العنوان تكثير الخير وتقليل الشر
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1987
مشاهدات 103
نشر في العدد 809
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 17-مارس-1987
قال
حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- حديث الصحيحين: «كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني... الحديث»، فبين له النبي
-صلى الله عليه وسلم- أنه سيطرأ تبديل وتغير في الأحوال، ويختلط بالخير الدخن تعرف
منه وتتكرر، وسيأتي دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، وأوصاه بأن يلزم جماعة
المسلمين وإمامهم وأخبره بأنه سيأتي زمان لا يكون فيه إمام تجتمع عليه كلمة المسلمين؛
ولذا فإنه يستحيل أن يأمر المسلمين بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم
لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد البلاد والعباد، قال الجويني: «فإذا خلا الزمان عن
السلطان، وجب البدار حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان، ولو سعى عند شغور
الزمان طوائف (أي جماعات) من ذوي النجدة والبأس في نقض الطرق عن السعاة في الأرض الفساد،
فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال بعض العلماء لو خلا الزمان
عن السلطان فحق على سكان كل بلدة أو قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول
والحجا- من يلتزمون امتثال إشارته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم
يفعلوا ذلك ترددوا عن إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات، وهووا في مورطات
المخالفات»، انتهى بتصرف(1).
وربما يكون المسلم في طرف
لا يستطيع أن يؤدي كل ما أوجبه الله عليه من الخير؛ لأنه لا يمكن من ذلك، قال ابن تيمية:
«من بلغه دعوة النبي فآمن به في دار الكفر، واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره،
ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ولا التزام جميع شرائع الإسلام، لكونه ممنوعًا من
الهجرة، وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام- فهذا مؤمن
من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما
كان يوسف الصديق -عليه السلام- مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا، ولم يمكنه أن يفعل
معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك
مما جاء كم به) (غافر:34)، وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه، وكثير
من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا
حج البيت، بل قد روى أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة
الشرعية، وما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن- فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا
ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا بل وإمامًا، وفي نفسه أمور من العدل يريد
أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها،
وعمر بن عبدالعزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل إنه سُمّ على ذلك، فالنجاشي
وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه،
بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها» انتهى(2).
وسئل
عن رجل متول ولاية مهمة يريد أن يجعلها وفق ما يرضى الله، ويبتعد عن الظلم كله فلا
يمكن من ذلك ممن هم أعلى منه منصبًا، فهل يجوز أن يبقي في الولاية مع تخفيف الظلم وتقليل
الشر ما استطاع، فقال -رحمه الله- مجيبًا: «الحمد لله، نعم إذا كان مجتهدًا في العدل
ورفع الظلم بحسب إمكانه، ولايته خير للمسلمين من ولاية (فاسد) غیره، وبقاؤه جائز ولا
إثم عليه في ذلك، فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم حسب الإمكان- فرض على الكفاية
يقوم كل إنسان ما يقدر عليه، وما يقرره الملوك (أي يجبرونه عليه) من الوظائف التي لا
يمكنه رفعها لا يطلب بها» انتهى ملخصًا(3)، وعقد العز بن عبدالسلام في كتابه قواعد
الأحكام في مصالح الأنام فصلًا في تصرف الآحاد في الأموال العامة عند جور الأئمة، اكتفى
به لضيق المقام، والله أعلم.
____________
(1) غياث الأمم للجويني ص 387 وما
بعدها.
(2) فتاوى ابن تیمیة 19\217.
(3) الفتاوى 30\357.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل