; تهويد المسيحية! | مجلة المجتمع

العنوان تهويد المسيحية!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1972

مشاهدات 111

نشر في العدد 104

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 13-يونيو-1972

تهويد المسيحية!

كانت المجتمع قد ركزت وأبرزت الطابع الحضاري للغزو اليهودي للمنطقة، وتعرضت في أعداد سابقة إلى الخلفيات العقيدية، التي تكمن خلف التأييد غير المتحفظ أو المشروط، الذي يغدقه الغرب المسيحي على الكيان اليهودي الغاصب.. وفي هذا العدد نقدم ملخصًا للمقال الذي كتبه الأستاذ «أنيس فاخوري» في مجلة الحوادث، ولقد ناقش الكاتب المسيحي جوهر القضية، الذي حاول إعلام بعض الأنظمة العربية والإعلام الغربي والشيوعي، أن يطمسه ويغرقه في سيل من الشعارات المصطنعة.

لماذا تقف أمريكا والعالم الغربي كله وراء الكيان الإسرائيلي؟ لماذا يجد اليهود هذا الدعم وهذا التأييد المطلق الذي وصف بأنه «فاق كل حد معقول»؟ لماذا تختلف دول العالم الغربي في كل قضية، وكل موقف وتتفق جميعها في دعم الوجود اليهودي وتسليحه، والتضحية بكل مصالحها وعلاقاتها مع العرب من أجله، والسماح بدمار العالم كله، دون السماح بإلغاء الوجود غير الشرعي لهذه الدولة المصنوعة؟

العالم العربي عالم كبير وعالم غني، وعالم يحتل مكانًا استراتيجيًّا على الخريطة العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والحضارية.. وإسرائيل دون ذلك ولا شك.. فلماذا يحرص الغرب على استرضاء إسرائيل ويضحي برضاء العالم العربي والإسلامي؟

هل لأن إسرائيل دولة «يمينية»؟

هل لأن إسرائيل دولة رأسمالية أو «ديموقراطية»؟

فإسرائيل تعتبر «خصوصًا بالمقارنة مع بعض الدول العربية» دولة اشتراكية.

ما هو السر الغامض الذي يجعل من العالم الغربي عبدًا للإرادة اليهودية وأراجوزًا مستسلمًا لسياساتها وتطلعاتها؟

لقد حاول الذي ننشر مقاله اليوم، أن يبحث عن إجابة شافية لهذا التساؤل الملح، والذي يعالج مسألة تتعلق بالعامل الأقوى، الذي يؤثر في سير القضية ويحكم مصيرها، كما كان هو العامل الفعال في صنع المشكلة وبقائها طيلة الفترة الماضية.

في عدد سابق من «الحوادث»، ظهر بحث لصلاح البيطار عن فلسطين، جاء فيه ما يلي: «وإلى جانب ذلك وضع استعماري من نوع فريد وعظيم الخطر يتمثل في اقتطاع جزء من قلب الوطن العربي من قبل شعب «مختار» معبأ عقائديًّا بأيديولوجية قومية ودينية، أسطورية وعنصرية، أين منها الأيديولوجية النازية! يحمل في إحدى يديه تفسيرًا أسطوريًّا لثوراته، وفي يده الأخرى التكنولوجيا وسلاح العصر».

وفي إحدى مقالات هيكل الأسبوعية في «الأهرام»، منذ أواسط السنة الماضية، تحت عنوان «نحو استراتيجية عربية جديدة» جاء ما يلي: «إن الأمة العربية تدرك الآن –ولا بد لها أن تدرك- أنها جميعًا وبغير استثناء، أمام خطر استعماري داهم، يختلف تمامًا عن أي نوع آخر ظهر من أنواع الاستعمار قبلًا، استعمار لا يجيء بأسطول أو جيش من وراء البحار وهو على استعداد، إذا زادت التكاليف عليه، أن يجلو ويرحل، ولكنه استعمار متمركز على قطعة من الأرض العربية يدعيها لنفسه ملكًا لا ينازعه فيه أحد».

وهو يتخذ هذه القطعة من الأرض قاعدة لحركة مستمرة على ثلاث خطوات في كل الاتجاهات المحيطة به: غزو.. احتلال.. استيطان، وليس هناك سبيل -كما ظهر وتأكد- إلى حل سلمي معه، بل هو مجهز إلى أبعد الحدود لأن ينتصر أو مستعد إلى أقصى حد أن ينتحر، وإذن فليس هناك بديل عن الصراع إلى النهاية».

وهذه الأقوال صحيحة مئة بالمئة، وهي وصف واقعي لما يعانيه العالم العربي منذ سنة ١٩٤٨، وكانت أولى بواكير هذا الواقع المرير قد نبتت سنة ۱۹۱۷ بعد أن كانت بذوره قد غرست عام ۱۸۹۷.

أما قول الأستاذ البيطار «إنه شعب مختار يحمل تفسيرًا أسطوريًّا لتوراته»، وقول الأستاذ هيكل إنه «استعمار متمركز على قطعة من الأرض العربية يدعيها لنفسه ملكًا لا ينازعه فيه أحد»، ففيهما نصف التعليل الصحيح لفداحة الخطر الذي يتهددنا اليوم.

أما النصف الثاني ففيه يكمن السر الذي جعل الخطط الصهيونية، منذ أيام هرتزل، تسير في خط النجاح التصاعدي!

والنصف الثاني لهذا التعليل لكي يصبح صحيحًا، والذي يجب أن ننطلق منه في معالجتنا للخطر الصهيوني، هو في أن العالم المسيحي الغربي يشاطر الصهيونيين في هذه التفسيرات الأسطورية عن «الشعب المختار»، وعن «حقه الإلهي» في استعادة أرض فلسطين.

إن جميع الأبحاث عن إسرائيل والصهيونية التي صدرت في العالم العربي، منذ بدء المشكلة إلى اليوم، كانت تعالج هذه القضية من زوايا كبرى ثلاث، يمكن تلخيصها كما يلي:

١- النفوذ الصهيوني المسيطر على النقد والصناعة ووسائل الإعلام في أكثر دول العالم الغربي.

٢- الإمبريالية الغربية، وخاصة الأميركية الطامعة في ثروات العرب، والساعية إلى استغلالهم وإخضاعهم بواسطة رأس الحربة الإسرائيلية، والكيان الإسرائيلي المدعوم منها دعمًا مطلقًا.

٣- التخلف الترويجي والإعلامي في الدول العربية، بالنسبة للتقدم الإسرائيلي في هذين الحقلين.

ومع صوابية الرؤية من هذه الزوايا الكبرى لمأساة فلسطين، فإن المرتكز الأساسي الذي خول الصهيونية مطالبتها بأرض فلسطين، بقي بعيدًا عن البحث والتمحيص والدحض، إلا فيما ندر من أبحاث متفرقة لم تكن جدية وغير عميقة الجذور، وكانت تكتفي بالإشارة العابرة وكأنه موضوع من الدرجة الثالثة في الأهمية.

إن هذا المرتكز، الذي انطلقت منه الصهيونية، لتطالب بإرجاع اليهود إلى فلسطين، القائم على ما ورد في التوراة عن أرض الميعاد وبني إسرائيل، كان يمكن أن يبقى مرتكزًا «أسطوريًّا» لا نتائج عملية له، فيما لو اقتصر الأمر على العشرين مليون يهودي الموجودين في العالم اليوم، غير أن الأمر مختلف كثيرًا، فهذه الأسطورة وجدت طريقها إلى أذهان حوالي ألف مليون مسيحي في الغرب، فآمنوا بها ولم تعد لديهم «أسطورة» بل أصبحت «حقيقة تاريخية» لها امتدادها في الحاضر والمستقبل، وولَّدت فيهم شعورًا بالالتزام الروحي والمعنوي تجاهها.

وعندما قمنا ندافع عن حقنا المشروع، تجاهلنا بحث صحة هذا المنطلق التوراتي، ولم نحاول دحضه توراتيًّا منذ الوهلة الأولى لإعلان الصهيونية انطلاقها منه.

وهكذا نرى أن التوراة بتفاسيرها المضللة، التي قدمتها الصهيونية إلى الغرب المسيحي، كانت السبب المباشر الذي حوّل «الأسطورة» إلى «حقيقة» في عقول المسيحيين، ومع أن المسيحية، كانت منذ بدايتها دحضًا صريحًا لكل آمال اليهود في «مسيحهم» المنتظر، ومع أن المسيح دعا على اليهود قائلًا: «هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا»، فإننا نجد أن هذه المسيحية، قد تحولت منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلى أكبر مساند عنيد لتحقيق آمال اليهود ومطامعهم.

في القرن الماضي وما قبله، كانت كل التفاسير اللاهوتية لنبوءات التوراة عن بني إسرائيل، ما عدا قلة ضئيلة منها، تسير في الخط المعاكس لرغبة اليهود في رجوعهم إلى فلسطين، وهذه التفاسير الأصيلة كانت مشتركة ما بين الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية، وعلى سبيل المثال، فإنني أقتبس هنا بعض ما جاء في كتاب «الأدلة السنية في تفسير الأسفار الإلهية»، وهو كتاب وضعه مبشر أمريكي هو القس جيمس أنس، أحد المبشرين الذين أرسلتهم الكنيسة المسيحية في الولايات المتحدة، إلى الشرق الأوسط في القرن الماضي، وهذا الكتاب مطبوع بالعربية في المطبعة الأميركية في بيروت سنة ۱۸۸۰، وقد جاء في الفصل الخامس عشر منه شروح تتعلق بالنبوءات عن بني إسرائيل، وعن كيفية تفسيرها التفسير الصحيح، المتوافق مع العقيدة المسيحية الأصيلة، وفيه عرض لمختلف الآراء حول تلك التفاسير، وفيه نجد:

«لكن من تطرف في تفسيرها الحرفي، وتصور إشارتها إلى رجوع اليهود إلى فلسطين لأجل بناء أورشليم والهيكل ثانية، وتقسيم الأرض بين أسباط إسرائيل القديمة، وتجديد طقوسهم الدينية، وكل ذلك تحت ولاية المسيح رأسًا، الذي على زعمهم، سيأتي لهذه الغاية ويجلس على كرسيه في أورشليم، ويجمع حوله الأمة اليهودية ويقربها إليه دون سائر المؤمنين، وكل ذلك إتمامًا لتلك النبوءات، فيضل سواء السبيل، لأن هذا التفسير بعيد وليس ما يؤيده في العهد الجديد، بل هو مخالف لروح الإنجيل وناشئ عن سوء التصرف في تفسير مقاصد الله».

هذا ما كان يقوله المبشرون الأمريكان في القرن الماضي، عن المرتكزات التوراتية التي اتخذتها الصهيونية، وسيلتها الأولى للمطالبة «بحقوق اليهود في أرض فلسطين». وهؤلاء المبشرون كانوا يمثلون الكنيسة المسيحية البروتستانتية في الولايات المتحدة، التي كانت تقريبًا توازي نصف سكان الولايات المتحدة في ذلك الوقت، وهي اليوم تضم ما لا يقل عن الستين أو السبعين مليون شخص من أصل المائتي مليون أميركي، الذين يؤلفون سكان الولايات المتحدة.

وهذا التفسير المسيحي الأصيل، المعاكس للأهواء اليهودية المتصهينة، أو بالأحرى الذي يصم الأهداف الصهيونية بالكفر، كان هو الخط السائد في القرن الماضي، عند كل الفئات المسيحية في أوروبا وأميركا، ما عدا فئة ضئيلة كانت مأخوذة بتفاسير اليهود أنفسهم، وكان اليهود قد بدأوا ينشطون، منذ أيام الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، لحمل المسيحيين على تبني تفاسيرهم لتلك النبوءات والاعتراف «بحقهم» في الرجوع إلى «وطنهم الموعود» في فلسطين.

ومن بين هذه الأقلية كان القس «هيكلر الجرماني» الذي وضع سنة ۱۸۸۲ كتابًا أسماه «إرجاع اليهود إلى فلسطين حسب أقوال الأنبياء»، وكان هذا القس صديقًا حميمًا لهرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، وقبل هذا الكتاب، وقبل تأسيس الحركة الصهيونية، كان بعض اليهود من روسيا وبولونيا، قد أسسوا جمعية أسموها «أحباء صهيون»، غايتها جمع أكبر عدد ممكن من اليهود حول فكرة «الرجوع إلى فلسطين»، وتهيئة الطريق أمامهم للخلاص من المذابح التي كانوا يتعرضون لها في روسيا وبولونيا منذ مطلع القرن التاسع عشر.

وبعد تأسيس الحركة الصهيونية العالمية، وعقد مؤتمرها الأول في بازل «سويسرا» سنة ١٨٩٧، أخذ تيار التفاسير اليهودية لهذه النبوءات يتسرب بكثرة إلى عقول المسيحيين، وبدأ الدهاء اليهودي المتصهين يتملق المسيحية، ويدس لها السم في الدسم، وهكذا اتجه كثير من المسيحيين إلى الأخذ بالتفاسير اليهودية، وكأنها هي التفاسير المسيحية الأصيلة الصحيحة، وكأن إرجاع اليهود إلى أرض فلسطين هو أمر محتوم من الله، وهو ما وجدت المسيحية لأجله!

ومن هذا الباب العريض المبني على التضليل اليهودي، أطلت الصهيونية، في مطلع القرن العشرين، تطالب بأرض فلسطين لإرجاع اليهود إليها، وقد استجاب لها المجتمع المسيحي في الغرب.. ووافق على وهبها أرضنا، ولم يرتفع من عندنا أي صوت لدحض هذا التضليل، وسارت الصهيونية على خططها العلمية المدروسة، تحشد أكبر قدر من قوى اليهود المنتشرة في العالم، ضمن مخططها الرامي إلى «إيجاد وطن للشعب اليهودي في فلسطين، حائز على الاعتراف الشرعي من قبل الجميع»، حسبما جاء في مقررات المؤتمر الصهيوني الرابع، تدعمها المباركة الروحية المعنوية والالتزام الأدبي من قبل المجتمع المسيحي الغربي.

وإن ما قاله وايزمن، أول رئيس لدولة إسرائيل، في مذكراته «صفحة ١٥٦ من الطبعة الإنجليزية» يعطينا الفكرة الصحيحة عن مدى تأثير التضليل اليهودي في عقول مسيحيي الغرب، وكان ذلك قبيل إعطاء وعد بلفور ببضعة أيام، «وكان وايزمن يواجه في ذلك الوقت، معارضة قوية من اليهود البريطانيين، الذين تحاشوا تبني أهداف الحركة الصهيونية في إقامة دولة يهودية في فلسطين، خشية الطعن في ولائهم للعرش البريطاني»، وقد ذكر وايزمن أن لويد جورج «رئيس وزراء بريطانيا في ذلك العهد» كان قد قال له: «أنا أعلم أن إصدار هذا الوعد سيفرح جماعة من اليهود ويسيء إلى الجماعة الأخرى، ولقد قررت أن أفرح جماعتكم أنتم، لأنكم تناضلون من أجل فكرة عظيمة».

وقد علق وايزمن على ذلك بقوله: «إنه لم يكن يخطر ببال اليهود المعارضين للأهداف الصهيونية، إن الزعماء البريطانيين يعرفون التوراة جيدًا، ومتدينون أكثر منهم».

 وهكذا نرى أنه بالإضافة إلى التخطيط الصهيوني المنظم، والأموال اليهودية الطائلة التي مكنتهم من الاستيلاء على أكثر وسائل الإعلام في الغرب، وبالإضافة إلى انتصارات إسرائيل في ثلاث حروب ضد العرب، بالإضافة إلى كل ذلك، نرى الغرب المسيحي ينظر إليهم وكأنهم يناضلون من أجل «فكرة عظيمة» ملتزم بها هو «روحيًّا ومعنويًّا».

لا يستطيع أحد أن ينكر ما لليهود والصهيونية، من نفوذ مالي واقتصادي وإعلامي في العالم الغربي، وكذلك لا يستطيع أحد أن ينكر ما للأصوات اليهودية من تأثير على انتخابات الرئاسة الأميركية، كما أنه ليس من شك في وجود الترابط المصلحي ما بين الإمبريالية العالمية ودولة إسرائيل، ولكن كل هذه القوى المادية لم تكن لتتواجد لدى إسرائيل بهذا الشكل المتفوق، لو لم يكن وراء ذلك دعم روحي ومعنوي، يقدمه للعشرين مليون يهودي، ألف مليون مسيحي مأخوذين بالتفاسير «الأسطورية» التي ضللتهم بها الصهيونية خلال ثمانين عامًا، إلى درجة أن هذه «الأساطير» تحولت إلى «حقائق» تنتج الدمار والتشريد لأبناء فلسطين، وتهدد العالم العربي في مصيره وتراثه وثقافته.

إن الأغلبية العظمى من الباحثين، في العالم العربي، الذين تطرقوا إلى بحث قضية فلسطين وأسباب الهزائم العربية، كانوا يتناسون «إما عن جهل أو عن تجاهل» أهمية دحض «الأساطير» بالحقائق الدينية الأصيلة، ويحصرون أبحاثهم فقط في النفوذ اليهودي المتغلغل في مختلف مرافق العالم الغربي، ويعزون الدعم الغربي اللامتناهي وخاصة الأمريكي، إلى طمع الإمبريالية الغربية بإخضاع العرب بواسطة رأس الحربة الإسرائيلية، ويتكلمون عن الترابط المتين ما بين المصالح الإمبريالية، ورأس الجسر الإسرائيلي في الشرق الأوسط، ويبحثون أسباب التأخر التكنولوجي العربي بالنسبة للتقدم التكنولوجي الإسرائيلي، ثم يبحثون أخيرًا تقصير الإعلام العربي بالنسبة إلى الإعلام الإسرائيلي «وهذا التقصير واضح بالنسبة إلى هذا العامل الخطير، الذي أهملوه أيضًا وهم يبحثون قضايا الإعلام».

إن «تهوّد المسيحية» هو السر الكامن وراء هذا الدعم اللامتناهي، «وحـــق» إسرائيل في أرض فلسطين أصبح أمرًا بديهيًّا عند الغربي المسيحي، وسيظل كذلك إن لم نتمكن من دحض هذه الأساطير، بواسطة الحقائق المسيحية الأصيلة.

إن الباحثين يتهربون من التطرق إلى هذا الموضوع وكأنه من الأمور المحرمة، أو كأن قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين هو حقيقة إلهية ثابتة تسير في خطها المرسوم.. إذ لو تكن هذه هي إرادة الله، كما لا يزال يظن الكثيرون في الغرب والشرق معًا، فكيف يتغلب مليونا يهودي على مئة مليون عربي؟!

 إن التفاسير الأسطورية للنبوءات التوراتية، التي عشعشت في عقول مسيحيي الغرب وربطتهم معنويًّا وروحيًّا بدولة إسرائيل، يجب أن تستبدل بالتفاسير الصحيحة.. بالتفاسير المسيحية الأصيلة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، إن التفاسير الأسطورية يجب أن تدحض بالتفاسير الحقيقية الدينية، ويجب أن نقوم بتوعية المسيحيين في الغرب من تأثير التخدير اليهودي الصهيوني، ولا يمكننا فك ذلك الترابط الروحي والمعنوي «الذي أطلت منه الصهيونية على العالم في ادّعائها الحق بأرض فلسطين» ما بين إسرائيل والعالم المسيحي الغربي، إلا بإزالة آثار «التفاسير الأسطورية» التي نشأت من التضليل اليهودي والاستغلال الصهيوني «ومن سكوتنا نحن عن كشف هذا التضليل».

أعتقد أن الوقت قد حان الآن لوضع خطة إعلامية شاملة تكون غايتها دحض هذه الأضاليل الأسطورية، وتنقية الذهنية الغربية المسيحية من الجراثيم الصهيونية، كي لا يبقى لدى الغربيين أي شك، من أنهم كانوا على خطأ مبين، وأنهم كانوا يعملون ضد إرادة المسيح، عندما دعموا دولة إسرائيل، باعتبار أن قيامها هو تنفيذ «لفكرة عظيمة» وإتمام لإرادة الله!

إن العمل الجدي المجدي للإعلام العربي في الغرب هو القيام بحملة التوعية هذه، لإنقاذه من براثن «التبعية اليهودية»، وبذلك نضمن أننا سنكسب دعمًا شعبيًّا قويًّا يقف مع «حقنا الحقيقي»، ويكون له أثره الفعال في تخفيف الانسياق الرسمي الحكومي للولايات المتحدة نحو دعم إسرائيل.

إن الدراسات الدينية العميقة لدحض التفاسير الأسطورية والأضاليل، التي حشت بها الصهيونية عقول الغربيين خلال الثمانين سنة الأخيرة، موجودة ومتوافرة، ولكن ما ينقصها هو وضع خطة عملية لترجمتها وطباعتها ونشرها بملايين النسخ في العالم الغربي وخاصة في أميركا.

إن انتصارنا العسكري على دولة إسرائيل لا يبقى انتصارًا تامًّا، إذا ما بقي «الوجود الإسرائيلي» قائمًا كتحقيق «لفكرة عظيمة»، في أذهان الغرب المسيحي، إن القضاء على «الكيان الإسرائيلي» يجب أن يتم «ذهنيًّا» أولًا في عقول الغربيين، كي يسهل علينا بعد ذلك القضاء عليه «واقعيًّا» فوق أرض فلسطين.

إن ما نريده اليوم هو أبحاث واضحة قوية عميقة جذرية وعنيفة، لكي تقتلع جراثيم «التهويد» من الذهن المسيحي، وقد تكون هذه المحاولات المتفرقة، مقدمات جيدة لما نصبو إليه. 

الرابط المختصر :