; المهارات السبع لتدمير القيادات | مجلة المجتمع

العنوان المهارات السبع لتدمير القيادات

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010

مشاهدات 59

نشر في العدد 1909

نشر في الصفحة 40

السبت 03-يوليو-2010

كثرة الشكوى تشعر القائد بالفشل وبأن جهوده هباء منثورا

القائد المسلم لا يصدق كل ما يأتيه ويتحرى الدقة حتى يعدل 

المديح الدائم للقائد يدفعه لرفض النصيحة والتذمر من كل نقد 

المشاحنات بين الأفراد تؤلم القائد وتحطمه نفسيا 

يروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن شَقِيق أنه قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ ، بَعْدَمَا حَطَمَهُ النَّاسُ - أي كبر فيهم وصيروه شيخاً محطوما(١). 

لقد قرأت هذه الرواية مرات ومرات؛ وفي كل مرة أستشعر معاني أكثر وأطيب؛ على بالفشل وبأن الرغم من الشجون والآثار النفسية التي تثيرها تلك القراءات !! أهكذا كانت أحماله ومعاناته صلى الله عليه وسلم مع رعيته ؟! وهكذا فعلت به همومه وأثقاله القيادية؟! 

إننا عندما ننظر إلى هذه القضية من خلال رؤية إدارية وتربوية ودعوية ؛ يفزعنا هذا الكم الهائل من الأساليب؛ التي تمارس لتحطم أشد وأقوى القيادات لعل من أخطرها تلك المهارات السبع الذهبية لتدمير وتحطيم القيادات التي من شأنها أن تنهك أي مسؤول في أي موقع؛ حتى وإن كان الوالد أو الوالدة داخل الأسرة، وهي قسمان رئيسان: 

القسم الأول: المدمرات القاسية وهي سهلة الاكتشاف؛ لأنها ظاهرة ومحسوسة كما أنها غير مرغوبة من القائد، ومنها: 

1- عدم التقدير: وأهم صوره ضياع خلق الاحترام بين الناس؛ خاصة التفسح في المجالس؛ لأنها من أبرز الآداب، يقول الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: 11]

2- كثرة الشكوى: وهي من أبرز الأسباب التي تنهك الرموز؛ فتعطي القائد باقة من الرسائل السلبية التي تفسر بأن الذين تحت مسؤوليته ليسوا أصفياء مع بعضهم بعضا، وأن النفوس مشحونة، وأن جهوده كلها في التوفيق ما هي إلا هباء منثور. وقد عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم أنواع مختلفة من هذه المشكلات، منها: 

- المشكلات الأسرية: ومن أبرز نماذجها عندما حملت خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها شكواها للرسول الكريم، ولم تذهب لغيره وقد روت ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت:.. لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةَ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزْ وَجَل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1](۲). 

- المشكلات المعيشية: ومن ذلك ما ورد عن أنس بن مالك أنه قال : كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يحترف فشكى المحترف أخاه إلى النبي فقال: «لعلك ترزق به»(۳). 

- المشاحنات النفسية: وهي الهنات التي تحدث بين الأفراد أمام المسؤول؛ فتؤلمه وتحطمه، مثلما شكى عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى الرسول الله فقال الرسول: «يا خالد، لم تؤذي رجلا من أهل بدر؟ لو أنفقت مثل أحد ذهبا لم تدرك عمله». فقال: يا رسول يقعون في فأردّ عليهم. فقال الرسول: «لا تؤذوا خالدا؛ فإنه سيف من سيوف الله؛ صبّه الله على الكفار»(٤). 

- المشكلات الداخلية المنزلية: 

وهنا علينا أن نتدبر عمق خطر أي خلل في الجبهة الداخلية، فيما رواه عمر رضي الله عنه: وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعلُ النِّعَالَ لغَزُونَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ عِشَاء فَضَرَبَ بَابِي ضَرْباً شَدِيداً. وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ. وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هو، أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ : لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأطول ! طلقَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ. قَالَ: قَدْ طَلَّقَ خَابَتْ حَفْصَةً وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ(٥). فهذا الصحابي المجهول يرى أن أي خطر يمس بيت الرسول الكريم أعظم من أي غزو خارجي! 

- الناقدون ... المحيرون: 

فقد يصل المسؤول من البعض ما لا يصدقه، ولكنه يحقق ويتحرى الأمور بدقة، حتى يعدل، وذلك كما جاء في الأثر عن جابر ابن سمرة قال: "شكا أهل الكوفة سعدا في كل شيء حتى قالوا: إنه لا يحسن يصلي! قال: فأرسل إليه عمر ؛ فقال: إنهم قد شكوك في كل شيء، حتى زعموا أنك لا تحسن تصلي، فقال سعد: والله إن كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها، أصلي صلاتي العشاء؛ فأركد في الركعتين وأحذف في الأخريين. قال: ذلك الظن فيك أبا إسحاق فأرسل معه رجلا أو رجلين يسأل عنه أهل الكوفة، فلما قدم عليهم لم يدع مسجداً إلا سأل أهله فيذكرونه خيرا ويقولون معروفا ، حتى أتى مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ أنشدتنا ؛ فإن سعدا لا يسير بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية.

فقام سعد فقال: أما والله لأدعون عليك دعوات: اللهم إن كان عبدك كاذبا فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. قال عبد الملك بن عمير: فأنا رأيته بعد ذلك شيخا كبيرا مفتونا ؛ إذا سئل : كيف أصبحت؟ قال: شيخ مفتون، أصابتني والله دعوة سعد(٦). 

- كثرة الأعباء: لأن بعض القيادات يتحملون من الأعباء ما لا يطيقون، ويتابعون من المهام فوق ما يتحملون، فالقائد هو أول من يستشعر الخطر؛ فلا ينام أو يرتاح حتى تقضى أو تنتهي، ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك من قوله: إن النبي صلى الله عيه وسلم لو كان أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة؛ فانطلقوا قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد سبقهم إلى الصوت - وهو على فرس لأبي طلحة ما عليها سرج، في عنقه السيف؛ وهو يقول: «يا أيها الناس، لم تراعوا» يردهم، ثم قال للفرس: «وجدناه بحرا»، أو : «إنه لبحر»(7). 

- كثرة الهموم: وهي الأعباء النفسية التي يتحملها المسؤول وهو يخشى على رعيته ومن تحت إمرته من المستقبل، واحتمالات تغيير التابعين في منهجه الذي أرساه وطريقه الذي تعب في توضيحه، خاصة إذا شعر أن التابعين لا يقدرون الخطر، ولا ينفذون ما يراه لهم ومن ذلك ما رواه الأسود : «كنا عند عائشة رضي الله عنها، فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها. قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه؛ فحضرت الصلاة؛ فأذن. فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». فقيل له : إن أبا بكر رجل أسيف؛ إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد؛ فأعادوا له فأعاد الثالثة فقال صلى الله عليه وسلم: «إنكن صواحب يوسف؛ مروا أبا بكر فليصل بالناس». فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يتهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه (۸). 

القسم الثاني: المدمرات الناعمة وهي التي يصعب اكتشافها؛ لكونها غير محسوسة، ومرغوبة من المسؤول؛ فهي تقتل المسؤول ببطء، وتحطمه بسلاسة، وتدمره بنعومه.

٥- المدح والتلميع: وهو أن البعض يمارس عادة المدح للمسؤول، حتى تصل لدرجة التجميل والنفاق! فإذا سمع المسؤول يوما ما نقدا من شخص ما، أشعره على الفور بالفرق، فيؤلمه لدرجة الغضب؛ لأنه لم يتعود إلا على المديح لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المديح: "قام رجل يثني على أمير من الأمراء؛ فجعل المقداد يحثي عليه التراب، وقال: أمرنا رسول الله له أن نحثو في وجوه المداحين التراب"(۹). 

٦- التقديس والتأليه وهي النتيجة المباشرة للمديح المفرط، والثناء المبالغ فيه لدرجة ترفع قيمته فوق البشر؛ فيستشعر أنه لا ينبغي أن يُسأل عما يفعل. 

ويروى أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ويلك قطعت عنق أخيك"- ثلاثاً- "من كان منكم مادحا لا محالة فليقل أحسب فلاناً، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا إن كان يعلم"(١٠).

7- التوثين والتصنيم: وهي النتيجة الأخرى لظاهرة المديح المستمر المبالغ فيه، حيث يتحول المسؤول إلى صنم يدور حوله الآخرون ؛ بوعي أو دون وعي كالقطيع أو تصل قرارته إلى درجة التوثين؛ فلا يصح أن تراجع أوامره لهذا كان موقف الرسول الكريم من ذلك الذي قابله فارتعش خوفاً، وارتعد هلعاً؛ فرده إلى وعيه فقال له: «هون عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد»(۱۱).

الهوامش

(۱) رواه مسلم. 

(۲) مسند الإمام أحمد. 

(۳) سنن الترمذي. 

(٤) صحيح ابن حبان. 

(٥) رواه البخاري. 

(٦) مسند البزار 

(۷) سنن ابن ماجه. 

(۸) صحيح البخاري. 

(۹) صحيح مسلم. 

(۱۰) صحيح البخاري. 

(۱۱) سنن ابن ماجه. 

الرابط المختصر :