العنوان تونس.. قراءة نقدية في مشروع وزير التربية الجديد
الكاتب عبدالقادر عبار
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
مشاهدات 79
نشر في العدد 932
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
البرنامج الجديد لا يحقق الأهداف المقررة
في البرنامج الأصلي التي تهدف إليها مادة التربية الإسلامية
من أهداف المشروع الجديد إلغاء منابع
الفكر الإسلامي
صدر أخيرًا عن
وزارة التعليم المنشور (62/ 1989) المؤرخ في 21/ 6/ 1989م والمتضمن تغييرًا
مفاجئًا لبرامج السنة الخامسة والسادسة والسابعة من التعليم الثانوي، في مادة
التربية الإسلامية.
وقد أثار موجة
من الاستياء لدى الرأي العام الإسلامي، والإسلاميين بصفة خاصة لوعيهم وإدراكهم
للخلفية الفكرية والسياسية التي كانت وراء تدبيج وتقديم هذا المشروع.. خاصة وهم
يعلمون أن على هرم الوزارة شخصية، أبدوا تحفظهم على تنصيبها، ورأوا في تعيينها
حينذاك: مؤشرًا سلبيًّا وصيغة من صيغ التصعيد السياسي.
فهل هو استياء
موضوعي في محله أم هو لا يعدو- كما عبر أحد رموز اليسار الإسلامي- أن يكون بحثًا
عن دليل الاتهام؟!
سنحاول التماس
الإجابة من خلال قراءة في الخلفية الفكرية والسياسية للمشروع، ثم قراءة في جانبه
المضموني المعرفي وجانبه البيداغوجي.
الخلفية
الفكرية والسياسية للمشروع
إن هذا المشروع
المقدم من وزير التربية يعكس خلفية فكرية وإيديولوجية معينة، ويمكن إبداء جملة من
الملاحظات والآراء في هذا المجال:
1- لقد صرح وزير
التربية الجديد- علنًا- أنه آن الأوان لتخليص التعليم من الفكر الديني الغيبي،
وعقلنة التعليم، وفي تقديم هذا المشروع تجسيم لهذه التوجهات، فالتيارات اليسارية،
بما فيها اليسار الإسلامي، والعلمانية ورموزها في الجهاز التربوي والتعليمي، تتستر
بدعوى عقلنة التعليم، وتطوير مادة التربية الإسلامية لتمرير مشروعها. مع العلم وأن
مستشار الوزير في التربية هو من الرموز المؤسسة لليسار الإسلامي.
2- ينزل هذا
المشروع/ البرنامج في فترة تشهد فيها البلاد هجمة عنيفة على الإسلام والحركة
الإسلامية، وصراعًا حادًّا بين أنصار المشروع الإسلامي وأنصار المشروع العلماني
التغريبي.
3- من أهداف
المشروع الجديد إلغاء منابع الفكر الإسلامي وأصول الشريعة الإسلامية المستمدة من
الوحي الإلهي التي يتلقى منها التلميذ زادًا إسلاميًّا: حذف محور الهدي القرآني
والنبوي بالنسبة للسنة الخامسة، والمحاور المتعلقة بمصادر التشريع الإسلامي
بالنسبة للسنة السادسة. كما يهدف المشروع إلى إفراز فكر مرن تجاه منظومة الفكر
المادي الإلحادي؛ إذ أصبح غير ممكن مع وجود التعددية الحزبية والسياسية توظيف
برنامج التربية لنقد الماركسية والشيوعية.
4- يهدف
البرنامج الجديد إلى إبعاد التلميذ عن الواقع السياسي والاجتماعي، لذلك تم حذف
برنامج السنة الخامسة بحذافيره؛ لما قد يفهم منه من تسييس للتلامذة، إذ يدور محوره
حول نظام الحكم في الإسلام.
5- اعتبار
أساتذة التربية الإسلامية غير مؤهلين لتدريس مواضيع وقضايا ذات مضمون فلسفي
(برنامج السنة السابعة الذي يدور حول قضايا حضارية معاصرة).. واعتبار أساتذة
الفلسفة -الذين هم في الأغلب من اليسار- أجدر بتدريس هذه المواضيع!
الجانب
المضموني المعرفي
جاء في تمهيد
مشروع الوزارة أن وضع البرامج الحالية لمادة التربية الإسلامية يرجع إلى فترة
الستينيات، ومنذ ذلك الوقت لم تقع مراجعة جدية للبرامج، إذا استثنينا فترة- محمد
الصباح 1987م- التي وقع فيها اتخاذ بعض القرارات قصد التخفيف من كثافة
المادة.. لكنها أخلت بجوانب معرفية وتربوية مهمة.. وفي إطار الإصلاح والمراجعة
الجديدة حدد المشروع الغاية الرئيسية من تدريس المادة وهي: تمكين التلميذ التونسي
من أن يتمثل الإيمان تمثلًا معاصرًا، يصله بالواقع المعيش وصلًا إيجابيًّا، وحددت
أهدافًا عامة ترتكز على مبادئ ثلاثة: مبدأ تربوي معرفي- ومبدأ تأصيل الوعي
التاريخي- ومبدأ المعاصرة.. إلا أن القراءة النقدية للبرنامج الجديد تقرر لنا جملة
ملاحظات حول جانبه المعرفي، أهمها:
1- يعتبر
المشروع الجديد إفراغًا للبرنامج القديم من روحه؛ إذ وقع إلغاء جزء مهم من المواد
الشرعية ومصادر التشريع الإسلامي، وإلغاء الاعتماد على المصادر الإلهية، وإلغاء
تدريس القرآن والسُّنة، وبرنامج العقيدة للسنة السابعة، والنظم السياسية للسنة
الخامسة.
2- تركيز مواطن
الاهتمام في كل الدروس على قضية الاجتهاد وقضايا خلافية أكثر من التركيز على قضايا
متفق عليها.
3- جعل المضمون
الفكري للبرامج الدراسية في السنة الخامسة والسادسة والسابعة مصبوغًا بصبغة
تاريخية (اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتهاد الصحابة، والمدارس
الاجتهادية).. مناقشة تلك الاجتهادات وحذف كل صبغة مقدسة عن تلك النصوص، وجعل
التلميذ يسلم بأن الإنتاج الفقهي هو نتيجة اجتهادات فقهاء ومفكرين، قد يصيبون وقد
يخطئون، وبالتالي ينتفي عنه الجانب القدسي.
4- صبغ البرنامج
بصيغة لاهوتية وجعله موضوعًا نظريًّا.
5- عدم ارتباطه
بجوانب حياتية وواقعية، يعيشها التلميذ وما تطفح به من قضايا ومشاكل متنوعة: حذف
برنامج السنة الخامسة = الدولة - الحكومة.
قراءة
من الجانب البيداغوجي
وأما الملاحظات
بخصوص سلبياته في جانبه البيداغوجي فيمكن حصرها في:
1- البرنامج
يثير الملل في نفس التلميذ؛ إذ يصاحبه طيلة ثلاث سنوات (سنة 5 و6 و7) ونفس الشيء
بالنسبة للأستاذ؛ مما ينفر التلميذ من مادة التربية الإسلامية، وقد يكون هذا
التكرار خطوة لتبرير إلغاء مادة التربية الإسلامية من السنة السابعة.
2- يدرس التلميذ
في نهاية المرحلة الثانوية قضايا فكرية ومدارس فلسفية حديثة، دون تمكينه من الزاد
الفكري والشرعي الذي يخول له نقد تلك المدارس وأسسها.
3- كيف يمكن
تدريس برنامج السنة الخامسة الذي استغرق سنة كاملة في سنة دراسية واحدة هي السنة
السابعة التي تقدم نفس المادة ونفس المعلومات.
4- البرنامج
الجديد تعمد حذف الهدي القرآني والهدي النبوي ومحور السير الذي يهدف إلى تعريف
التلميذ بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبطائفة من إعلام المسلمين، والمسلمات
الصالحات، للاقتداء بهم والعمل على طريقتهم.
5- لا يمثل
البرنامج الجديد إلا محورًا واحدًا من المحاور التي كان يدرسها التلميذ في ناتج
السنة السادسة القديم، وقد وقع تضخيمه وتمطيطه وتفريعه إلى عناصر كثيرة.
6- البرنامج
الجديد لا يحقق الأهداف المقررة في البرنامج الأصلي، والتي تهدف إليها مادة
التربية الإسلامية ومنها:
تنمية الشعور
الديني عند الناشئين وتركيز الاعتقاد الصحيح في نفوسهم على أساس من الفهم الواعي
والإدارة الذي يبلغ حد الاقتناع واليقين.
تهذيب ميولهم
وأهوائهم ما داموا في طور المراهقة وبواكير الشباب ومساعدتهم في هذه الفترة الحرجة
على انتهاج السلوك القويم.
تنبيههم إلى أن
الإسلام دين واقعي لا يكبت الغرائز، ولا يصادم الرغائب؛ وإنما هو ينظم هذه القوى
تنظيمًا، يجعلها منصرفة إلى تحقيق خير الفرد والمجتمع.
دعم الثقة بأصول
الإسلام ومبادئه ثقة من يُقبل على هذا الدين، فيلتمس بهديه حلولًا لمشاكل
الإنسانية العامة والخاصة.
إقناع الناشئين
بأن الإسلام إنما جاء ليكون دين الحياة، فعليهم ألا ينظروا إليه نظرة تاريخية،
يجعل منه دينًا تجاوزه الزمن؛ بل الواجب الإيمان بأنه مازال صالحًا للإنسان في كل
زمان ومكان.
ردود
الفعل
هذا وقد بدأت
ردود الفعل تظهر على السطح منتقدةً في مجملها البرنامج الجديد لهذه المادة الحساسة
والمهمة، في بعديه المعرفي والبيداغوجي.. ويرى فيه أهل الذكر والاختصاص تغييبًا
للآمال، وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه دعم برامج التربية الإسلامية في المعاهد
الثانوية، من حيث عدد الحصص والكفاءات؛ لينسجم ذلك مع مشروع الجامعة الزيتونية
الطموح، والنهج السياسي الجديد القاضي بإعطاء الهوية العربية الإسلامية مكانتها
اللائقة بها.. كما ضمن بعض أساتذة التربية الإسلامية استياءهم وانتقاداتهم في
عريضة ممضاة نشرتها بعض الصحف أخيرًا.
فهل بدأت حقًّا
معركة التربية الإسلامية في تونس؟! خاصة وأننا على أبواب سنة دراسية جديدة.. الله
وحده أعلم بطقسها وتقلباته!