العنوان تونس: مشروع قانون المصالحة الاقتصادية يزيد من حدة التوترات
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الخميس 01-أكتوبر-2015
مشاهدات 55
نشر في العدد 2088
نشر في الصفحة 48
الخميس 01-أكتوبر-2015
- هيئة الحقيقة والكرامة: مشروع القانون يضمن الإفلات من العقاب لمرتكبي أفعال تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام
- خطورة المشروع تكمن في تمكين المتجاوزين للقانون من الإفلات من العقاب
- مصطفى بن جعفر: مشروع القانون ساهم في تقسيم المجتمع ويهدد الوحدة الوطنية
- الجيلاني الهمامي: مشروع قانون المصالحة الاقتصادية وصمة عار في تاريخ "السبسي" وفضيحة في وجه الشعب التونسي وثورته وتضحياته
في 20 مارس الماضي أطلق الرئيس التونسي "الباجي قايد السبسي" مبادرته المعروفة باسم "مشروع قانون المصالحة الاقتصادية"، والذي ينص على العفو على الموظفين الذين تورطوا في ملفات فساد، ووقف التتبعات القضائية، بما في ذلك الأحكام الصادرة على المدانين أو من هم مرشحون للإدانة أمام القضاء، ثم تشكيل لجنة من ستة أعضاء، أربعة منهم تعينهم الحكومة، واثنين تعينهم هيئة الحقيقة والكرامة، وتتولى اللجنة البت في مطالب الصلح التي يتقدم بها المتهمون أو المدانون في أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة، يتم بعدها وقف جميع أشكال الملاحقات القضائية للمتهمين، الذين يتعهدون بإعادة الأموال المنهوبة والمستحقة للدولة، مع بعض الخدمات.
وقد صادق مجلس الوزراء على مشروع القانون، في 14 يوليو الماضي، لكنه جوبه بموجات من الرفض والصد داخل مجلس نواب الشعب والمجتمع الذي زاد مشروع القانون من حدة التوترات والانقسامات داخله، بما في ذلك الانقسام حول صلاحية رئاسة الجمهورية في تقديم مثل هذا المشروع الذي يجعل منها خصماً وحكماً في الوقت نفسه، في حين ينص الدستور في الفقرة التاسعة من (الفصل 148) على أن "الدولة تتحمل واجب الالتزام بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتسريع المتعلق بها"،
ويقول البعض: إن خطورة المشروع تكمن في تمكين المتجاوزين للقانون من الإفلات من العقاب، ويصادر مطلب الكشف عن الحقيقة، وحق النفاذ إلى المعلومة، فالعدالة الانتقالية لغوياً هي إدارة العدالة في مراحل الانتقال؛ أي أنها تعني بفترات الانتقال (من حرب إلى سلم، من استبداد إلى ديمقراطية)، ولعل التعريف الوارد ضمن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة "كوفي عنان" في 16 يونيو 2004م، يشدد على أن العدالة الانتقالية تقوم بالأساس على معاني المصارحة والمساءلة الشفافة، ثم التفهّم والتمثل أو الاستيعاب، ثم المصالحة، حيث يشمل مفهوم "العدالة الانتقالية"، حسب الأمين العام للأمم المتحدة، كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم وتمثل تركته من تجاوزات الماضي على كل المستويات والأصعدة، وذلك بغية تأمين المساءلة الشفافة، ولكن غير المتشفّية، وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة.
المؤيدون للمشروع
حزب نداء تونس، والذي يواجه اتهامات بشأن أموال من رجال أعمال ليسوا بذوي سمعة محمودة، وبعض الأحزاب الدائرة في فلكه مثل حزب آفاق تونس، وبعض الدوائر المرتبطة بهما من المتحمسين لمشروع القانون الخاص بالمصالحة الاقتصادية، حيث اعتبره حزب آفاق تونس خلاصاً ضرورياً للبلاد، واعتبر الأمين العام لحزب نداء تونس، محسن مرزوق، الذي لديه طموحات كبيرة في خلافة "السبسي"، المشروع ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي، وإعادة الثقة لمناخ الاستثمارات.
وواصل عضو المكتب التنفيذي لحزب نداء تونس، عبدالرؤوف الضرب، على وتر المصالحة الاقتصادية التي اعتبرها بوابة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وأن ضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي سيمر عبر المصالحة الاقتصادية، وهو مقدمة لمصالحة شاملة، وأمر ضروري وحيوي بالنظر إلى أهمية الطرح؛ حيث بات من المؤكد أنه لا مجال لمزيد من الانتظار حتى تعود تونس من جديد لتفتح ذراعيها لكل التونسيين، والاستفادة من كل أبنائها وطاقاتها بعد محو البغضاء والنزعات الإقصائية والانتقامية التي لا تزيد الوضع إلا تأزماً.
مطالب بسحب المشروع
هيئة الحقيقة والكرامة، وهي هيئة دستورية تعنى بالعدالة الانتقالية، أصدرت بياناً أكدت فيه أن هذا القانون يضمن الإفلات من العقاب لمرتكبي أفعال تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام، وأكدت أن مشروع القانون يفرغ منظومة العدالة الانتقالية من محتواها، ويؤدي إلى التخلي عن أهم آلياتها في كشف الحقيقة والمساءلة والتحكيم والمصالحة وإصلاح المؤسسات، واتهمت أحزاب وهيئات على غرار الحزب الجمهوري، وحزب المؤتمر، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، والجبهة الشعبية، ومنظمة دستورنا، وأحزاب وهيئات وجهات أخرى؛ حزبَ نداء تونس بأنه يكافئ الجهات التي موَّلته في الانتخابات.
من الممكن القول: إن رجال الأعمال الذين موَّلوا وضخوا أموالاً طائلة في الحملات الانتخابية من أجل وصول طرف بعينه إلى السلطة، هم الآن بصدد قبض الثمن نظير ما أسدوه من خدمات، وطالبت الأحزاب والجهات المذكورة بسحب مشروع القانون، الذي اعتبره رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر قد ساهم في تقسيم المجتمع ويهدد الوحدة الوطنية.
وجاء في بيان لحزب المؤتمر: يعتبر هذا المشروع متعارضاً مع جوهر دستور 27 يناير 2014م، ومع جوهر مسار العدالة الانتقالية المنصوص عليه دستورياً عبر سحب اختصاص النظر في الفساد المالي والاعتداء على المال العام من هيئة الحقيقة والكرامة ومن الدوائر القضائية المتخصصة.
أما القيادي في الجبهة الشعبية التي تضم 6 أحزاب يسارية، الجيلاني الهمامي، فقد اعتبر مشروع قانون المصالحة الاقتصادية وصمة عار في تاريخ "الباجي قايد السبسي"، وفضيحة في وجه الشعب التونسي وثورته وتضحياته، وأن المبادرة بمثابة المسمار في نعش ثورة الشعب التونسي.
الاحتكام إلى الشارع
لم يكتفِ المعارضون لمشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية بمناهضة المشروع تحت قبة البرلمان، ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم تنظيم العديد من الحملات من بينها "ما نيش مسامح"، "لن أسامح"، "وقت نتحاسبوا توا نتصالحوا"، "المحاسبة ثم المصالحة"، "لا لداعس" وهي مختصر "لا لدولة الفساد والسارقين"؛ حيث اعتبر مشروع القانون تبييضاً للفساد، ورمي طوق النجاة للفاسدين، وضرب للعدالة الانتقالية والشفافية، حيث تراجع ترتيب تونس في قائمة منظمة الشفافية الدولية.
ولم يكتفِ المعارضون لمشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية بالمعارضة داخل مجلس نواب الشعب، ومواقع التواصل الاجتماعي، بل نزلوا للشارع في 12 سبتمبر بعد جدال حول التظاهر في ظل حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد، لا سيما بعد تصريحات لوزير الداخلية ناجم الغرسلي، وعدد من قيادات حزب نداء تونس، يؤكدون فيها أن قوات الأمن ستمنع التظاهر في شارع الثورة وفق قانون الطوارئ، وأصدر وزير الداخلية أوامره بذلك فعلاً، لكن رئيس الحكومة حبيب الصيد ألغى قرار وزير الداخلية وسمح بالمظاهرة التي أكدت انقسام المعارضة؛ وهو ما انعكس على عدد الحضور حيث تراوح بين ألفين وثلاثة آلاف متظاهر، وبرر البعض ذلك بحملة التخويف من عمليات إرهابية أثناء المظاهرة.
ومن المفارقات أن وزير الداخلية علق بعد المظاهرة بأن من انتصر اليوم هي تونس الحرية والديمقراطية، وهو ما آثار سخرية المعارضة، وقال الأمين العام للتحالف الديمقراطي، محمد الحامدي: الحمد لله، لولا هذه الأقلية العنيدة التي قلل أنصاركم من شأنها ولم تقنعها تهديداتكم وتنجيماتكم ورفضت محاولتكم مصادرة الشارع لما تحقق هذا النصر.
النهضة مع تعديل المشروع
حزب حركة النهضة التي دعت منذ صدور مبادرة "السبسي" إلى مناقشة المشروع وتعديله، دعت إلى مزيد من الحوار حول قانون المصالحة المالية والاقتصادية، والتريث في عرض مشروع القانون حتى يحقق أوسع التوافقات حوله، وجددت النهضة مساندتها لحكومة الائتلاف بقيادة الحبيب الصيد في إطار الحوار والتناصح البناء والاستقرار.
وأكد حزب الحركة في بيان له شمل موقفه من الأوضاع السائدة في البلاد تمسكه بنهج التوافق سبيلاً لحل الأزمات والاستقطاب، وشدد البيان على أن مشروع المصالحة الاقتصادية يجب ألا يكون قانوناً للعفو عن الذين نهبوا المال العام، بل يجب أن يستهدف تسوية الملفات المالية وإسقاط التتبع القضائي في مقابل إرجاع الأموال المستولى عليها مع خطية مالية عن كل سنة، وهو إجراء جاري العمل به في المنازعات المالية.