; تهافت التفكير العلماني في نقده للخطاب الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان تهافت التفكير العلماني في نقده للخطاب الإسلامي

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994

مشاهدات 67

نشر في العدد 1105

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 28-يونيو-1994

كان من الواجب قبل الحديث عن «تهافت التفكير العلماني» أن نتحدث عن «مقاصد» هذا التفكير، وذلك جريًا على سُنة الإمام أبي حامد الغزالي في نقده لفلاسفة عصره، إذ بدأ برصد مراميهم وأحاط بها في كتابه المسمى «مقاصد الفلاسفة» ثم شفعه بكتابه الشهير «تهافت الفلاسفة».

ولكن مقاصد التفكير العلماني في بلادنا بالذات أضحت من الجلاء والذيوع بما لا خفاء معه، وخاصة فيما يتعلق بمقاصده من نقد الخطاب الإسلامي، ومن ثم فقد أثرنا الحديث مباشرة عن «التهافت». ومعناه «التساقط» كما في لسان العرب - بعد أن وضحت المقاصد.

أهم سمات التفكير العلماني:

ونود قبل الدخول في تفاصيل «التهافت العلماني» أن نؤكد على أمرين:

أولهما: أن الخطاب الإسلامي ليس معصومًا من الخطأ، وأن من حق كل صاحب فكر، بل ومن واجبه أيضًا أن يمارس النقد المنهجي العلمي في هذا الخطاب، ومن حقنا أن ننقد النقد، وهكذا حتى تندفع عجلة الفكر المتجدد إلى الأمام.

وثانيهما: أنه بالرغم من ادعاءات العلمانيين في بلادنا من أنهم يدافعون عن العقل، وحرية الرأي، والنقد والإبداع، وأنهم يؤمنون بتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة إلا أن ممارساتهم الفعلية كثيرًا ما تتناقض مع هذه الادعاءات، ونجدهم يمارسون خطابًا إقصائيًا لا يتسع لرأى يخالفه، ووصائيًا لا يرى للحقيقة بابًا غير بابه، وسلطويًا على كل من عداه، فكل من عداه قاصر، وليس من حقه أن يفكر مستقلًا، وتلك هي أهم السمات العامة للتفكير العلماني في علاقته بالخطاب الإسلامي.

العلمانيون يمارسون خطابًا إقصائيًا لا يتسع للرأي المخالف ووصائيًا لا يرى للحقيقة بابًا غير بابهم وسلطويًا يفرض نفسه على من عداه قهرًا!!

مُسَلِّمات التفكير العلماني سبب تهافته وأزمته:

وفي رأينا أن لهذا التفكير العلماني مُسَلّمتين ينطلق منهما -وإن كان يضمرهما ولا يعلنهما- وهو ينتقد الخطاب الإسلامي، وهما:

1- عالمية الحضارة الغربية، وما تقدمه من علوم إنسانية واجتماعية وطبيعية، وحتمية التواصل معها، والنقل عنها دون قيد أو شرط.

2- إن من شروط التقدم: القطيعة مع تراث أمتنا، والتنكر له جملة وتفصيلًا حتى يمكن اللحاق بركب الغرب.

وبسبب هاتين المسلّمتين يتهافت التفكير العلماني -كما سنرى- وفي الوقت نفسه يكتسب سماته التي سبقت الإشارة إليها، ويتجلى هذا التهافت في ثلاث مشاكل نمطية، تمثل كل منها أزمة حقيقية، نجدها شائعة في كتابات العلمانيين في بلدنا على اختلاف تخصصاتهم، وبمختلف فصائلهم، وهذه المشاكل -الأزمات- هي:

أولًا: مشكلة المصطلحات.

ثانيًا: المنهج.

ثالثًا: أزمة الوعي واغتراب الرؤية.

ولكن كيف يتجلى التهافت من خلال هذه المشاكل؟ وكيف يتعامل معها التفكير العلماني؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تستلزم القيام بدراسة موسعة لنماذج متعددة من الخطاب العلماني، وخاصة في جدله مع الخطاب الإسلامي، ولكننا سوف نكتفي بنموذج نقي من هذه النماذج، وهو الذي يعبر عنه الأستاذ: السيد ياسين، مدير مركز الدراسات السياسية بالأهرام، إذ يغرينا نقاؤه العلماني بنقده، كما تغرينا سماحته بمصارحته بهذا النقد.

أولًا: مشكلة المصطلحات «الدين - السياسة»:

إن قائمة المصطلحات التي نود مناقشتها مع أستاذنا السيد ياسين -ومع غيره من العلمانيين- طويلة جدًا، وهي تبدأ من المصطلحات المركزية الكبرى مثل «الدين» و«السياسة» و«الديمقراطية» و«العلمانية»، وتصل إلى المصطلحات الفرعية الخاصة بفئة أو جماعة أو موقف مثل «التطرف» و«العنف» و«التيار المعتدل» وحسبنا هنا أن نتناول مصطلحين مركزيين هما: «الدين» و«السياسة» لا لأنهما يغنيان عن مناقشة بقية المصطلحات، ولكن لأنهما يكمنان خلف الكثير منها، ولأن مدلول كل منهما يؤثر فيما سواه، وفقًا للمرجعية العُليا التي تنتمى إليها هذه المصطلحات وتنتظم فيها. 

وإذا كان «المصطلح» حسب تعريف علمائنا له هو «اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى» «التعريفات للجرجاني» إذن فهو «دال» على «مدلول» وقد يختلف الدال أو المدلول، أو هما معًا باختلاف المدارس داخل العلم الواحد. أو باختلاف البيئة الاجتماعية وما يلحقها من تطور عبر الزمن.

وينصرف اهتمامنا هنا لا إلى الدال، بل إلى «المدلول» وما يلحقها من تطور عبر الزمن.

تأثر العلمانيين في موقفهم من الدين بالغربيين:

فمن قراءتنا لكتاباته، وحوارنا المستمر معه کأستاذ لنا، نستطيع القول إنه يستعد مفهومه لكل من «الدين» و «السياسة» مما قدمته المدارس الغربية في علمي الاجتماع والسياسة، ومن المدرسة الفرنسية بصفة خاصة، وأصحاب هذه المدارس منهم من يرى أن الدين -أي دين- عبارة عن واقعة اجتماعية، تنشأ عنها مجموعة من الاعتقادات والأعمال المتعلقة بالأشياء المقدسة «أي المعزولة المحرمة»، ومن ثم فإنهم لم يعتبروا من القدسية الدينية سوى جانبها السلبي، وهو تحريمها لبعض الأشياء، والتحذير من مباشرتها حسب ما ذهب إليه -مثلًا- دوركايم، وريناك وغيرهما من علماء الاجتماع، وهم في ذلك متأثرون بدراستهم لحياة المجتمعات البدائية، بتاريخ أوريا في عصورها الوسطى، وقصة الدين المسيحي مع الكنيسة، وقصتهما سويًا على السياسة والعلم والتقدم الاجتماعي والاقتصادي، تلك القصص التي خلصوا منها إلى اعتبار أن الدين قوة معطلة للحياة، وأنه يجب أن يظل شأنًا خاصًا بين العبد وربه، وذلك في أحسن الحالات، وإلا فلا حاجة إليه أبدًا. 

أما «السياسة» فهي أمر دنیوی بحت، يدور معناها حول السُلطة وما يرتبط بها من الاستخدام الإكرامي للقوة، والصراع حولها، والتخصيص السلطوي للقيم، ومحاولة التأثير في الآخرين والسيطرة عليهم، وكيفية الوصول إلى الحلول الوسط إن تعذرت السيطرة الكاملة، فهي -كما يقولون- فن الممكن، وما لا يمكن لا يمكن.

وإذا كان هذا الفهم العلماني للدين والسياسة صحيحًا في سياقه الذي ظهر فيه. ومناسبًا لبيئته التي نبت منها وهي مجتمعات أوروبا، فما لنا نحن وهذا الفهم الذي صار من البدهيات المستبدة بأذهان العلمانيين في بلادنا؟ ولماذا يحاول فريق منهم أن ينظر إلى الإسلام كدين، وإلى السياسة كعلم وحركة من خلال هذا المفهوم وفي ضوء تلك المرجعية؟

مفهوم الدين والسياسة في المرجعية الإسلامية:

إن مفهوم «الدين» في ضوء مرجعيتنا الإسلامية هو -كما عرفه العلماء- «وضع إلهي، سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل»، أو هي كما لخصه الشيخ دراز: «وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات»، أما السياسة فمفهومها الإسلامي مرتبط أيضًا بالصلاح والإصلاح، ومن ذلك تعريف الإمام الغزالي لها بأنها: «هي استطلاح الخلق لإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجِّي في الدنيا والآخرة». 

إننا نختلف مع الأستاذ ياسين اختلافا جذريًا في أن يسحب المدلول الغربي للدين والسياسة على «الإسلام» و «سياسته» ويزيح مدلولهما الذي تقدمه المرجعية الإسلامية، ونرى أن هذا شيء وذاك شيء أخر، وأن النظر إلى الإسلام وفهم دوره في المجتمع، وفي علاقته بالدولة لا بد أن يكون محكومًا بجوهر الإسلام ذاته، وخصائصه هو، وليس بمفهوم آخر للدين مستورد من بيئة أخرى، ومن سياق اجتماعي وحضاري آخر.

ونعتقد أن هذا الأصل المعرفي الذي أشرنا إليه بإيجاز لكل من «الدين» و«السياسة» هو الذي يفسر لنا لماذا يستخدم العلمانيون في بلدنا تعبير «الإسلام السياسي» ولا يرون فيه إلا معان سلبية -وهو مصطلح رجراج لا نقره، لأنه وليد التفكير العلماني في وصف وتحليل الإحياء الإسلامي- كما أنهم لا ينظرون إلى التيار المعبر عنه اجتماعيا وسياسيًا وثقافيًا إلا على أنه قوة معطلة، ورافضة للتقدم، وهنا يظهر أثر الخلفية العلمانية لمفهومي الدين والسياسة على منهج النظر في واقعنا وتقويمه، وقِس على ذلك بقية المصطلحات التي يستخدمونها - ويستخدمها الأستاذ السيد ياسين مثل «الاعتدال» و«التطرف» و«العنف»، فهو لا يرى عنفًا إلا ما ينسب إلى التيار الإسلامي -بالحق أو بالباطل- أما عنف الدولة والإرهاب الفكري العلماني فلا يراه، وربما رآه حقًا مشروعًا للسُلطة السياسية -وأنصارها- باعتبارها صاحبة الحق في الاستخدام الإكراهي للقوة، والاعتدال» لديه هو ما كان أقرب إليه هو، وإلى نمط تفكيره وليس ما كان أقرب لوسطية الإسلام وسماحته، وهو عندما يستخدم مصطلح «التطرف» فإنما ليشير به إلى الرافضين الموضع القائم أو لبعض جوانبه، والذين يرون الإسلام نظامًا شاملًا للحياة دون أن يقيس هذا «التطرف» بضده وهو «التفريط» والانحلال على الجانب الآخر -فهذه حرية- بل ودون أن يلتزم بالبديل المنطقي للتطرف وهو «الوسطية» أو أن يميز من يتخذونها منهجًا لهم عن غيرهم، ناهيك عن أن يدعو هو إلى هذه الوسطية بوعي وصدق وعزم، وبدلًا من ذلك يصبح الكل في نظره سواء، لا فرق بين معتدل ومتطرف وإرهابي، «راجع مقاله بالأهرام 1994/4/10م».

ذلك هو التهافت الأول الذي يصيب التفكير العلماني وهو ينتقد التيار الإسلامي -الذي نكرر أنه يستحق النقد- في خطابه وممارسته، إنه «تهافت المصطلح».

التفكير العلماني ينطلق من مُسَلّمين هما سر أزمته وتهافته وهما:

أ- عالمية الحضارة الغربية وحتمية النقل عنها.

ب- والقطعية مع تراث أمتنا والتنكر له.

ثانيا: مشكلة المنهج:

تتجلى مشكلة المنهج في الخطاب العلماني بأوضح ما يكون عندما يتناول شأنًا من شئون الاتجاه الإسلامي، فكريًا كان هذا الشأن أو حركيًا، أو تنظيميًا، تكتيكيًا أو استراتيجيا.

والحق أن كتابات بعض العلمانيين في بلدنا تتميز بالرصانة، وتلتزم بما تعليه صرامة البحث العلمي، وهي تقلد أو تنقل أو تعيد إنتاج أفكار ونظريات علماء الاجتماع والسياسة في الغرب، بما في ذلك ما يتعلق منها بأوضاع مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولكن ما إن يأتي الحديث عن الاتجاه الإسلامي، إلا وتتعطل لديهم كل أدوات المنهج العلمي عن العمل، وتنحل كل ضوابطه، ولا يبقى للصرامة أو الرصانة من أثر، ويتم استبدال كل ذلك بأمور أخرى، لا تَمُت للمنهج العلمي الموضوعي بصِلة، ومن كتابات الأستاذ السيد ياسين -كحالة دالة على نمط التفكير العلماني في الشأن الإسلامي- نكتشف أبعاد هذه المشكلة المنهجية في الآليات التالية:

استخدام الخطاب الأيديولوجي الذي لا يهتم بالوقائع والمعلومات الموثقة

1- استخدام الخطاب الأيديولوجي المنولوجي بدلًا من التحليل العلمي، ومثل هذا الخطاب لا يحفل بالوقائع والمعلومات الموثقة، ولا ينسب قولًا إلى قائله، ولا فعلًا إلى من فعله، إلا فيما شذ وندر، ويكتفى بمناقشة خياله، ومن ثم فهو لا يخرج عن أفكاره المسبقة، والصور النمطية القائمة في ذهنه، ويظل مغلقًا على نفسه، وكمثال على ذلك نجد كاتبنا وهو يتكلم عن عناصر المشروع الإسلامي لدى «تيار الإسلام السياسي ممن يرتدون عباءة الاعتدال» على حد تعبيره، دون أن يذكر من هم على وجه التحديد في مصر مثلًا، متعمدًا الغموض- يقول «الأهرام 94/4/10» إذا كان النموذج السوداني هو الصورة المثلى لتطبيق الإسلام، فمعنى ذلك بكل وضوح أن هذا هو المشروع الإسلامي، قضاء على التعددية السياسية، وقضاء مبرم على حرية التفكير والتعبير واختفاء مبدأ سيادة القانون، ورفض آلية الانتخابات كأساس لتداول الأحزاب السلطة، وافتعال المعارك مع العالم، وتصدير الإرهاب إلى الدول العربية المجاورة» ونحن نسأل بدورنا: من ذا الذي قال أو كتب إن النموذج السوداني هو الصورة المثلى لتطبيق الإسلام؟ ولو صح أن فردًا هنا أو هناك قال وكتب مثل هذا الكلام أيكون ذلك دليلًا علميًا كافيًا لاستنباط «عناصر النشاط الإسلامي» لدى التيار المعتدل في مصر على هذا النحو الذي فعلته یا أستاذنا؟

إنه لا يجيب، بل يسأل سؤالًا استنكاريا آخر، وهو يحاور نفسه قائلًا: «إذا لم تكن هذه هي العناصر الحقيقية «كذا» للمشروع الإسلامي الذي يدعو إليه أصحاب تيار الإسلام السياسي فما هي عناصر مشروعهم؟ أليسوا هم الذين يشنون حملة إرهابية ضد العلمانية وأنصارها على أساس أنها تدعو للفصل بين الدين والدولة؟ «مقاله المشار إليه»، ويواصل تساؤلاته «أليسوا هم».. «أليسوا هم» دون أن يحدد لنا من «هم» وكأنهم معروفون بالبداهة، وصورهم مطبوعة في الأذهان من كثرة ظهورهم على شاشة التلفزيون، وكأن الناس يطالعون أفكارهم منشورة في الصحف والمجلات.

والحقيقة أن مثل هذا الخطاب المرسل سهل میسور لمن أراد أن يتحلل من مستلزمات التحليل العلمي، ويكتفي بالسجال الأيديولوجي المنولوجي.

انتقاء أمثلة شاذة لاستخلاص أحكام عامة منها:

2- استخلاص أحكام عامة وقطعية من حالات شاذة وإستثنائية، وكثيرًا ما يستخدم العلمانيون هذا التكتيك في نقدهم، فينتقون الأمثلة الشاذة، والمواقف الخاصة الظرفية من هوامش الإتجاه الإسلامي، أو حتى من المحسوبين عليه، ليصلوا من تلك الأمثلة والمواقف إلى تعميمات يطلقونها على مجمل الاتجاه الإسلامي بلا تمييز، وكأن هذا الاتجاه عبارة عن كتلة واحدة مصمتة يمكن اختزالها في موقف فرد أو فئة قليلة، أو حالة استثنائية، والأمثلة على هذا التكتيك أكثر من أن تحصى «راجع مثلًا مقال السيد ياسين بالأهرام 28/3/ ١٩٩٤م».

وإذا كان هذا التكتيك العلماني البارع يتسق مع الخطاب الأيديولوجي المنولوجي ويشبع رغبته في الوصول السريع إلى تعميمات كاسحة، إلا أن هذه التعميمات تظل كسيحة طالما أنها جاءت وليدة أسلوب مجاف لقواعد الاستدلال المنهجي المستقرة، فلا هو يقوم على «الاستقراء» عبر النظر في تفاصيل الوقائع السوسيولوجية ذات الصلة بقضيته ولا هو يقوم على «الاستنباط» بآلية منطقية سليمة تربط النتائج بالمقدمات عبر شبكة من الأدلة والحجج والبراهين المعتبرة، ويصبح هذا الأسلوب «التكتيك» مجرد موقف قسري إكراهي، يتوخى ترهيب القارئ واستلابه، وليس مساعدته على الوصول إلى اليقين الموضوعي.

الخلط المتعمد بين التفسير والتبرير:

3- الخلط بين التفسير والتبرير، فلا يقبل أصحاب الخطاب العلماني مثلًا إمكانية تفسير تطرف بعض الشباب الإسلامي في ضوء التطرف العلماني وممارساته في الاتجاه المضاد، إلى جانب العوامل الأخرى بالطبع، لا يقبل العلمانيون ذلك، بل ويصف الأستاذ ياسين -على سبيل المثال في مقال بالأهرام 28/3/ ١٩٩٤م - هذه الفكرة بأنها «مزاعم لا تقوم على أساس تاريخي» وفي نظره أيضًا أن «التأكيد على أن الجماعات الإرهابية تمثل استثناء في تيار الإسلام السياسي» كمدخل لتفسير علمي دقيق لأعمال العنف، هذا التأكيد -في نظره- ليس إلا «حيلة» من حيل التيار المعتدل «لتبرير» هذا العنف «والدفاع المراوغ عن الإرهاب» على حد قوله.

إن هذا الخلط المتعمد بين «التفسير» و«التبرير» خطأ منهجي آخر يعاني منه التفكير العلماني، والإصرار عليه معناه الوقوف عند مستوى الخطاب الأيديولوجي الذي تنتمي إليه آلية التبرير في النظر إلى الأمور، ومعناه أيضًا الحكم على نوايا أصحاب الخطاب الإسلامي. ومصادرة حقهم في ممارسة «التفسير»، طالما أن أطروحاتهم -في نظر العلمانيين- ليست إلا تبريرات، ولئن صدق هذا على بعض تلك الأطروحات فإنه لا يصدق عليها جميعًا، ولا يصدق بالذات على فكرة تفسير «التطرف» في اتجاه ما في ضوء «التطرف» في اتجاه مضاد: فهذه فكرة تنتمي إلى آلية «التفسير» أو الفهم. وهو جزء لا يتجزأ من المنهج العلمي الموضوعي الذي يسعى لاكتشاف العلاقة بين السبب والنتيجة أو العلة والمعلول.

إقصاء المبدأ بحجة فساد الممارسة:

4- ممارسة النقد من طرف واحد، وهذه سمة مشتركة بين الخطابين الإسلامي والعلماني، فكل منهما ينتقد الآخر كثيرًا، ولا ينتقد ذاته إلا قليلًا، ولكن الخطاب العلماني في مصر يبالغ في النقد من طرف واحد، إذ يظل أسير الأمثلة المنتقاة، والحالات الخاصة بالرغم من وجود أمثلة أخرى كثيرة، وحالات متعددة تخضع لنفس المعيار النقدي الذي يستخدمه، وعلى سبيل المثال فإن العلمانيين ينتقدون إحدى الحكومات أو بعض الفئات لأنها تنتهك حقوق الإنسان، ويسكنون تمامًا عن حكومات أو فئات أخرى تقوم بنفس الفعل المدان وهو «انتهاك حقوق الإنسان».

والأهم من ذلك أنهم يتوسلون ينقد بعض ظواهر الغلو ليصلوا إلى إقصاء المرجعية الإسلامية ذاتها، والتشكيك في إمكانية قيام دولة إسلامية عصرية، ويحكمون بعدم صلاحية المبدأ بحجة فساد الممارسة وخطأ التطبيق الذي يتم تحت الشعار الإسلامي، هذا في الوقت الذي لا يقربون فيه المرجعية الغربية أو الممارسات العلمانية المنحرفة بنقد يذكر، وقد يكون لدى البعض منهم نية النقد في هذا الاتجاه وراجع مثلًا: «السيد ياسين: التغيرات العالمية وحوار الحضارات، كراسة الأهرام الاستراتيجية رقم ١٤ مارس ۹۳» ولكنه لم يحدث أبدًا، ومؤجل باستمرار حتى إن المرء من طول انتظار هذا النقد الموعود صار ينشد مع الشاعر: 

يا ليلُ: «النقد» متى غده *** أقيام الساعة موعده؟

«مع الاعتذار للشاعر الذي ساءل الليل عن «الصبُ» وليس «النقد» والمغزى الحقيقي لعلة النقد من طرف واحد هو شطب الاختيار الحُر للآخر الإسلامي، والتفرد -عمليًا- بامتلاك الحقيقة المطلقة الثابتة في الزمان والمكان، وهذه أمور لا يؤدى إليها منهج علمي سليم.

الموقف العلماني من الدين والسياسة يستمد مفهومه من الغرب ومن نظرته إلى الدين في عصر الصراع بين الكنيسة والعلم.

ثالثًا: أزمة الوعي، واغتراب الرؤية:

لماذا يرتكب التفكير العلماني في الشأن الإسلامي تلك الأخطاء؟ وما الذي يجعله يتهافت ويعجز عن حل مشكلة المصطلح، ومشكلة المنهج بأبعادها سالفة الذكر؟

ليس ثمة سبب واحد نجيب به على هذا التساؤل، بل هناك ما يمكن تسميته «مجمع السببية» ويكمن هذا «المجمع» في النموذج المعرفي العلماني الذي يصوغ العلمانيون في بلدنا رؤيتهم على أساسه، ويرون العالم من حولهم في ضوئه -بما في ذلك مجتمعنا ومشاكله في ماضيه، وحاضره ومستقبله- ورغم اطراد فشل هذا النموذج في النظر إلى مشاكل مجتمعنا والنهوض به على مدى قرنين من التنوير المزعوم، إلا أن نمط تفكير العلمانيين في بلدنا لم يتبدل، ولم يدفعهم هذا الفشل إلى إعادة النظر فيه حتى الآن - باستثناء بعض كبار المؤمنين به، والداعين إليه، والذين تحولوا إلى الإسلام في العهد الليبرالي، وفي العقدين الأخيرين.

لا زالت المسيرة النظرية العلمانيين في بلادنا تبدأ من أوروبا أو «الغرب» عامة، كمصدر إلهام. بدءًا بالمصطلحات ومضامينها المشتقة من بيئة غير بيئتنا وتاريخ غير تاريخنا، وصولًا إلى تقديم الحلول واقتراح البدائل لمواجهة المشاكل والمُحصِّلة في تكرار الفشل في كل مرة. 

وفي نظرنا أن هذا السقوط -أو التهافت- المتوالي للتفكير العلماني يشير بوضوح إلى أزمة في الوعي العلماني، وفي رؤية أصحابه.

أما أزمة الوعي فهي تتجلى في عدم إدراكهم لخصوصية الذات الحضارية لمجتمعنا وإهدارها -في كثير من الأحيان- لصالح الآخر الحضاري بدعوى العالمية تارة، والكونية تارة أخرى، وبالتالي عدم الاهتمام بمعرفة تفاصيل واقعنا الاجتماعي وما يموج به من أحداث وتطورات وما له من تراث وخلفيات وثيقة الصلة بما يحدث، فالنظر العلماني في بلدنا معلق دومًا بالخارج، يلهث خلفه، ويقتدي به، ولا يرى مشاكلنا إلا من خلال أفكاره، وعلى ضوء تجاربه هو لا تجاربنا نحن.. 

وأما «اغتراب الرؤية» فهي النتيجة الطبيعية -أو المقدمة الضرورية- لكل ما سبق وهي تتجلى في عزلة العلماني وانفصاله عن واقعنا الذي يخاطبه رغم ما قد تتمتع به رؤيته من سلامة نظرية مجردة.

وأخيرًا: فمن حق العلمانيين علينا، ومن واجبنا تجاههم أن نعترف لهم بدورهم الإيجابي في شحذ همتنا لنقدهم، ونقد أنفسنا من باب أولى، فنحن جميعًا مقصرون، ومهما بلغ الخلاف بيننا فليجمعنا «النقد» و«النقد الذاتي» ونحن عازمون عليه حتى نطهر -سويًا- تاريخنا الحديث برحيق القرآن الكريم. 

(●) باحث في العلوم السياسية – المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية – القاهرة.

الرابط المختصر :