصوم رمضان.. وبالتأمل في وقائع هذه العلاقة يتضح أن الفرض الكفائي «الوقف» كان - دومًا - في خدمة الفرض العيني «الصوم»، ورافدًا أساسيًا من روافد تمويل معظم مظاهر الاحتفاء به وإقامة شعائره والتمكين من صيامه؛ عبر مختلف العصور.
لقد أخذ المسلمون يحيطون ممارستهم لفريضة الصوم بكثير من مظاهر الإجلال والاحتفاء والتعظيم، وارتبطت بهذه المظاهر سلوكيات خاصة وحاجات اجتماعية متجددة، واستلزمت - هذه وتلك - وجود أدوات ووسائل ملائمة لتحقيقها، ومن ثم مصادر لتمويلها والإنفاق عليها؛ دوريًا في رمضان من كل عام، وباستمرار على مر الزمن، ومن هنا جاء التوظيف الاجتماعي للوقف - بعد أن أخذ حكم الفرض الكفائي في الممارسة الاجتماعية - ليكون في خدمة الفرض العيني.
وتكشف لنا وثائق الأوقاف - التي سجلت وقائع الممارسة الاجتماعية - لسنة الوقف «كفرض كفاية، أو مندوب كفاية، أو هما معًا» على مر التاريخ - عن أن «شهر رمضان» قد حظي باهتمام كثير من الواقفين على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية، وتباين أوضاعهم الاقتصادية.
وعبرت مبادراتهم الوقفية عن شعور عميق بالمسؤولية الاجتماعية وترجمتها في كثير من الأعمال والمشرعات، وقد صنفنا صيغ التوظيف الاجتماعي للوقف في رمضان في ثلاثة أنماط هي:
1 - نمط التحويلات النقدية
كان ذلك بأن ينص الواقف على تخصيص مبالغ نقدية من ريع وقفه لإنفاقها خلال شهر رمضان على الفقراء والمساكين وذوي الخصاصة ومثاله ما نص عليه محمد باشا سليمان أبو النجا في حجة وقفيته - سنة ١٣٦٩ هـ / ١٩٥٠م - وهو أن يصرف للفقراء والمساكين من ريع الوقف جنيهات مصرية «يوميًا» على مدار أيام شهر رمضان و ۹۰ جنيهًا في آخر يوم من رمضان سنويًا.
والتخصيص الوارد في هذا المثال - وأمثلته كثيرة - هو عبارة عن عطاء نقدي لتلك الفئات بلا مقابل، ودون تكليفهم بأداء أية خدمة وهدفه هو إعانتهم ليتمكنوا بأنفسهم من تدبير بعض ضرورياتهم خلال الشهر الكريم، وهذا أحد مظاهر المسؤولية الاجتماعية. وهناك مظهر آخر اشترط فيه بعض الواقفين الإنفاق من ريع الوقف في رمضان، ولكن مقابل قيام المستحقين بأداء خدمة ذات طابع شعائري أو ثقافي، ومن الأمثلة على ذلك؛ ما ورد في حجة وقف السلطان سليمان القانوني على التكية السليمانية - بدمشق - وعلى المسجد الملحق بها، وهو أن «يرتب إمامان من أهل الصلاح.. يحضر واحد منهما بنوبة كل وقت من الصلوات الخمس المكتوبة والتراويح المندوبة، ويُدفع إلى كل واحد منهما كل يوم سبعة دراهم».
ولاحظنا أن هذا النمط من التحويلات النقدية كصيغة للتعبير - عن اهتمام القائمين بالفرض الكفائي «الوقف» برمضان لم يكن شائعًا، ويبدو أنهم كانوا يفضلون تخصيص عطاءات عينية - وليست نقدية - أو تقديم خدمات مجانية في مجالات التعليم والصحة والسكن.. إلخ من خلال بعض المؤسسات المختصة بتقديم تلك الخدمات، أو بتوفير منافع أو رعاية اجتماعية خاصة لبعض الفئات.
۲ - نمط المساعدات العينية
كان ذلك بأن ينص الواقف على الصرف من ريع وقفه لشراء بعض السلع والحاجات - كالأطعمة والأشربة والملابس - وتوزيعها خلال شهر رمضان على فئات متنوعة من الناس؛ مع إعطاء أولوية الاستحقاق لكبار السن والعاجزين عن الكسب والضعفاء والأيتام ومقيمي الشعائر في المساجد والتكايا والرباطات والمشايخ الملازمين للمساجد، وللمساكين وحتى للسجناء، وغير هؤلاء ممن يدخلون ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة.. والأمثلة على ذلك كثيرة من الوقفيات القديمة ومن الأحدث نسبيًا؛ فمن أوقاف مصر في العصر المملوكي، ما ورد في حجة وقف السلطان حسن، وهو أن يصرف في كل يوم من أيام شهر رمضان ثمن عشرة قناطير من لحم الضأن، وثمن أربعين قنطارًا من خبز القرصة وثمن حب الرمان، وأرز وعسل وحبوب وأبزار وتوابل، وأجرة من يتولى طبخ ذلك وتفرقته، وثمن غير ذلك مما يحتاج إليه من الآلات التي يطبخ بها، فيطبخ ذلك في كل يوم من أيام الشهر المذكور زيادة على ما هو مرتب في ليالي الجمع.
ومن أوقاف دمشق في مطالع العصر العثماني ما ورد في حجة وقف السلطان سليمان القانوني، على تكيته بمدينة دمشق، وما فعله السلطان سليمان يشبه ما فعله السلطان حسن؛ من حيث مضمونه ودلالته.
فقد اشترط السلطان سليمان في وقفيته أن يطبخ في ليالي رمضان المبارك، ويومي العيدين وليلة البراءة؛ الأرز المفلفل، والحلو المزعفر» وعين لكل مرة «ثلاثة وتسعين منا من الأرز النقي، وللطعامين المرقومين لكل مرة ستة وعشرين منا، وثلاثة أداني من السمن البقري وللمزعفر منها كل نوبة ثمانية وعشرين منا من العسل الحري».
وحتى يضمن جودة تلك الأطعمة وتقديمها للفقراء بطريقة لائقة فإنه نص على توظيف أشخاص تكون مهمتهم: تنقية الحنطة والأرز حسبما تستريح أسنان الطاعم عند صدمة دقاق الحجارة عند تناول المطاعم، ويعطى لكل منهم كل يوم درهمان، ويقدم الطعام ثلاثة رجال لحمل الطاسات المحشوة بالطعام إلى فقراء الأنام الحاضرين - بالتكية - غدوا وعشيًا، ويعطى لكل منهم كل يوم درهمان.
وثمة أمثلة أخرى كثيرة تبين أمرين أحدهما هو انتشار هذه الممارسة الاجتماعية للوقف وجعله في خدمة فريضة الصوم، وثانيهما هو الاهتمام الكبير بتقديم مساعدات عينية في صورة ملابس وكساوي لفئات عديدة بمناسبة رمضان، ولكننا سندرجها ضمن نمط الدعم المؤسسي، نظرًا لأن أغلبيتها جاءت مرتبطة بإحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أو التعليمية أو الخدمية العامة، وهي تدخل ضمن قطاع الخدمات والرعاية الاجتماعية فيما يسمى «مؤسسات المجتمع المدني».