; ثالثة الأثافي | مجلة المجتمع

العنوان ثالثة الأثافي

الكاتب عبدالقدوس أبو صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

مشاهدات 82

نشر في العدد 890

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

إن المتتبع لحركة الغزو الفكري الذي شنه الغرب على العالم العربي يلحظ أن هذا الغزو اعتمد على بث دعوات فكرية رئيسة، أراد لها أن تكون بديلًا عن عقيدة الأمة، أو تكون على الأقل عاملًا على إبعاد العرب عن التمسك بهذه العقيدة التي هي مسوغ وجودهم، وعامل توحيدهم، وهي التي تمدهم كلما رجعوا إليها بالنور الذي يخرجهم من التيه، وبالحيوية التي تجعلهم ينتفضون من جديد مهما تكالبت عليهم الأمم، ودب فيهم الوهن.

ولعل أول ما بثه الغرب المتربص بالعالم الغربي تلك الدعوة إلى القومية الجاهلية لتكون بدلًا من الإسلام، وقد أدت هذه الدعوة دورها في إثارة النعرات العنصرية وفي القضاء على الخلافة ثم في سقوط القدس؛ حيث أعلن الجنرال اللنبي قوله: «الآن انتهت الحروب الصليبية».

واستمر دور القومية الجاهلية في المناداة بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة وفي التمهيد لتيار التغريب وآثاره المدمرة.

ولما أدت الدعوة إلى القومية الجاهلية أغراضها هيأ أعداء الإسلام لطرح دعوة ثانية وهي الاشتراكية التي جاء في بروتوكولات حكماء صهيون أنها أنجع وسيلة لتخريب العالم العربي تمهيدًا لسيطرة اليهود وتحقيق مخططاتهم التوسعية. ومن هنا قال أحد منظري الدعوة إلى القومية العربية وهو الدكتور قسطنطين زريق: «إن القومية العربية لم تكن قادرة على تحمل ثقل المذهب الاشتراكي بحيث أخلت مكانها للاشتراكية التي حلت بسرعة محل القومية العربية».

وقد أدت الاشتراكية أيضًا دورها الأثيم في تخريب معظم الدول العربية وضياع ثرواتها وتحكيم الأنظمة الديكتاتورية فيها مما سبب الهزائم المتلاحقة أمام إسرائيل.

ولما ثبت فشل الأنظمة الاشتراكية، وافتضح الدور المرسوم لها جاءت ثالثة الأثافي وهي الدعوة إلى الحداثة التي تسللت كالذئب في ثياب الحمل؛ إذ اتخذت لبوس الأدب مدعية أنها مجرد دعوة إلى التجديد، وبذلك حققت أمرين اثنين: أولهما: استهواء الأعداد الهائلة الذين تدفعهم حيوية الشباب إلى رفض التقليد والتطلع إلى كل جديد، دون تمعن وترو فيما يطرحون من أصالة القديم، وفيما يقبلون عليه من أمر الجديد الذي ربما دس فيه السم في الدسم، وثانيهما: إخفاء أهدافها المخربة التي تريد تحقيقها على المدى البعيد، فهي لا تفصح عن غاياتها جملة واحدة، بل تأخذ في كل بلد الشكل الذي يناسب ظروفه، وتندرج في تحقيق مآربها تدرجًا حذرًا، وربما انكفأت على نفسها حين ترى معارضة قوية أو انفضاحًا لنواياها الخبيثة، وقد كان من مظاهر تخفيها ونفاق القائمين بها وحذرهم أنها ادعت الاهتمام بتجديد الشكل، بينما كانت تهدف إلى المضمون الفكري، بل إن دعوتها إلى تجديد الشكل لم تكن استجابة لتغير الحياة بمقدار ما كانت دعوة شعوبية تريد هدم الشعر العربي؛ لأن فيه الشواهد التي فسر بها القرآن أو دعمت بها قواعد لغة القرآن، بل إنها أعلنتها حربًا سافرة حين نادت بتفجير اللغة تفجيرًا يقضي على نحوها وصرفها وبلاغتها، ويحيلها إلى لغة مشوهة عجماء أو إلى عامية مسفة رعناء، ليكون من وراء ذلك كله إبعاد العرب عن القرآن، وتقسيم لغتهم إلى لغات متعددة تمهيدًا لتمزيقهم إلى شعوب متناكرة أسوة بما حدث في أوروبا؛ إذ كان انقسام اللغة اللاتينية إلى لهجات متعددة مساعدًا على إقامة دويلات متعددة، فإذا جئنا إلى مضمون الحداثة كفانا أن نستشهد بقول الناقد الإسلامي الكبير الدكتور مصطفى هدارة إذ يقول: «الحداثة اتجاه فكري أشد خطرًا من الليبرالية والعلمانية والماركسية وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة؛ ذلك أنها تتضمن كل هذه المذاهب والاتجاهات، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني أو النقد الأدبي، ولكنها تعم الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء.

الرابط المختصر :