العنوان تونس: انطلاق الحملة الانتخابية.. و«النهضة» تتصدر المشهد السياسي ببرنامج متكامل
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011
مشاهدات 47
نشر في العدد 1973
نشر في الصفحة 24
السبت 15-أكتوبر-2011
- نحو ١١ ألف مترشح يمثلون ١٤٢٤ قائمة يتنافسون على ٢١٧ مقعدًا
بدأت في تونس الحملة الانتخابية لاختيار ۲۱۷ عضوًا للمجلس التأسيسي الذي سيصوغ الدستور القادم للبلاد، ويختار الحكومة المقبلة وسط أجواء من التعبئة الحزبية، وذلك منذ بداية شهر أكتوبر الجاري.. وقد شوهدت في شوارع العاصمة والمدن التونسية سيارات وهي تحمل لافتات الأحزاب المختلفة في أول حملة انتخابية حرة وشفافة، كما يؤمل أن تجري الانتخابات بدون وصاية من الحكومة القائمة، أو عراقيل تقيمها وزارة الداخلية كما كانت الحال منذ ما يزيد على نصف قرن.
وفي وسائل الإعلام الرسمية، أخذت مختلف الأحزاب مساحات متساوية للتعريف ببرامجها، ودعوة الناخبين للتصويت لصالحها، وتشرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلى جانب منظمات أخرى على العملية الانتخابية برمتها بما في ذلك الحملات الانتخابية والتغطية الإعلامية وعمليات الاقتراع للتأكد من عدم حصول تجاوزات قد تؤثر على عمليات التصويت ويشمل ذلك عمليات التمويل، حيث يفرض على جميع الأحزاب فتح حساب بنكي وحيد لتمويل الحملات الانتخابية يخضع بدوره للمراقبة.
وستتمتع الأحزاب بمنح من الدولة إضافة للتمويل الذاتي المراقب من قبل لجنة الانتخابات، وقد هددت اللجنة بإجراءات عقابية في حال حصول ذلك.
وقد بلغ عدد المترشحين للمجلس التأسيسي نحو ۱۱ ألف مترشح (۱۰۹۳۷) يمثلون ١٤٢٤ قائمة انتخابية في ٢٧ دائرة بكامل التراب التونسي.. وتتصدر القوائم الحزبية قوائم المترشحين، حيث بلغت ۷۸۷ قائمة، تليها قوائم المستقلين بـ ٥٨٧، ثم القوائم الائتلافية التي بلغ عددها ٥٤ قائمة انتخابية.
وقد اختار حزب «حركة النهضة» التونسية مدينة سيدي بوزيد لبدء حملته الانتخابية، حيث تجمع الآلاف من أنصاره في النقطة التي انطلقت منها شرارة ثورة ١٤ يناير.
برنامج «حركة النهضة»
يعتبر برنامج حركة النهضة بإجماع النخبة الوطنية رائدًا في أطروحاته، حتى الذين حاولوا توجيه انتقادات له وصفوه بأن يلتقي مع الكثير من المقترحات التي تقدم بها خبراء تابعون للحكومة الانتقالية وأحزاب أخرى نسجت على نفس المنوال، وكانت تلك الآراء حول البرنامج قوة إضافية تضاف إلى البرنامج؛ لأن هدف النهضة، هو الالتقاء مع الكثير من الفرقاء السياسيين الذين حاكوها وتحقيق أغلبية مع الآخرين وليس التناقض معهم، واتخاذ الاتجاه المعاكس كغرض في حد ذاته.. وهو ديدن خصوم الإسلاميين الذين لا يريدون أي خير للأمة يأتي من قبل طلائعها الحضارية.
وقد أشار برنامج النهضة المطبوع في «كتاب»، ويضم ٣٦٥ بندًا إلى التخلف التقني والإداري الذي تعيشه الأمة، وما تتطلبه ضرورات النهضة من «تحرر العقول من الأوهام، وتحرر الحكم من الاستبداد وثانيها الوعي العميق لردم الهوة ببذل الوسع في اكتساب العلوم الحديثة والتقنية وتطوير الإدارة والمؤسسات السياسية بما يحقق النجاعة ويطور وسائل الإنتاج ويدرأ آفة الاستبداد».. إن ذلك لن يتحقق إلا بـ «الوعي العميق والثقة في وعود الإسلام وتراثه كمرجعية قيمية وثقافية وأساس لمشروعه الحضاري عبر الاجتهاد، وتفعيل الحوار مع قضايا العصر وعلومه ومكتسباته».
