العنوان توسیع الحرب ليس هو الحل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1987
مشاهدات 68
نشر في العدد 833
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 08-سبتمبر-1987
في يوم الجمعة الماضي دخلت الحرب العراقية الإيرانية عامها الثامن ذكرى اندلاع هذه الحرب «المحيرة» على رأي الجنرال الفرنسي جورج بوي «لأنها لا تشبه أيًّا من الحروب المعروفة في التاريخ»، فإن تساؤلات كثيرة تطرح نفسها بإلحاح، لا سيما أن هذه الحرب التي طال أمدها دخلت مرحلة دقيقة وخطيرة في الأشهر القليلة الأخيرة بحيث لم تعد تعني البلدين المشتركين في الصراع فقط، بل أصبحت تهدد باتساع رقعتها مشكّلة بذلك أخطارًا هائلة على السلام الإقليمي والدولي. وإذا كان يحق لنا من باب التفاؤل أن نأمل بأن تضع هذه الحرب أوزارها خلال هذا العام، فالأولى بنا أن نحتاط لأي تطورات دراماتيكية قد تشهدها منطقة الخليج مستقبلًا. ولا سيما أن إيران مصرة على توسيع رقعة هذه الحرب مع التخطيط لاستدراج بعض دول الخليج للمعركة، بأسلوب التحرش العدواني الذي مثله مؤخرًا الصاروخ الإيراني الذي سقط على الساحل الجنوبي من الكويت، كما صرح بذلك مصدر مسؤول بوزارة الدفاع الكويتية صبيحة الجمعة الفائتة.
خسائر فادحة ودمار هائل ولا مبالاة عالمية
الخسائر التي جرتها الحرب العراقية الإيرانية فادحة ومفزعة بكل المقاييس، ورغم اختلاف الجهات المقدرة لهذه الخسائر فإنه لا أحد ينزل تحت رقم المليون قتيل بالنسبة للخسائر البشرية، وتحت رقم المائة وخمسين مليار بالنسبة للخسائر المادية، ومهما يكن الاختلاف بشأن الأرقام فإن الشيء المؤكد هو أن هذه الحرب أحدثت وتحدث نزيفًا، بل شلالًا يراق يوميًّا من دماء المتحاربين ومن مقدرات الشعبين في العراق وإيران ومن مقدرات أجيالهم القادمة. ومن السهل أن نعرف أين تذهب تلك المقدرات والطاقات المهدرة، إنها تذهب إلى الدول الأجنبية وإلى القوى العظمى الجشعة أثمانًا للسلاح. فما بالنا إذا توسعت رقعة هذه الحرب الدموية وشملت أقطارًا وشعوبًا أخرى في المنطقة بعد ما شهدناه من تحرشات إيرانية شملت كلًّا من المملكة العربية السعودية والكويت؟!
لقد جاء في تقرير المعهد الدولي لأبحاث السلام الصادر بستوكهولم أن الحرب العراقية الإيرانية أثارت شهية الدول الأجنبية، فارتفع عدد الدول المصدرة للسلاح إلى منطقة الخليج وبالذات إلى إيران والعراق من ٤٠ دولة سنة ١٩٨٤ إلى ٥٣ دولة سنة ۱۹۸۷.
فمن الناحية الاقتصادية يمكن القول إن هذه المجزرة الدموية في الخليج وجدت فيها قوى الاحتكار الدولي فرصة ثمينة لمواجهة الكساد والركود، وبالتالي فإن العراق وإيران اللذين عانيا هما أيضًا من تفشي الأزمة الاقتصادية، تحكم عليهما القوى الاستغلالية بعد وقوعهما في مصيدة الحرب بأن يدفعا من دمائهما ومن قوت أطفالهما ما به تخفف الأزمة والضائقة الاقتصادية في الدول الصناعية. ومن هنا فإننا لا نستغرب أبدًا أن تواجه القوى العظمى وطيلة ست سنوات هذه الحرب بلا مبالاة مدعية أنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا لإيقافها.
التحرشات الإيرانية لدول المنطقة جرت الأساطيل الأجنبية إلى مياه الخليج
إن التوتر الشديد الذي يسود المنطقة الآن بعد قدوم أكبر حشد من السفن العسكرية الدولية منذ الحرب العالمية الثانية والذي لا يمكن إلا أن يبعث على القلق، إنما جره إلى المنطقة تحرش الإيرانيين ببلدان الخليج التي ليست طرفًا في الحرب الدائرة بين العراق وإیران. وإن إیران باستفزازاتها للكويت بشكل خاص، إنما توجد الفرصة وتبرر المزيد من التدخلات الأجنبية في المنطقة، هذه التدخلات التي ليست لصالح أحد والتي نحن بغنى عنها والتي لا يترتب عليها سوى الهيمنة على مقدرات الشعوب وثرواتها. إن إيران تخطئ إذا ما اعتقدت أن توسيع نطاق الصراع يحل المشكلة. إن انتشار اللهب إلى أجزاء جديدة في منطقة الخليج على العكس من ذلك سوف يزيد من استفحال المشكلات، فلن تستطيع إيران حل مشكلاتها بإشعال المزيد من النار، ولا سيما وأن الكويت والمملكة العربية السعودية أعلنتا بأن قواتهما سترد على إيران وتردع كل عدوان تستهدف بها أراضيهما.
إنه حرِي بالإيرانيين في مثل هذه الظروف أن يفكروا جيدًا قبل أن يقدموا على أي عمل لا تحمد عقباه، وها هي اليوم كل الدول الإسلامية والحركات الإسلامية وكافة الشعوب الإسلامية أيضًا في مشارق الأرض ومغاربها تدعو الإيرانيين للانصياع لصوت الحق والدين الذي يأمرنا بكف الاقتتال، لا سيما إذا كان المستفيدون من هذا الاقتتال هم أعداؤنا.
إن التهديدات الإيرانية لن ترهب الكويت والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، ولن ترهب شعوبها وتجعلها تفقد زمام أمورها وحق أخذ قرارها المستقل بالدفاع عن نفسها بالشكل اللازم.
إن الظرف يفرض علينا اليوم استشعار كافة عوامل اليقظة.. كل اليقظة؛ استعدادًا لكل الطوارئ والاحتمالات حتى نفوت الفرصة على من يريد مفاجأتنا بمفاجآت عدوانية. ولا بد أن تكون شعوبنا قوية بإيمانها وبتلاحمها وبثقتها بالله سبحانه. والمطلوب اليوم -وهذا من أولويات الاستعداد لمواجهة كافة الاحتمالات- أن تتلاحم القوى الشعبية والحكومية في كل المنطقة بشكل محسوب ومدروس، وذلك على أسس ترضي الله سبحانه.
وفي الختام نسأل الله أن يثوب الزائغون إلى رشدهم وأن يهديهم إلى الطريق السوي، وأن يجنب هذا البلد المسلم وبلدان الخليج المسلمة الأخرى نار هذه الحرب الحارقة، وما ذلك على الله بعزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل