; تكرار حج التطوع والعمرة بين المؤيدين والمعارضين | مجلة المجتمع

العنوان تكرار حج التطوع والعمرة بين المؤيدين والمعارضين

الكاتب رجب الدمنهوري

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999

مشاهدات 99

نشر في العدد 1341

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 09-مارس-1999

 

  • المعارضون:
  • الإنفاق في مصارف سد حاجة المسلمين والمساعدة على تقدمهم وإنقاذ الملهوفين أولى
  • الكثرة تسبب الزحام الذي لا يمكن حجاج الفريضة من القيام بالسنن والمندوبات
  • المؤيدون :
  • هذه المسألة تخص ميسوري الحال وهم في حاجة إلى التحصن الوجداني ومقاومة الغواية التي تحيط بهم
  • تكرار الحج تلبية لنداء النبي صلى الله عليه وسلم ولا تعارض بين هذا الأمر الثابت وفقه الأولويات

 

 

أثار فهمي هويدي في منبره الأسبوعي بصحيفة «الأهرام» القاهرية ظاهرة الإسراف في تكرار حج التطوع والعمرة، عبر ثلاث مقالات وضع فيها المسألة في ميزان فقه الأولويات، وقدم العديد من الأدلة العقلية والفقهية، ورجح فرضية الإنفاق في المصارف التي تسهم في إنقاذ وإغاثة المسلمين من الجوع والعوز والهلاك هنا وهناك، والمصارف التي تساعد على تقدم المجتمع من خلال تشييد المؤسسات النهضوية المختلفة على الإسراف في أداء حج التطوع والعمرة.

وقد أثار هذا الطرح ردودًا متباينة بعضها يؤيد والآخر يعارض، وكل رأي له أدلته وبراهينه، وفي هذا الصدد تستطلع «المجتمع»، وترصد مجمل هذه الآراء التي تناولت هذه المسألة، خاصة أننا نعيش أجواءً تمهيدية لموسم الحج.

فهمي هويدي استشهد في مواضع متفرقة بعدد من الأدلة التي تدعم هذا الرأي ومنها:

أن الإمام عبد الله بن المبارك خرج من مدينة «مرو» مع قافلة نوت أداء فريضة الحج، وكان من عادته أن يودع مال القافلة كلها مع خازن له يرتب أمر الجميع، وهو يهم بمغادرة المدينة لقي طفلة تفتش عن قوت لها في القمامة، فسألها عن أمرها؟ فقالت له: إنها يتيمة بلا عائل وتبحث عن شيء تقتات به، فما كان منه إلا أن طلب من خازن المال أن يعطيها كل ما اجتمع لديه، وقال: هذا حجنا هذا العام، ثم قفل راجعًا إلى بلده، وقال هويدي في استشهاد آخر: إن الإمام الجويني أفتى بأنه إذا اعتزم ولي الأمر أداء فريضة الحج وترتب على غيابه تعطيل مصالح الخلق أو الإضرار ببلده، فإن الحج يصبح محرمًا عليه، الأمر الذي يسوغ لي والكلام لهويدي - القول بحرمة إنفاق المال في النوافل، إذا كان المجتمع يعاني من الفقر والمرض والتخلف.

الأولويات

ويعالج د. يوسف القرضاوي هذه المسألة في مؤلفه فقه الأولويات، موضحًا أن أكثر الذين يزحمون موسم الحج كل عام هم من الذين أسقطت عنهم الفريضة وحجوا من قبل، والذين لم يحجوا قبل ذلك لا يكونون من مجموع الحجيج أكثر من 15%، فإذا كان الحجاج نحو مليونين فإن الذين يحجون منهم عادة لأول مرة لا يزيدون غالبًا على ثلاثمائة ألف، فليت الذين يتطوعون بالحج وهم الأكثرية ومثلهم الذين يتطوعون بالعمرة طوال العام وخصوصًا في شهر رمضان، يتنازلون عن حجهم وعمرتهم ويبذلون نفقاتهم في سبيل الله، أي في إنقاذ إخوانهم المسلمين والمسلمات الذين يتعرضون للهلاك المادي والمعنوي والعدوان الغاشم الذي يستبيح حرماتهم.