ويؤكد برنامج حزب «حركة النهضة» على أن «تونس دولة حرة مستقلة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها وتحقيق أهداف الثورة أولويتها».. ويدعو البرنامج إلى إقامة «نظام برلماني يضمن الحريات العامة والخاصة، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، والتداول على السلطة عبر التوزيع المتوازن والديناميكي للسلطات بين مختلف مؤسسات الدولة وعبر انتخابات تعددية حرة».. كما تقترح «النهضة» خطة اقتصادية واجتماعية متكاملة لتوفير العمل لنحو ٦٠٠ ألف عاطل خلال 5 سنوات «عدد العاطلين ۷۰۰ ألف عاطل عن العمل»، وتحقيق الحياة الكريمة للتونسيين والتونسيات والنهوض بالتنمية الجهوية المتوازنة ودفع الاستثمار في سائر القطاعات.
ويهدف برنامج «النهضة» - من جملة ما يهدف إليه - إلى «بناء مجتمع معاصر و متوازن ومتضامن متجذر في هويته وفي ثقافة عصره، ينمي موارده البشرية وثرواته ويدعم موقعه وإشعاعه في العالم، وذلك من خلال عدة ركائز من بينها بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على التوافق والمشاركة حفظ كيان الأسرة وتوازنها، ورعاية الطفولة ومعالجة الظواهر الاجتماعية المتعلقة بتأخر سن الزواج وارتفاع نسبة الطلاق، وأخطار تهرم المجتمع».. كما «تسعى الحركة إلى ترسيخ العدالة والتوازن بين الجهات والفئات الضعيفة والحد من الفوارق الاجتماعية ومعالجة أسباب الفقر والتهميش».. ولعل «المجتمع» تعود لإفراد برنامج حزب «حركة النهضة» بقراءة خاصة.
حظوظ وافرة لـ «حركة النهضة»
تشير استطلاعات الرأي إلى تنامي شعبية حزب حركة النهضة في تونس وتقدمها على جميع الأحزاب، بما فيها تلك المتورطة فيما أصبح يعرف بـ«المال السياسي» الذي يحاول سدنته سرقة الثورة، من خلال شراء أصوات الناخبين، وبذلك يساهمون في تكريس الفساد بالبلاد.. وقد اعترف نجيب الشابي، رئيس الحزب الاشتراكي التقدمي «بي دي بي» بتقدم النهضة على حزبه.
ومن بين استطلاعات الرأي المنشورة الاستطلاع الذي قامت به مؤسسة «سيغما كونايل»، والذي أشار إلى أن «النهضة» ستحصل على ٨٠ مقعدًا من أصل ۲۷۰ مقعدًا بالمجلس التأسيسي الذي يرجح أن يظل في السلطة مدة عام تجرى على إثرها انتخابات برلمانية ورئاسية.. بيد أن قادة حركة النهضة وفي مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشي يتوقعون أن تفوز قوائم النهضة بالأغلبية المطلقة، وأن الذين سيفوزون من الأحزاب في المجلس التأسيسي سيفوزون ب «البقايا»، أي فوز الحزب الذي يلي النهضة ثم الذي يليه حسب قواعد انتخابات المجلس التأسيسي والتي تختلف عن الانتخابات البرلمانية، والتي تجعل القائمة الأكثر عددًا هي الفائزة في كل دائرة انتخابية دون اعتبار لمن حل ثانيًا وثالثًا.
وقد تمكن حزب «حركة النهضة» من تغطية جميع الدوائر الانتخابية في داخل البلاد وخارجها، حيث توجد جاليات تونسية منتشرة في أوروبا والأمريكيتين، كما التزمت بشرط التناصف بين الرجال والنساء في رئاسة القائمات الانتخابية.
ومن أسباب تقدم حزب «حركة النهضة» على جميع الأحزاب التي وصلت إلى ۱۲۰ حزبًا غداة كتابة هذه السطور، ما قدمته الحركة من نضالات على مدى يزيد على ثلاثين عاما، وهي نضالات سياسية وفكرية وجمعياتية بلغت أوجها نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بيد أن يد القمع أثخنت فيها على مدى ۲۳ عامًا، فقتلت العشرات وسجنت ما يربو عن ٣٠ ألفًا، وهجرت نحو ۱۰ آلاف آخرين، وجوعت الآلاف ممن حرموا من وظائفهم ومن دراستهم ومن العيش بين ذويهم، وظل القمع والظلم والاعتداءات والعدوان مستمرًا على من بقوا في تونس أما الذين تمكنوا من الخروج من البلاد فقد أناب نظام المخلوع عنهم ذويهم في وجبات الاعتداء والعدوان كنزع الحجاب في الشارع، وزيارات التفتيش المتواصلة، وترويع ذوي الإسلاميين في ساعات مختلفة من اليوم والليلة، والشعب التونسي شاهد على ذلك، ويدرك بأن الذي عرف الظلم هو من يدرك وحده قيمة العدل.
نضالات الحركة صنعت شعبيتها
وهذه النضالات ليست نضالات مقطوعة في الزمان والمكان، بل هي امتداد لنضالات الحركة الإصلاحية في تونس، وتواصلاتها في الشرق الإسلامي، هي أيضا امتداد القوافل الرساليين الذين أسسوا للحضارة الإسلامية في ربوع المغرب الكبير في مقدمتهم العبادلة السبعة، ومنهم عبدالله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن أبي السرح، رضي الله عنهم جميعًا.. ومنهم أبي زمعة البلوي، وعقبة بن نافع، وطارق بن زياد، وأسد بن الفرات وابن عرفة، والإمام سحنون، وابن خلدون وخير الدين التونسي، وعبد العزيز الثعالبي وفرحات حشاد، والمفتي جعيط، ومحمد صالح النيفر، وعبد الرحمن خليف وغيرهم رحمهم الله جميعًا.
وعندما اندلعت الثورة كان أبناء الحركة وأنصارها - رغم الجراح التي أثخنتهم - في مقدمة المتظاهرين والمتصدين بصدورهم العارية لآلة القمع والقناصة ورصاص البوليس السياسي والشعب يشهد بذلك... كما قاد شباب الحركة لجان الأحياء، وكانوا في مقدمة حماة الثورة، ولا ينفكون يرددون اليوم وغدًا: «أوفياء أوفياء لدماء الشهداء».
ولم تكن نضالات الحركة وتاريخها الملحمي هو وحده من صنع شعبيتها، بل تأكيدها الصادق على الهوية الإسلامية لتونس في كل مناسبة، وقد مثلت الحركة الكفة المقابلة لدعاة التغريب «البورقيبيين» منهم ورموز العلمانية والحداثة المتوحشة وقد سجل التاريخ تحالفًا ظاهرًا حينًا وخفي حينا آخر بين الطرفين.
الأمر الآخر الذي صنع شعبية حزب حركة النهضة، هو وضوح الموقف من القضية الفلسطينية ورفع العلم الفلسطيني في تحركات مناضليها، بينما كان ولا يزال الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية في خطاب الآخرين مجرد ديباجة ينطقها اللسان ولا يصدقها العمل.
ويعلم الشعب التونسي أيضًا أن حزب حركة النهضة لن يبيع موقف تونس في سوق النخاسة الدولية، ولا يرتبط بأجندة خارجية كما هي حال البعض، لذلك يعتزم الكثير من التونسيين التصويت لحزب حركة النهضة، الذي بدأ حملته بقوة وشهد الآلاف اجتماعاته التي شرح فيها برنامجه.
ومن المتوقع أن تستمر الحملة الانتخابية حتى ٢١ أكتوبر الجاري، بعدها تحظر الدعاية الانتخابية، ومن المتوقع أيضا ظهور النتائج الأولية بعد ساعات قليلة من إغلاق مراكز الاقتراع يوم ٢٣ أكتوبر الجاري.
تجدر الإشارة إلى أن الحكومة القادمة المنبثقة عن المجلس التأسيسي هي من سيقرر مستقبل الهيئات التي قامت بعد الثورة لتسيير الأمور في المرحلة الانتقالية الراهنة، والتي حاولت أن تؤدي دور المؤسسات التشريعية في غياب تفويض شعبي بذلك؛ مما يؤكد بأن شخوصها يستخدمون كل الحيل للتحايل على الشعب ومصادرة حقه في تولي أمره بنفسه، إذا ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل