; معالم على الطريق: ليلة القدر وقدر المسلمين هل يتغير؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق: ليلة القدر وقدر المسلمين هل يتغير؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993

مشاهدات 75

نشر في العدد 1042

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 16-مارس-1993

تأتي ليلة القدر على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهم في شرود وتيه، وهم وغم، وبلاء وعذاب، وكأن البشر والحيوان والجماد يُطاردهم، وكأن الصحاري والفيافي والوديان تنبذهم، وكأن الشهب والنيازك والأفلاك ترجمهم، فهل تأتي ليلة القدر فَتُقَدِّرُ لهم شيئًا، وتحمل لهم أمرًا، وتفتح لهم بابًا؟ وهل تأتي ليلة القدر لتنبه الوسنان، وتوقظ النائم، وتحرك الخامل؟ هل تأتي بكشف الغمة ورفع الهمة وإضاءة البصيرة، أم تأتي بغير ذلك وتكشف ما هو أدهى وأمر؟ قال العلماء في معنى ليلة القدر أنها ليلة التقدير، بمعنى أنه يُقَدَّر فيها ويُقضَى ما يكون في تلك السنة من عطاء ومنع، وإحياء وإماتة إلى غير ذلك. قال -تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (الدخان: 4). ويأتي تقدير الله في الأزل محسوبًا محسوماً بأفعال الإنسان وأعماله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. قال -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها: «أجرك على قدر نصيبك». وقال -تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (النساء: 79) أي من انحرافك وعملك. قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يصيب رجلاً خدش عود، ولا عثرة قدم ولا اختلاجة عرق إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر». ذلك لأن السنن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأعمال الناس وكسبهم. قال -تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41). فانحدار الناس وضياع الأمم لا يتم عبثًا، وظهور الفساد واستعلاؤه لا يأتي عفويًا، ولا يقع مصادفة، وإنما هو بانهزام في النفس، وخلود إلى الهوان والتدني، فقد سن الله منهجًا، وشرع طريقًا، ودل على الخير، وحذر من الشر، فحين يتبع الإنسان منهج الله ويسير في هذا الطريق يُهدَى إلى الخير. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69). وحين لا يتبع الإنسان النهج الذي سنه، ولا يسلك الطريق الذي شرعه، وينحرف ويقترف المفاسد، وتنهدم ذاته، وتنحط نفسه فلا بد أن تجري عليه سنة الله ويذوق وبال عمله، وهذه سنة في الأمم السابقة واللاحقة. قال -تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ﴾ (الروم: 42). حين فسدوا وضلوا فانتقمنا من الذين أجرموا، وكان حقًا علينا نصر المؤمنين. وما ظلمهم الله، ولا جنى عليهم أحد، وإنما هم الجناة على أنفسهم، وهم الذين أداروا الدائرة على أممهم وأهليهم، ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (الروم: 44) ألا ترى معي يا أخي أن قدر الأمة في أعمالها، وفي عزائمها، وفي استقامتها على الطريق. قال -تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (الجن: 16)، وأن سنن الله التي هي قدره تجري على الأمم والشعوب بالحق، فهل تهيأت الأمة الإسلامية لقدر أفضل وتقدير أوفق؟ وهل تغيرت من حال أدنى إلى حال أسمى فكرًا وسلوكًا وعملاً؟ هل نهض الفرد المسلم من تسفله وانحطاطه وضياعه؟ وهل توجه نحو الحق، والعدل، والكفاح، والعمل؟ وهل عرف قيمة وقته، وحياته، وثروته المادية، والفكرية؟ وهل تخلص من الأغلال والقيود والعبودية، ورجعت له إنسانيته المسروقة وآدميته المهدرة؟ وهل استطاع أن يواجه فراعنته وأكاسرته وأباطرته الذين أرجعوه إلى القرون السحيقة، ونحن في عصر استثمار الطاقات، وإطلاق الإبداعات، واستغلال المواهب؟ إذن فالقدر معروف، والتقدير واضح، والنتيجة ليست بـخافية على أحد، وأظن أن الأعداء يعرفونها أكثر من أهلها، والمتربصين يقرؤونها أكثر منا، وإلا فبالله عليكم ما المقدر للبوسنة والهرسك وسط خنوع المسلمين وكنودهم وقعودهم وفرقتهم وتبعيتهم وتفريطهم وفقدانهم لكل شيء فيه إيمان، أو شعور، أو رجولة، أو مرحمة؟ وما قدرهم، وليس معهم سلاح، أو مال، أو طعام، أو مأوى؟ وما قدرهم وقد تآمرت عليهم الصليبية والصهيونية والشيوعية فسفكوا الدماء، ونهبوا الديار، وسبوا النساء، وفضحوا الأعراض؟ وما قدر الأمة التي تحارب أبناءها، وتترك أعداءها، وتتهم بنيها، وتطارد مصلحيها، وتقرب مفسديها، وتجعل ذلك هدفها، وغايتها، ودستورها، وخطتها؟ ما قدر أمة تدمن الانهزامية والنفاق والثرثرة والتسلط والاستبداد السياسي، وتكره العدل والحرية والأصالة، وتحارب ربها، وتفضح دينها، وتشهر بعقيدتها، وتتنكر لمنهجها؟ هل نظن أن تتغير السنن والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، أم نظل بلهاء مخدوعين تائهين لاهين عن الطريق؟ وما أظن أن الأمم ستظل كذلك، وأن القدر الفاعل سيخطئنا دائما. وفي الأمم الإسلامية نور الله يتحرك من جديد، هل تظن معي ذلك؟

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 37

118

الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

ليلة القدر

نشر في العدد 85

0

الثلاثاء 09-نوفمبر-1971

في ظلال شهر الصوم..

نشر في العدد 123

125

الثلاثاء 24-أكتوبر-1972

كل شيء عن الصيام