 ولقد عرفت بعض المتدينين الطيبين في قطر - والكلام للدكتور القرضاوي - وفي غيرها من بلاد الخليج ومصر يحرصون غاية الحرص على أداء شعيرة الحج كل عام، وأعرف بعضهم يحج سنويًا منذ أربعين سنة، وقد ذكرت لهم في سنة ما وكنت حاضرًا لتوي من إندونيسيا وشاهدت ما يصنعه التنصير هناك من أعمال هائلة، وحاجة المسلمين الماسة إلى مؤسسات مقابلة تعليمية وطبية واجتماعية وقلت لهؤلاء الإخوة: ما رأيكم لو نويتم هذا العام ترك الحج والتبرع بنفقاته لمقاومة التنصير؟

ولكن الإخوة قالوا: إننا كلما حان ذو الحجة أحسسنا برغبة لا نستطيع مقاومتها للحج والمناسك، ونحس بأرواحنا تحلق هناك ونشعر بسعادة غامرة، وهذا ما قاله من قال لبشر الحافي من قديم، ولو صح الفهم وصدق الإيمان وعرف المسلم معنى فقه الأولويات لكان عليه أن يشعر بسعادة أكبر وروحانية أقوى كلما استطاع أن يقيم بنفقات الحج مشروعًا إسلاميًا يكفل الأيتام، أو يطعم الجائعين، أو يؤوي المشردين، أو يعالج المرضى أو يعلم الجاهلين، أو يوفر فرصة عمل للعاطلين.

تغيير التوجه

وفي مداخلته يذكر د. محمد عبد المنعم البري - رئيس جبهة علماء الأزهر سابقًا - قصة لأحد رجال الأعمال في هذا الشأن قائلًا: جاءني هذا الرجل وقال: إنني أقوم كل عام بأداء هذه الفريضة كعلاج نفسي، حيث إنني محبوس طوال العام وليس أمامي أي متنفس أغتسل فيه من الذنوب والخطايا، وأقوم ما اعوج في نفسي، مشيرًا إلى أن غيره يذهب إلى شواطئ أوروبا والخمارات وكازينوهات الليل.. قلت له: إن الظروف تقتضي تغيير التوجه خاصة أن الأقليات المسلمة في أمس الحاجة إلى الأموال والنفقات التي يتطلبها حج التطوع، فكان رده أن هذه الفريضة هي الفرصة الوحيدة المتاحة التي يغسل فيها نفسه من الداخل لكي يواصل بعد ذلك أعماله في ظل الروح الإيمانية التي اكتسبها خلال تلك الرحلة.

لكن على هؤلاء أن يدركوا حجم المعاناة التي يعيشها المسلمون، وأن يؤمنوا بأن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، كما أن من جهز غازيًا فقد غزا كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فلابد من إغاثة الملهوفين ولا داعي لتكرار الحج وتتابعه، ويمكن لرجال الأعمال أن ينظروا لمن حولهم ممن يعيشون تحت خط الفقر، فيؤسسوا مشروعًا للأيتام واللقطاء والمنافذ الأخرى الملحة التي تتقدم في أهميتها وضرورتها على حج التطوع والعمرة.

لن يكون مبرورًا

ويرى د. عبد المعطي بيومي - عميد كلية أصول الدين بالأزهر الشريف - أن تكرار الحج والعمرة على النحو الذي نراه الآن، وفي هذه الأجواء يفقد الحج مبروريته، فالحج لن يكون مبرورًا إلا إذا سدت ثغور المجتمع ومنافذه التي تحتاج إلى دعم وتكافل اجتماعي، يجسد الترجمة العملية للإسلام.

ويضيف د. بيومي أن عدد حجاج التطوع يزيد على ثلثي إجمالي عدد الحجاج، الأمر الذي يجعل حجاج الفريضة - بسبب شدة التزاحم - لا يؤدون المناسك في يسر وراحة، ويفوت عليهم كثيرًا من السنن والمندوبات بل ويعرض كبار السن للموت تحت الأقدام.

ويستطرد قائلًا: لا يليق أن نغفل فقه الأحوال وهو ما عرفه القرضاوي بفقه الأولويات، وسيد قطب بفقه الواقع، خاصة أن كثيرًا من المجتمعات الإسلامية تفتقد إلى المستشفيات والمدارس، وما يسد الرمق لدى بعض المحتاجين للعلاج والتعليم والطعام، إذ لا ينبغي أن تكون منافذ المجتمع وثغوره في حاجة ماسة إلى الأموال ثم نجد حجاج التطوع لا يبالون ويخرجون لأداء الحج عدة مرات مولين ظهورهم لهذه الثغور المفتوحة، هذا مع استنكارنا الشديد لإنفاق الأموال في المصايف المترفة والملاهي العابثة والأفراح الفاجرة.

التحصن الوجداني

المستشار طارق البشري يرى أن تكرار هذه الأمور من النوافل، وأن وجوهًا أخرى من التعبد والتعامل مع الآخرين والإنفاق قد تكون أولى وهي في ظروفنا التي نحياها أولى فعلًا، فما أعظم احتياجات الناس وما أكثر المصارف التي تحتاج إلى إسهامات القادرين، لسد ضرورات أصحاب الحاجات في التعليم والصحة ورعاية الأيتام والخدمات الاجتماعية.

ولكن البشري يلفت النظر إلى أن الحديث في هذا الشأن يخص شريحة اجتماعية من ميسوري الحال القادرين على الإنفاق السنوي على تكرار الحج والعمرة، وهذه الشريحة تحيط بها أجواء من الغواية والمغريات التي تثيرها أجهزة الإعلام المحلي والعالمي، الأمر الذي يجعل هذه الفئة أكثر احتياجًا للمزيد من التحصن الوجداني للاحتفاظ بالمخزون الإيماني، فقد لا يتوافر لكثير منهم في حياته اليومية أن يفرغ لنفسه ولدينه ساعة من نهار أو ليل إلا تلك الأيام التي يقضيها في رحاب الحرمين يفر فيها إلى الله فيرطب جوانحه ويجدد إيمانه ويغتسل هناك من أوزار المناخ العام، يضاف إلى ذلك أن التبرع لجهات أهلية صرفة يمكن أن يلحق بهم الشبهات، وهناك قيود لائحية في هذا الشأن والوقف مقيد والجمعيات مكبلة، وإذا كان تكرار أداء الحج والعمرة من قبيل النزهة، أليست نزهة من ذلك القبيل أفضل من النزهة على سواحل البحار ومطاعم الليل وأماكن اللهو والعبث؟

التكرار تلبية لنداء الرسول

أما د. حامد أبو طالب - أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر - فيختلف مع سابقيه قائلًا: من المعروف حقًا أن الله فرض على المسلم حج البيت مرة واحدة في العمر، لكن إضافة إلى هذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المتابعة بين الحج والعمرة، وحبب فيها حيث قال صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد»، وعلى هذا فلا أساس من الصحة ولا سند لمن يدعو إلى اقتصار المسلمين على حجة واحدة بدعوى الاقتصاد في المال، أو إنفاقه في مصارف معينة كبناء المستشفيات والمدارس، والقول بفقه الأولويات لا يغير الأمور الثابتة خاصة أن تكرار الحج تلبية لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أن الإنفاق في هذه المصارف وهي من أعمال الخير لا يؤدي إلى تقويم النفس وترويضها على الطاعة والتزود بالإيمان والتقوى والورع.

الرابط المختصر :