العنوان تَكَلَّمْ كَي أَرَاكَ!
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011
مشاهدات 65
نشر في العدد 1934
نشر في الصفحة 44
السبت 08-يناير-2011
من الحياة
من الحكم العربية القديمة قولهم: «تكلم كي أراك!» وهي حكمة تؤكد أهمية الحوار بين الزوجين وضرورة التواصل بينهما.
وفي المقابل تشكو كثير من الزوجات وكثير من الأزواج من الصمت الزوجي، وما يترتب عليه من إرباك للحياة الزوجية وإحداث تصدعات في بنيانها، وتعكير لصفاء أجوائها، وإثارة للشكوك بينهما.
الصمت والطلاق
تشير الدراسات الاجتماعية ونتائج البحوث الأسرية إلى أن الصمت بين الزوجين هو أحد الأسباب الرئيسة المؤدية إلى الطلاق فقد أشارت دراسة أعدتها، «لجنة إصلاح ذات البين» في المحكمة الشرعية السنية بلبنان إلى أن انعدام الحوار بين الزوجين هو السبب الرئيس الثالث للطلاق.
وفي دراسة أخرى أجريت في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، أكد أحد الباحثين أن أهم أسباب الطلاق المبكر هي: عدم النضج، وعدم التفاهم، وصمت الزوج.
كما أشارت الدراسة إلى أن مشكلة انطواء الأزواج وصمتهم في المنزل أصبحت من القضايا التي تخصص لها نقاشات مفردة في الندوات العالمية، وذلك لما لها من تأثير سلبي على نفسية الزوجة والحياة الزوجية بوجه عام.
الرسول الزوج يحاور زوجاته
لقد كان رسول الله ﷺ مثلًا يحتذى في حواره مع زوجاته وتواصله معهن، وفيما يلي بعض المواقف الحوارية بينه وبين بعض زوجاته:
1- حواره ﷺ مع خديجة رضي الله عنها:
لما رجع إليها بعد نزول الوحي، كان
يقول لها: زملوني، ثم أخبرها الخبر، وقال لها: لقد خشيت على نفسي، فردت عليه تطمئنه كلا والله، لن يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق...» (رواه البخاري).
لذلك بقيت ذكرى خديجة رضي الله عنها في قلبه المخلص الوفي، لا تفارقه، كأنها أصبحت جزءا منه، لا تكاد تنفصل عنه، حتى قالت له السيدة عائشة: «كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة!!» ( رواه البخاري).
2- مضاحكته السودة بنت زمعة في الحوار:
فلقد اشتهر عن السيدة سودة رضي الله عنها أنها كانت تضحك النبي ﷺ في حديثها، قالت رضي الله عنها لرسول الله ﷺ: «صليت خلفك البارحة فركعت بي حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم فضحك» (الطبقات لابن سعد).
3- حواره ﷺ مع حفصة رضي الله عنها:
عن جابر بن عبد الله أنه قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها». قالت: بلى يا رسول الله!! فانتهرها، فقالت حفصة: «وإن منكم إلا واردها»، فقال النبي ﷺ: «قد قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم:72) (رواه مسلم).
4- حواره ﷺ مع جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:
فعن جويرية أنها قالت: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا أسبح غدوة، ثم انطلق لحاجته، ثم رجع قريبًا من نصف النهار وأنا أسبح، فقال: «ما زلت قاعدة؟» قلت: نعم، فقال: «ألا أعلمك كلمات لو عدلت بهن - أو لوزن بهن - وزنتهن، وهي: سبحان الله عدد خلقه ثلاث مرات، سبحان الله زنة عرشه ثلاث مرات سبحان الله مداد كلماته ثلاث مرات» (رواه مسلم).
وعن جويرية أيضا أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري إذا» (رواه البخاري).
5- حواره ﷺ مع زينب بنت جحش رضي الله عنها:
عن زينب بنت جحش قالت استيقظ رسول الله ﷺ محمرًا وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق». قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث» (متفق عليه).
6- حواره ﷺ مع ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها:
فعن ميمونة قالت خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة من عندي، فأغلقت دونه الباب فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له فقال: «أقسمت إلا فتحته لي». فقلت له: تذهب إلى أزواج في ليلتي هذه؟ قال: «فعلت ولكن وجدت حقنًا من بولي» (الطبقات لابن سعد ).
7- حواره ﷺ مع عائشة رضي الله عنها:
تعددت حوارات النبي ﷺ مع عائشة رضي الله عنها، فهي أحب زوجاته إلى قلبه، لذا كان دائمًا يناجي ربه، فيذكر أنه ﷺ يعدل فيما يملك- وهو الجانب المادي - بين زوجاته، ويطلب العفو من ربه فيما لا يملك، وهو القلب، إذ كان يميل أكثر إلى عائشة رضي الله عنها عاطفيًا، وفيما يلي مقتطفات منوعة لحواراته ﷺ معها رضي الله عنها.
- حواره الترفيهي مع عائشة:
فعن عائشة رضي الله عنها، دخل رسول الله ﷺ يومًا وأنا ألعب بالبنات، فقال: «ما هذا يا عائشة؟». فقلت: خيل سليمان، فضحك. (الطبقات لابن سعد ).
- حواره الديني مع عائشة:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون:60)، فقلت يا رسول الله أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله تعالى؟ قال: «لا، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله تعالى ألا يتقبل منه» ( رواه أحمد).
- حواره العاطفي مع عائشة:
تقول عائشة رضي الله عنها: دخل علي يومًا رسول الله، فقلت أين كنت اليوم؟ قال: «يا حميراء - وحميراء كلمة تدليل وغزل ووصل لها؛ لأنها كانت بيضاء مشوبة بحمرة - كنت عند أم سلمة». فقلت وما تشبع من أم سلمة؟ «فتبسم». فقلت: يا رسول الله ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين؛ إحداهما لم ترع والأخرى قد رعيت، أيهما كنت ترعى؟ قال: «التي لم ترع». قلت فأنا لست كواحدة من نسائك، كل امرأة من نسائك قد كانت عند رجل غيرك قالت فتبسم رسول الله ﷺ. (الطبقات لابن سعد)، والعدوة بضم العين وكسرها هي حافة الوادي أو المكان المرتفع، والمقصود بها هنا مكان به مرعى ولقد كانت رضي الله عنها تكرر هذا الموقف وذلك السؤال تدللًا على النبي ﷺ، وتأكيدًا لحبه لها، فقد روى الإمام البخاري أنها قالت للنبي ﷺ: «أرأيت لو نزلت واديًا، وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: «في الذي لم يرتع منها». (رواه البخاري).
وأرادت رضي الله عنها أن تتعرف مكانتها في قلب النبي ﷺ بالقول الصريح، فسألته كيف حبك لي؟ قال: «كعقدة الحبل». فكانت تسأله كثيرًا بعد ذلك: كيف عقدة الحبل يا رسول الله؟ فيقول: «على حالها».
وهذا - وإن كان يرضيها - لا يكفيها، فهي تريد أن تطمئن إلى قربها منه ﷺ في الجنة فتسأله من من أزواجك في الجنة؟ فيقول لها ﷺ: أنت منهن».
- حواره ﷺ مع عائشة رضي الله عنها عند الغضب:
لقد كان رسول الله ﷺ راقيًا في حواراته مع زوجاته عند الغضب فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا غضب من عائشة وضع يده على منكبها، فقال: «اللهم اغفر لها ذنبها، وأذهب غيظ قلبها. وأعذها من مضلات الفتن» ( الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين).
ومن حواره ﷺ مع عائشة رضي الله عنها قوله: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبي»، قلت كيف يا رسول الله؟ قال: «إذا كنت عني راضية قلت: لا ورب محمد، وإذا كنت على غضبي قلت: لا ورب إبراهيم». قالت: أجل والله ما أهجر إلا اسمك» ( رواه البخاري ومسلم).
إن هذا الموقف رسالة إلى كل زوجة في حوارها مع زوجها عند الغضب من الزوج فما أرقى هذا الحوار لعائشة: « أجل والله ما أهجر إلا اسمك».
- حواره ﷺ مع عائشة رضي الله عنها عند غيرتها:
كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تغار على النبي ﷺ من فرط حبها له، ومن ذلك أنه خرج من عندها ليلًا، قالت فغرت عليه، قالت: فجاء فرأى ما أصنع فقال: ما لك يا عائشة؟ أغرت؟، فقالت: فقلت وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ: «أفأخذك شيطانك؟»، قالت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟ قال: «نعم» قلت: ومع كل إنسان؟ قال: «نعم». قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم، ولكن ربي عز وجل أعانني عليه حتى أسلم» ( فقه سيرة نساء النبي).
وعن عائشة قالت: لما كانت ليلتي كان النبي ﷺ فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعله، فوضعه عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا وانتقل رويدًا، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدًا فجعلت درعي في رأسي، واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال: « ما لك يا عائش حشيًا رابية؟» قلت: لا شيء. قال: «لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير» قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته. قال: «فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟»، قلت: نعم. فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: «أظننت أن الله عليك ورسوله؟» قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم. قال: «فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني»، فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي. فقال: «إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفري لهم». قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون» (رواه مسلم).
الحوار وحل الخلافات العائلية
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ علي وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟» قالت: سبتني فاطمة فدعا فاطمة، فقال: يا فاطمة سببت عائشة؟ فقالت: نعم يا رسول الله، فقال: «ألست تحبين من أحب؟»، قالت: بلى، قال: «وتبغضين من أبغض.؟». قالت: بلى، قال: «فإني أحب عائشة فأحبيها». قالت: فاطمة رضي الله عنها: «لا أقول لعائشة شيئًا يؤذيها أبدًا». (رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل