; تنمية عدد السكان.. ضرورة شرعية وتنموية | مجلة المجتمع

العنوان تنمية عدد السكان.. ضرورة شرعية وتنموية

الكاتب حامد محمد إدريس

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008

مشاهدات 45

نشر في العدد 1805

نشر في الصفحة 54

السبت 07-يونيو-2008


·        تنمية عدد المواطنين تبدأ من إقبال الشباب على الزواج

·        الوطن الذي تتعاون فيه الأيدي الكثيرة يزداد رقيًا مع الأيام

·        اليهود أدركوا فائدة الكثرة العددية.. ونحن نواجه زيادة المواليد بأدوية منع الحمل!

جدير بالدول الإسلامية أن تكون كتلة واحدة تستغني عن الذين يتحكمون بجوها وأرضها وبحرها وقرارها السياسي، كما أن من مصلحتها أن تصبح بتكتلها أمة كثيرة العدد مهابة الجانب قوية الشوكة.

قلة ضعيفة: البلد الصغير المساحة قليل عدد السكان مع الوفرة المادية، في حاجة إلى من يمسكون بزمام أموره بداية من الخبراء والفنيين والقادة، ونهاية بوظائف الخدمة المدنية، حتى لا يتحول البلد إلى ما يشبه المستعمرة يمثل المستخدمون فيها أكثرية ساحقة.

إن بلدًا مثل هذا بسبب قلة عدد سكانه مضطر للاستعانة بالأجنبي في كل أموره، ولا يمكن أن تعود إليه العافية إلا بالسعي إلى مزيد من المعالجات التي تؤدي إلى كثرة عدد السكان عبر الطرق المشروعة، كما أن البلد الذي يتآكل بفعل حروب أهلية وطائفية تغذى بتدبير من الأجنبي غير قادر على الحياة كذلك بسبب تناقص عدد سكانه يومًا بعد يوم بفعل الحرب وتوقف التنمية فيه.

فاعل التنمية السكانية

من بدهيات الأمور أن يكون الإنسان هو فاعل التنمية الحقيقية.

وبقدر كثرة الإمكانات الموفورة شرع الله لهذا الإنسان أن يتكاثر إلى درجة يصبح التكاثر الإيجابي في حقه خلقاً إيجابياً تبنى عليه أخلاق أخرى إنمائية للوطن ولهذا كانت تنمية الإنسان أهم عامل لتنمية الوطن.

ولهذا شرع أن يكون من خلق الإنسان العمل على تنمية الأمة من حيث العدد والعمل على تنميتها من حيث الفكر والأخلاق، وإذا كان السبيل إلى تنمية الفكر هو التعليم والتربية فإن السبيل إلى تنمية النوع هو الزواج الشرعي.

من ناحية أخرى كانت دولة الإسلام الأولى قد تكاثرت بالفتوحات التي توسعت إليها عبر الجهاد فقد تكتل مع الفاتحين مواطنو كل المواقع المفتوحة حتى كونوا أمة كثيرة العدد استوعبت كل الألوان، وكل اللغات وكل العادات وكل البيئات.

الزواج ودوره في زيادة السكان

بناء على ذلك فإن تنمية المواطنين عدداً تبدأ من إقبال شباب الأمة على الزواج الشرعي امتثالاً لقوله : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (البخاري ومسلم).

فلئن كان من مقاصد هذا الزواج الواضحة:

1-     تحصين الشباب.

2-     درء مخاطر الزني.

3-    القضاء على ظاهرة العنوسة.

4-    الإبقاء على العمل الصالح.

فإن الوالد الذي يترك ولدًا صالحًا قد نجح في بقاء عقبه الصالح حاملًا راية الخلافة، ومهمة عمارة الوطن.

هدف شرعي

فإن كان ما سبق ذكره من مقاصد الزواج الشرعي فإنه من غير المنكور أن يكون من مقاصد الزواج الشرعي كذلك تنمية سكان الوطن من حيث العدد؛ وذلك لأن كثرة عدد السكان هدف تسعى الشريعة إلى تحقيقه عبر خلق المواطن، فقد حض الشرع على تكثير سواد الأمة، وقد عيب على الإنسان الذي يتجرد من هذا الخلق المساهم في التنمية البشرية، ولهذا عد الإسلام من المكاسب العظيمة كثرة عدد الأمة، كما تدل عليه نصوص الشرع: «لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (متفق عليه).

«تزوجوا الودود الولود: فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة» (رواه ابن حبان وصححه).

التباهي بكثرة عدد السكان: وإن هذه الكثرة لها مقصدان أخروي وهو التباهي بهم يوم القيامة، ودنيوي وهو التنمية، فغير خاف رجحان ما يحققه عدد كبير في زراعة بستان مثلًا على ما يحققه عدد قليل؛ فإن الوطن الذي يقطنه مليون شخص ويعملون لبنائه وتعميره أفضل من الوطن الذي يقطنه ألف شخص فقط، وإن الوطن الذي يصدر الأيدي العاملة الزائدة عن حاجته إلى الدول الأخرى أفضل تنموياً من الوطن الذي يستورد الأيدي العاملة إلى درجة تطغي فيها على السكان الأصليين. حيث تفرض عاداتها وتقاليدها ولغتها وربما دينها، وعلى سبيل المثال إذا قام العمال الأجانب بإضراب عن العمل في بلد هم السواد الأعظم فيه، فماذا يبقى للمواطنين من حيلة وهم مأسورون بأيدي الأجانب في طعامهم وشرابهم وخيرات بلادهم؟

كثرة عاملة

إن كثرة عدد السكان هدف نبيل يلزم أن تسعى إليه الدول الإسلامية دون خوف من ضائقة اقتصادية، ولا انفجار سكاني لأن كل مولود يولد برزقه، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فالواجب على المسلمين السعي في كثرة عددهم من أجل تنمية أوطانهم وذلك لأن الوطن الذي تتعاون فيه الأيدي الكثيرة يزداد رقيًا وتقدمًا يومًا بعد يوم، إن كثرتهم مظنة تفاوت مهاراتهم وتنوع مواهبهم وتباين درجاتهم العلمية والاجتماعية بخلاف قلة السكان فإن كانوا أغنياء أصبحوا قبيلة مترفة لا تقوى على خدمة نفسها وحماية وطنها، وإن كانوا فقراء عجزوا عن استثمار ما بأرضهم من خيرات، وربما أتى إليهم عدو من غيرهم، فأبقاهم أبد الدهر على الفقر.

ردع العدوان

وكلما زاد عدد السكان كان قادرًا على ردع العدوان الخارجي وعلى حماية مكاسبه من تاريخ وحضارة وتقاليد وثروات بخلاف الوطن قليل السكان فإنه معرض لكل الأخطار من الأقوياء الطامعين ولهذا يتوجب على الأمة أن تسعى إلى تكثير عدد سكانها بهدف استثمار خيرات وطنها، وبهدف أن تكون قوية قادرة للدفاع عن نفسها وحماية مصالحها، وإن هذه الكثرة تأتي عبر تسهيل أمر الزواج الشرعي والتشجيع عليه.

من عوامل حماية عدد السكان

لم يكتف الإسلام بالحض على الزواج وإنما اتخذ عددًا من الاحتياطات التي تحمي المواطنين من التآكل والتناقص الذي يضعفهم عددًا يظهر ذلك في أكثر من إجراء اتخذه هذا الدين فقد فرض على السكان أن يكونوا أمة واحدة يلتقي سوادها على الإيمان، وعلى فريضة التعاون على المعروف والتناهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، وعلى واجب الدفاع عن المكاسب كما حرم اللجوء إلى التقاتل لحل خلافاتها فجعل القاتل والمقتول في درجة واحدة من الجريمة، ولحماية عدد السكان من التناقص بسبب الأمراض الفتاكة فرض أن يتحلى المواطنون بالأخلاق الحميدة وأن يقوموا بحمايتها بالعفة.

وكان ضمن عوامل الحفاظ على عدد السكان أن كتب على الأمة فريضة الجهاد في سبيل الله لترد العدوان الخارجي عن نفسها وعن وطنها وأعراضها، وإن حصل وباء مفاجئ فرض الإسلام الحجر الصحي على المصابين وذلك لتقليل الأضرار على السكان.

مسألة الغثاء

أخبر الرسول أن الأمة يصيبها الوهن في آخر أمرها؛ بسبب حب الدنيا وكراهية الموت وتجرؤ أعدائها عليها على الرغم من أنها كثيرة في عددها وغنية بمواردها؟

وهذا حق لكنه لا يتنافى مع الحقيقة التي نتحدث عنها في أن كثرة عدد السكان جزء من مقاصد الشريعة وأن هذه الكثرة عامل فاعل من عوامل التنمية الوطنية وحديث الغثاء لا يسقط هذه الحقيقة وإنما يضيف عليها أهم صفاتها الفاعلة لتؤدي دورها الإيجابي وهي كونها -مع كثرة عددها- تتمتع بالشجاعة والعمل الجهادي وتؤثر الآخرة على الدنيا، كما كان عليه رسول الله وأصحابه وسلف هذه الأمة.

صورتان

اليهود أدركوا فائدة الكثرة العددية ففتحوا الباب إلى كل من يدعي أنه يرتبط بهم نسباً وديناً، كما أن أوروبا أدركت فائدة الكثرة العددية فأخذت تفتح بابها لضم دول جديدة إليها، والغرب عامة أدرك فائدة الكثرة العددية فأخذ يستورد شعوبًا من دول وقارات أخرى.

هذه صورة تقابلها صورة أخرى، وهي ما عليه المسلمون في الوقت الحاضر فنحن نجتهد في كبح جماح المواليد عندنا بأدوية منع الحمل مرة، وبإشاعة ثقافة الحد من الذرية مرة، وبقوانين تحديد النسل مرة ثالثة، وبعزوف الشباب عن الزواج الشرعي استغناء بورود مواطن الحرام مرات كثيرة!

الخلاصة

إن كثرة عدد السكان ميزة إيجابية يلزم الدول الإسلامية أن تسعى إليها، وهذه الكثرة تأتي بطريقين: أحدهما مشروع الزواج الشرعي، والآخر إيقاف الخصومات والحروب البينية وقطع التحالفات الخارجية المريبة ضد البعض، وكسر الحدود الاستعمارية لإنشاء مشروع التكتلات الجمعية الإيجابية التي تنضم فيها الدول إلى بعضها انضماماً حقيقياً اختيارياً حتى تحقق الكثرة الإيجابية المطلوبة، وعند ذلك يمكن أن تصل إلى درجة تحقق فيها التنمية السكانية، وتدافع فيها عن مكاسبها، وتحمي مقدراتها، وهذه الكثرة ثمرة لا تتأتى إلا بخلق يتحلى به المواطن يدفعه للمساهمة الفردية لتكثير سواد الأمة بالزواج الشرعي، ويتحلى به الموسرون والجمعيات الخيرية لدعم مشروع الزواج الحلال لإغلاق كل منافذ البدائل الفاسدة.


([1]) دكتوراه في السياسة الشرعية – إريتريا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل