; تهويد القدس .. مأزق آخر للمفاوض العربي | مجلة المجتمع

العنوان تهويد القدس .. مأزق آخر للمفاوض العربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 22-ديسمبر-1991

مشاهدات 64

نشر في العدد 981

نشر في الصفحة 28

الأحد 22-ديسمبر-1991

الصراع من أجل الإبقاء على ورقة التوت التي باتت تستر الجسد العربي والفلسطيني الذي عرته التنازلات تلو التنازلات بدا واضحًا من خلال التصريحات الإعلامية المتبادلة بين الأطراف العربية المشاركة فيما يسمى بمؤتمر مدريد والعدو الصهيوني حول قضية القدس ففي حين أن المفاوض العربي لم يجد ما يعبر به عن وطنيته ووعيه سوى التمسك بعروبة القدس الأرض المباركة التي فيها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومع أن زعماء منظمة التحرير «م.ت.ف» لم يجدوا أيضًا ما يبررون فيه عدم تراجعهم عن الكفاح المسلح والتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني سوى الإصرار على الحق في مدينة القدس، نجد أن العدو الصهيوني أخذ بتنفيذ خطوات عملية لإثبات ضم القدس له كعاصمة أبدية، وفرض سياسة الأمر الواقع، لتتجمد الوفود العربية من برودة مفاوضات واشنطن، لزوال كل ما يستر الجسد العربي حتى ورقة التوت ولكن لا حياة لمن تنادي.

مصادرة الشريعة

من أولى الخطوات المهمة لنزع ورقة التوت عن أدعياء السلام، قامت الشرطة الصهيونية باقتحام مبنى المحكمة الشرعية في القدس في (19/11/1991م) واستولت من جراء ذلك على وثائق تاريخية وسجلات مخطوطات يعود تاريخها إلى (500) عام، وحول هذا الاقتحام يقول حسان طهبوب أحد كبار المسؤولين: «إن الغارة استهدفت مصادرة جميع المستندات التي تثبت ملكية العرب والمسلمين للقدس وفلسطين». وهذه خطوة جريئة من قبل العدو الصهيوني لطمس المعالم والحقائق المتعلقة بهذا الأمر، وقد شاهد العالم هذا الحدث على شاشات التلفزة، ولكن لم يحرك أحد ساكنًا ومرت هذه الجريمة كما مر غيرها طوال فترة الاحتلال الصهيوني لأرض الإسراء فلسطين.

اقتحام المنازل

وقبل بداية الجولة الثانية من المفاوضات بين العرب والكيان الصهيوني، أصدر مجلس وزراء العدو في (8/12/1991م) قرارًا يبيح للمستوطنين الصهاينة بالاستيطان في بلدة سلوان المجاورة لمدينة القدس والاستيلاء على المباني والبيوت العربية بحجة أن أهلها غير مقيمين فيها أو تغيبوا عنها لبعض الوقت، كما تضمن القرار توفير الحماية للمستوطنين الذين سيستقرون في المنازل العربية، وكان هذا القرار صفعة جديدة لكل من ينادي بالسلام طريقًا لتحرير الأرض، وقد استغل المستوطنون هذا القرار ليستولوا بالقوة على أكثر من (50) منزلًا في الحي الإسلامي من المدينة القديمة للقدس ويعتزمون -كما جاء في تقرير لرويتر في (16/12/1991م)- الاستيلاء على المنازل التي تقع على امتداد الأزقة المؤدية إلى حائط البراق بالمدينة القديمة وبالأحياء العربية المحيطة بأسوار المدينة ويلجأ المستوطنون إلى أساليب كثيرة للاستيلاء على المنازل منها استخدام العنف والاستعانة بالسلطات اليهودية وشراء المنازل ومباغتة السكان واقتحام المنازل لفرض واقع جديد، مما يضطر المواطن العربي لاستخدام القوة أو اللجوء للقضاء -الخصم والحكم في نفس الوقت- والخيار الثاني يستغرق وقتًا طويلًا يعد بالسنوات يكون المستوطنون خلاله قد استخرجوا ما يثبت ملكيتهم ظلمًا وزورًا للمنزل الذي أخذوه عنوة وخير مثال على ذلك قضية نزل القديس يوحنا الذي يملكه الروم الأرثوذكس بالمدينة القديمة، فقد أقام بطريرك الروم الأرثوذكس دعوى أمام المحكمة ضد استيلاء المستوطنين على المجمع في عام 1990م وحصل على أمر بالطرد لكن المستوطنين استأنفوا الحكم، وفي حين أن القضية لا تزال أمام المحاكمة فقد حصل المستوطنون على قرار بالسماح لهم بالبقاء في المنازل!

تهويد القدس

ولم تتوقف الهجمة الصهيونية على مدينة القدس عند السماح للمستوطنين باقتحام المنازل العربية فيها وفي المدن المجاورة لها فقط، بل تعداه إلى إقامة المشاريع الاستيطانية الصهيونية داخل المدينة المقدسة، وكأن شامير يعد العالم بأنه لا توجد أرض يمكن التفاوض عليها مستقبلًا بعد أن تعود القدس كلية، وقد كشفت صحيفة «هآرتس»: في (9/12/1991م) أن الحاخام الأشكمازي الأكبر إبراهام شبير صرح بأن رؤساء الحاخامية يخططون لنقل مقر المحكمة العليا من أماكنها الحالية في هيكل سلمان والحي اليهودي إلى مبنى جديد سيجري إقامته في ساحة حائط البراق، وذلك لأن هذا المكان أكثر أهمية وقدسية، وذكر أنه يعكف منذ أمد طويل على إعداد المخططات الخاصة بذلك.

وفي (14/12/1991م) ذكرت الصحيفة نفسها أن هناك مخططًا استيطانيًا جديدًا واسعًا يهدف إلى بناء مدينة داود في الأحياء الرئيسية في مدينة القدس وهي الواقعة ما بين حي سلوان وجبلي الثوري والمكبر، ونقلت صحيفة «صوت الكويت - 15/12/1991م» عن خليل التفكجي- الخبير الفلسطيني في شؤون الاستيطان- أن وزير إسكان العدو وضع خطة أطلق عليها اسم مشروع «26 بوابة حول القدس» وهي تهدف لعزل القدس عن بقية المناطق الفلسطينية، وقد شرعت حكومة العدو في بناء (4) آلاف وحدة استيطانية في (22) موقعًا حول مدينة القدس وخصوصًا في المواقع التي توجد فيها كثافة عربية مثل الشيخ جراح ووادي الجوز والبلدة القديمة وباب الساهرة.

الصوت المسموع

ومما لا شك فيه أن الصراخ من خلف الميكروفونات ومن على المنابر وفي الصحف والمجلات لا يصل إلى آذان «يهود» التي لا تسمع غير قوة السلاح لغة للتفاهم والحوار، وفي حادثتين منفصلتين استخدم فيهما أبطال الانتفاضة السلاح في وجه العدو، قامت الدنيا ولم تقعد وفرض العدو نظام حظر التجوال على مدينتي رام الله والبيرة قرابة الأسبوعين ثم خففه بشكل جزئي، كما التقى المستوطنون في «كريات أربع» للانتقام من أهالي مدينة بيت لحم بسبب تعرض إحدى دوريات الجيش بأسلحة آلية قام به أبطال الانتفاضة.. كما أغلق أمر من السلطات العسكرية (6) مدارس ابتدائية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة لأن أطفالها رشقوا دوريات العدو بالحجارة.

ولا أمل في عودة «يهود» عن غيهم وطغيانهم بغير القوة التي يتكلم بها أطفال الحجارة، ولن تجدي سعة الصدور وموائد المفاوضات لإقناع قوم يتسلحون بالقوة ويصرون عليها.. والأفضل للوفود العربية أن تعود إلى أوطانها وتبدأ العمل من جديد في الطريق الصحيح نحو الأقصى السليب.

الرابط المختصر :