العنوان تمخض الجبل فماذا يلد؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1992
مشاهدات 70
نشر في العدد 1028
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 08-ديسمبر-1992
الأمة الإسلامية اليوم
في البلاء على سواء وفي الهوان على طريق، كما يقول القائل «كلنا في الهم شرق»، لأنها
فقدت الروح الفتية التي كانت تعمرها، والحيوية القوية التي كانت تغمرها، وأصبحت هيكلًا
فاقد الحركة، ورمسًا متهدم الجرف، انطمس تاريخها في مخيلتها، وضاع مجدها من طريقها،
أسرفت في اللين حتى رميت بالجبن، وبالغت في الكسل حتى رضيت بالخنوع، وأفرطت في التسيب
حتى نسيت الأنفة، وتهافتت على الشهوات حتى فقدت العفة، وتسابقت في القطيعة حتى أضاعت
الأخوة، وتمرغت في الوهن حتى حلّلت الرجولة؛ ولهذا نراها اليوم تائهة بدون دليل، وهائمة
بدون راعٍ، ومشتتة بدون قيادة، حتى طمع فيها العدو، وتنكر لها الصديق، وتنمر لها الذئاب،
وتودد لها الثعالب، وانقض عليها الوحوش؛ لتمزق الجسد الواهن وتزدرد الجثة الصرعى.
وتتنادى الأعضاء المنهوبة
والأطراف المغتصبة، فلا تسمع إلا الأنين ولا تحس إلا الهول، والمسلمون الذين فطروا
على نصرة الأخ ونجدة الصريخ ومعونة الضعيف وجبر الكسير.. والمؤمنون الذين كانوا ينافسون
في نيل الشهادة وشرف التضحية، لا ترى لهم من باقية، والباب المشبوب بعزم آبائه، المضّاء
بوهج عقيدته، والفتية الغر الميامين حضرة الفاتحين وبناة المجد الأثيل، خلف من بعدهم
خلف أضاعوا الهيبة ولم يرفعوا للمعالي هممًا أو يشيدوا للفوز طريقًا.
ويتساءل القاصي والداني
من أهل النجدة والمروءة عن دواء يبرئ العلة، وإكسير ينفع الغلة، يستطاع به نفخ الروح
في الجسد الهاوي وبث الحياة في الرمس الهامد، وبعث العزيمة في هذا الكم الهائل ليذب
الهوام عن جسمه المقروح، ويدفع الحشرات عن لحمه الدامي، ويتسابق العاملون المخلصون
في جمع الشمل المفرق، وحزم الأعضاء المبعثرة، وكفكفة الدماء المسفوحة هنا وهناك، وصيانة
الأعراض المفضوحة للقاصي والداني، فهل تستطيع هذه العناصر وتقدر؟ وهل تصبر وتصابر وترابط؟
وتتنادى اليوم الأنظمة الإسلامية المفزعة، بعدما صرخت الشعوب وولولت وتصايحت وأهابت بها أن تدفع تلك المصائب
والفواجع التي تصب بقصد، وتبيت بإصرار، وتنطلق بجرأة ووحشية لتدمر الشعوب الإسلامية
شيئًا فشيئًا، وتنسفها لبنة لبنة.. يحرك تلك الشعوب وهذه الأنظمة اليوم ما تعايشه من
حصد الأجساد والأرواح المسلمة في البوسنة والهرسك، مما يفتت الأكباد ويخلع القلوب على
أيدي تتار القرن العشرين، وصليبيي الحقد الأسود الملعون، وهذا التنادي اليوم- ولاشك
شيء- يبعث على الأمل، ويدفع إلى البشرى في عودة الروح ورجعة الحيوية، ولعلها تكون فزعة
المغيث المسعف، لا فزعة المنادي الآسف، ونجدة الكماة الكرام، لا شنشنة الخُشب المسندة،
وفومة الدارع الطل.
إن سبعة أشهر من التجويع
والاضطهاد والتعذيب والقتل والفظائع التي تعيد إلى الأذهان أهوال محاكم التفتيش، وفواجع
ذئاب النازية وعليها مزيد، ألا تكفي لتحنان قلوب ساسة المسلمين، وتحريك حميتهم، وتوجيه
عزيمتهم إلى العمل بهمة والسعي بجد لفك الكربة وإغاثة الملهوف.
إن هذا الكم الهائل من المسلمين الذي يبلغ ثلث العالم ويملك في يده جل ثرواته ومعظم خيراته، يمسك في يده أوراقًا كثيرة يستطيع تحريكها أو التلويح بها في سبيل دفع الظلم ورد العدوان، وهذا حق وقضية عادلة لا يستخذي منها مصاب أو يستحي منها مظلوم، للدفاع عن أهله وأمته وعرضه.. وعصابات البغي في هذا الزمان لا يردعها إلا الناب والظفر والسن، فيجب على الأمة المسلمة أن تشحذ أنيابها النابية وتطيل أظفارها القصيرة وتحد أسنانها الحافية.. واجتماع رؤساء الأمة المسلمة يجب أن يجلل بالمهابة، ويؤيد بالأفعال، ويدوي بالنجدة ويتمخض فيلد فرجًا وفألًا، ولا يتمطى فيخرج ذنبًا وفأرًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل