العنوان تهويد القدس .. فعل إسرائيلي وبلاغة عربية!
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
مشاهدات 74
نشر في العدد 1371
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
ها قد بدأت معركة القدس مبكرًا، وهي معركة يدخلها العرب ومعهم السلطة الفلسطينية دون سلاح، فباستثناء البلاغة المعهودة والتمترس وراء ما يسمى بالشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر القدس محتلة، ليس هناك من فعل يتناسب مع جريمة تهويد القدس ومشاريع الاستيطان القائمة فيها على قدم وساق ومخططات هدم المسجد الأقصى لإقامة الهيكل المزعوم مكانه، ونجانب الموضوعية إذا زعمنا أن الذي وراء هذه المخططات مجرد جماعات يهودية متطرفة فقد انكشف الطابق كما يقولون وثبت أن الحكومة الإسرائيلية هي التي تقود حملة تهويد القدس، إضافة إلى حقيقة أنها هي التي تمول كل هذه الجماعات الإرهابية وأنشطتها.
إن ترويج المزاعم التي تقلل من المخططات الإسرائيلية لا يعدو كونه ذرًا للرماد في عيون المتفرجين العرب، فالحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو هي التي حفرت النفق السياحي تحت المسجد الأقصى مهددة أساساته بالانهيار والحكومات الإسرائيلية على اختلافها هي تعمل منذ أكثر من ثلاثين عامًا على تغيير معالم القدس العربية جغرافيًا وديموجرافيًا وسياسيًا بإقامة المستوطنات اليهودية فيها وحولها ويترسخونها عاصمة أبدية للدولة العبرية بعد ضمها عام ١٩٦٧، وفعل كل الطرق المفضوحة وغير المفضوحة لطرد المقدسيين العرب من بيوتهم ومصادرتها وإلغاء بطاقات إقامتهم في مدينتهم.
إضافة إلى النشاط الإسرائيلي المحموم داخل فلسطين المحتلة وخارجها لشراء أراضي الفلسطينيين في القدس المحتلة بأثمان خيالية.
دائرة الإرهاب الصهيوني تشدد يومًا بعد يوم خناقها على المدينة المقدسة، وها هي قد وصلت إلى المسجد الأقصى بعد أن دشن الإرهابي باراك في الأسبوع الماضي حفريات جديدة تحت أسوار المسجد الأقصى حيث يستميت الإسرائيليون لإثبات وجود أي أثر يهودي في المنطقة، كل ذلك يحدث على الرغم من أن علماء الآثار الإسرائيليين أنفسهم نفوا وجود أي أثر يهودي في القدس المحتلة بل ذهب أحد حاخاماتهم إلى تأكيد أن حائط البراق، الذي يسمونه حائط المبكى، ليس أثرًا يهوديًا بل هو حائط بنوه المسلمون بعد فتحهم للقدس.
المهندس رائف نجم، وزير الأوقاف الأردني الأسبق وعضو لجنة إعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، أوضح أن جميع الأراضي الواقعة داخل أسوار الحرم القدسي الشريف «مساحتها حوالي ١٤١ دونمًا» هي وقف إسلامي عام تابعة للمسجد الأقصى ولا يملك أحد منها شيئًا، أما الوقف الذي تبدأ حدوده من السور الغربي إلى الخارج فيعود للعائلة الموقوف عليها مثل بيت أبو السعود المهدد حاليًا بالاستيطان ويقع قرب باب فيصل.
ويقول المهندس نجم إن قطعة الأرض التي تسعى عناصر يهودية متطرفة لشرائها تابعة للمسجد الأقصى ومجاورة للمتحف الموجود داخل الأقصى، ويحاول اليهود الانطلاق من الأسفل إلى الأعلى للحصول على موطئ قدم داخل ساحة المسجد الأقصى ويحذر رائف نجم من أن اليهود يقومون الآن بسقف الحفريات بجانب الأقصى خلف الجدار الجنوبي للمسجد أمام الأبواب الحجرية المغلقة، الأمر الذي يهدد بكسر هذه الأبواب والدخول منها إلى الأقصى، ويشير إلى أن حراس المسجد الأقصى (بدون أسلحة!!) يقومون بحراسته ليل نهار لأنهم يتوقعون دخول اليهود من تلك الأبواب الحجرية بعد كسرها في أي لحظة.
وإذا كان حفر النفق السياحي الذي افتتحه نتنياهو قد أدى في عام ١٩٩٦ إلى اندلاع ثورة عارمة استشهد فيها حوالي ٦٠ فلسطينيًا قبل أن تتكرم السلطة الفلسطينية على المعتدين اليهود فتوقف كل أشكال الاحتجاج والمظاهرات ضدهم إلا أن أعمال الحفريات الإسرائيلية الجديدة التي تجري اليوم حول أسوار المسجد الأقصى وأسفله تحدث دون ضجيج ودون خشية من رد فعل فلسطيني عنيف حيث تكفلت سلطة عرفات باحتواء المشاعر الفلسطينية وضبطها وبالزج بأعضاء حماس والجهاد في المعتقلات.
أما الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م والتي اعتبرت القدس والأقصى قضيتها المركزية فتواجه هي الأخرى حملة قاسية من أجهزة الأمن الإسرائيلية تستهدف وجودها ونشاطها، وكان مهرجان الأقصى في خطره الذي نظمته الحركة الإسلامية في أم الفحم أواخر الشهر الماضي قد حضره أكثر من ٨٠ ألفًا إشارة إلى تنامي شعبية الحركة الإسلامية وإلى تبنيها القضية الدفاع عن القدس والأقصى، وإذا حققت الحرب المكشوفة على حماس والحركة الإسلامية في فلسطين ١٩٤٨م أهدافها، ستكون كل الطرق سالكة لإقامة ما يسمى بالهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى، والأمر لم يعد مجرد تخيلات أو مبالغات.
أما عن الموقف العربي فلا أكثر من التذكير بموقف جامعة الدول العربية التي رفضت مقاطعة شركة والت ديزني بعد أن سمحت للحكومة الإسرائيلية بتسويق القدس عاصمة لها في معرض ديزني المقام حاليًا في فلوريدا، كما أن المسؤولين العرب الذين برروا موقفهم باستجابة الشركة الأمريكية لندائهم بتغيير لافتة الجناح الإسرائيلي «القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، لم يتحركوا بعد أن رأوا كيف أن كل ما عرضته إسرائيل في جناحها كان ينطق بهذه الفرية.
وأعجب من ذلك ما صرح به رئيس الحكومة الأردنية من أن حكومته ستتخلى عن الإشراف عن الأماكن المقدسة في القدس المحتلة لصالح السلطة الفلسطينية، فهل هانت القدس إلى حد رميها في حضن مسؤولي سلطة أوسلو بعد أن خبر الجميع حقيقتهم وتفريطهم المستمر بحقوق شعبهم؟ وكيف ستدافع السلطة الفلسطينية عن عروبة القدس وتحميها في الوقت الذي تقف فيه عاجزة حتى عن إدخال مسؤول فيها إلى مناطق السلطة إلا بعد أخذ الموافقة الإسرائيلية؟
الأقصى والقدس في خطر حقيقي وشيك، هذا ما تؤكده الحقائق على الأرض الفلسطينية، ومن العبث اتهام الفلسطينيين بأنهم لا يفهمون السياسة إلا من خلال عنق زجاجة نبيذ رسم عليها صورة القدس والأقصى، فالقضية أعمق من الاستهزاء بمقدسات المسلمين وتتعدى ذلك إلى أسس وتهويد كل ما هو عربي وإسلامي في القدس بما في ذلك المسجد الأقصى الذي يعترف الإسرائيليون بإسلاميته ويرفضون تسميته العربية فيطلقون عليه جبل الهيكل.
لقد تكررت محاولات العصابات الإرهابية اليهودية اقتحام المسجد الأقصى وساحاته، وهي محاولات لا تجد من يتصدى لها سوى مدنيين عزل من أهل القدس المتحمسين للدفاع عن مدينتهم العربية، لكن مخططات أسرلة القدس وتهويدها بحاجة إلى جهود عربية وإسلامية شعبية وحكومية لوقفها قبل أن تصبح أمرًا واقعًا.