; فقه الحرية.. والغش الثقافي! | مجلة المجتمع

العنوان فقه الحرية.. والغش الثقافي!

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 114

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 13-أبريل-1993

غريب أمر بعض الكتاب في هذا الزمان! يتركون القضايا الحيوية والأساسية التي تؤرق الأمة، وتهدد كيانها، وتبدد أحلامها، ويفرغون لتحطيم ما تبقى من قيمها المضيئة وأخلاقها المثمرة ومعتقداتها الإيجابية.. لماذا؟ الله وحده أعلم.

ولا أظن ما نشر حول بعض الكتابات الرخيصة والرديئة التي نشرت مؤخرًا في مجلات رسمية، ثم الدفاع عنها بشراسة وتزييف وتزوير إلا دليل خراب قادم يؤذن بزوال ما تبقى لدينا من عناصر التماسك والصمود في مواجهة محنة حضارية ضارية.

ولا ريب أن قضية الحرية في التعبير والممارسة على المستوى الشخصي والصعيد الجماعي، تمثل هدفًا أو غاية يسعى إليها الناس جميعًا، وبخاصة الأدباء والمثقفون وحملة الأقلام، وإذا تخلى الكاتب أو المثقف أو الأديب عن هذه الغاية أو ذلك الهدف، فإنه يخون الرسالة التي يحملها وينقلها إلى المجتمع، مبشرًا ونذيرًا، في الإطار الفني الذي يجيده ويتفوق فيه.

وإذا كان ذلك بديهيًا ومفروغًا منه، فإننا نود أن نسأل البعض: هل الدفاع عن حرية المجتمع أولى بالجهد والوقت أم الدفاع عن حرية سب الذات الإلهية؟ هل قضايا الأمة وأحزانها وآلامها أولى بالتعبير والتقديم أم الدعوة إلى الحرية الجنسية الفجة والترويج للممارسات السلوكية الشاذة الرخيصة؟

إننا لا نفرض على أحد تصورًا بعينه، ولا منهجًا بذاته، وإلا كنا ضد الحرية وفقهها، ولكننا في الوقت ذاته لا نريد من أحد أن يعتدي على حرياتنا ومشاعرنا أو يؤذي بصائرنا وحواسنا، وتلك أبسط الصيغ لفقه الحرية، وما عدا ذلك فإنه يعد من قبيل التطرف السلوكي والإرهاب الفكري والغش الثقافي.

ولا شك أن الأدب العربي يمثل -على مدى تاريخه الطويل- وظيفة اجتماعية لا يمكن -أيًا كانت الاستثناءات- أن نتجاهلها أو نغفل عنها، وهذه الوظيفة ليست من قبيل الوجاهة أو الديكور -وإنما تدخل في صلب الحركة الاجتماعية ونسيجها، منذ كان الشاعر لسان القبيلة أو وزير إعلامها، حتى يومنا الذي صار فيه الأديب بعامة والشاعر بخاصة رائد يقظة وباعث نهضة وقائد ثورة، في إطار جمالي يتناغم مع مزاج الأمة وأحاسيسها وتقاليدها.

فإذا جاء اليوم من يجرد الأدب من وظيفته أو يعفيه من مهمته تحت دعاوى الإبداع والحرية فلابد أن نتصدى له ونقف أمامه ونناقشه ما يقول؛ لأن المسألة لا تتعلق بشخص ما، أو هيئة ما، ولكنها ترتبط بمصير أمة وحياتها.

لا شأن لنا بالعبث ولا علاقة لنا بالشكلانية الغبية، فهما من الترف الذي لا تحتمله أمة تحاول أن تلملم شتاتها، وتتماسك، لتنهض مرة أخرى في مواجهة المحن والآلام والتقهقر، فضلًا عن أن نسبة الأميين لا تجيز مثل هذا التزيد الذي يحول الأدب إلى «لعبة سرية» لا يمارسها إلا نفر قليل، لا يؤثرون في مزاج المجتمع العام، وإن كانوا بالطبع يعكرونه ويكدرونه.

والسؤال الآن: هل يجوز أن نتسامح مع الكتابات التي جعلت همها الأول والأساسي هو التجديف في ذات الله، ووصف الاتصال الجنسي الفج دون مبرر فني؟

وهل إذا تصدينا لهذه الكتابات نكون «محاكم تفتيش» جديدة في القرن العشرين؟

ثم نوصم بالتخلف والرجعية والردة والظلامية.. إلى آخر القاموس البذيء الذي يصكه البعض ضد مخالفيهم والمتمردين على فكرهم الإرهابي السليط؟

إن ذات الله في الدين الإسلامي مصونة مقدسة، والأغلبية الساحقة في الوطن العربي من المسلمين وغيرهم لا تجيز شرائعهم لأحد أن ينالها بسوء، فكيف يتجرأ البعض على النيل من الذات الإلهية، ولا ينتظر من تلك الأغلبية ردًا ولا صدًا؟

من حق الجماهير التي تؤمن بالله أن تحتج وتعترض دون أن يكون ذلك «محكمة تفتيش» أو وأدًا لحرية الإبداع، المزعوم... فهؤلاء المتجرئون على الله، لا يستطيعون ولا يقدرون أن يخدشوا إحساس طاغية من الطغاة يخشون بأسه أو يطمعون في خيره، فكيف لهم بالجرأة على الله؟

وما تأويل ذلك الافتئات على الله إلا محاولة ساذجة لا تقنع من يفكون الخط فضلًا عن غيرهم من المثقفين؛ لأن ما يقوله أصحاب الكتابات الآثمة والسافلة صريح في جراءته وافتئاته وتجديفه.

أما موضوع الجنس، فقد عالجه القرآن الكريم بوضوح، وتحدثت عنه كتب الفقه الإسلامي بصراحة سبقت المدارس الغربية الحديثة، ولكن في الإطار الذي تفرضه الآداب العامة والذوق العام وما تفرضه الفطرة السوية التي تأبى القبح والدمامة والشناعة..

دعونا نقل مثلًا.. هل يقبل أحد أن يرى شخصًا يقضي حاجته في الطريق العام؟

والإجابة بالنفي طبعًا، لأن الآداب العامة تقتضي الحرص على مشاعر المجتمع وأحاسيسه والخروج عليها يفرض نوعًا من العقاب يرتبه القانون.

الكتابات التي نشرت مؤخرًا في بعض المجلات الرسمية ليست أدبًا ولا علاقة لها بالأدب، وإنما هي خروج عليه، وجرح للذوق العام، وللآداب العامة، والتغطية عليها ليست في ساحة النقد الأدبي المتهافت، أو الدفاع الصحفي الغشوم، بل في ساحة القضاء؛ لأنها مخالفة صريحة للآداب العامة، وتصنف تحت «فعل فاضح في الطريق العام».

ماذا يعني -أيها السادة- أن نرى كلامًا غير فني يصف اتصال رجل بامرأة بطريقة فجة ووقحة؟

لقد كان أجدادنا يقولون شعرًا ونثرًا ووصفوا الجنس أوصافًا عديدة لا حصر لها، ولكنهم في كل الأحوال كانوا يتغيون غاية ويهدفون إلى هدف، أما خلفهم الطالح، فقد جعل الجنس الفج والشاذ غاية في حد ذاته، ثم يتيه بنشر وقاحته على صفحات رسمية تملكها الأمة وتنفق عليها، فأي حرية تلك، وأي إبداع هذا؟

إن هذه اللوثة التي أصابت بعض الأشخاص ينبغي أن تتوقف كما ينبغي أن يتوقف الدفاع المتهافت عن أصحابها، لأن أصحاب هذا الدفاع غير مؤهلين للكلام عن الحرية والإبداع، لسبب بسيط جدًا، وهو أنهم عملوا في خدمة أعداء الحرية وأعداء الإبداع معًا، ثم إنهم صاروا أغنياء جدًا -بعد فقر مدقع جدًا- نتيجة لخدمة الطواغيت الذين أجرموا في حق الله والبلاد والعباد، وللأسف فلم تكن لديهم فضيلة الوفاء لهؤلاء الطواغيت حين تغيرت بهم الأحوال وتبدلت بهم المواقع والحظوظ.

فالشخص الذي يتشدق بالحديث عن الحرية والإبداع، وهو يخدم الطاغية البعثي «صدام حسين» مثلًا، لا يمكن أن نصدق حديثه أو كلامه مهما برع في لف حديثه بأحدث الأساليب وألوان البيان، والشخص الذي يتقلب في الولاء بين النفط التقدمي والنفط الرجعي مثلًا، لن يقنعنا -ولو لمرة واحدة- أنه صادق في دفاعه عن الحرية والإبداع، وخاصة حين يدافع عن التجديف في ذات الله، وتصوير الجنس بصورة فجة ووقحة ومثيرة للاشمئزاز.

والشخص الذي يعمل صبيًا لامرأة قبيحة الفكر مثلًا، لا نستطيع أن نفقه حديثه أو صراخه لإنقاذ الحرية والإبداع في الوقت الذي يقنن فيه الاستبداد والاتجاه الواحد والعداء الصارخ لمنهج الحرية في جوهره العريض.

إن الدفاع عن الحرية والإبداع يقتضي عدم التناقض بين التصور والتطبيق، كما يقتضي أن تكون السماحة حقيقة واقعة في الممارسات اليومية والفكرية تجاه «الآخر»... ولكن الإصرار على التناقض ومصادرة «الآخر» يمثل نكسة كبيرة في مجالي الفكر والإبداع جميعًا بل يحول المسألة إلى حالة «غش» ثقافي، يجب ضبطها وتقديم أصحابها إلى مجلس تأديب يقضي على الأقل بحرمانهم من الوصاية على فكرنا وأدبنا وثقافتنا.

إن العصر لم يعد يسمح باستمرار الرأي الواحد والتصور الواحد.. كذلك فإن من العار على أمة مثل أمتنا ألا تجد من كتابها وأشباههم غير هجاء دينها وانتهاك حرماتها والسخرية من أخلاقها، وهو ما لا نجد له مثيلًا في أمة أخرى على وجه الأرض وأظن أن الأمة تحمل ذاكرة قوية بالرغم مما تبدو عليه أحيانا من ضعف وترهل، وهذه الذاكرة تجعلها قادرة على الفرز والتمييز، وأيضًا الدفاع عن هويتها وتأديب المستهزئين بها.

قد يتصور البعض أن المغالبة بالصوت العالي، وتسخير الأتباع والأشياع هنا وهناك للتشهير بالمخالفين، قد يحقق مكاسب على المدى الطويل، ويتيح إزاحة الحقائق الراسخة، ولكن ذلك وهم، لم يكن له، في يوم من الأيام البعيدة أو القريبة، أي ظل في الواقع.

إن الحرية أكبر من الإلحاد والانحلال ومجالها واضح وواسع ومن يتعرف عليها سيعرف طريقه إلى الإبداع الحقيقي والفن الحقيقي.

اقرأ أيضًا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2121

104

الأحد 01-يوليو-2018

حُداءُ الشِّعْرِ محمودُ

نشر في العدد 2114

142

الجمعة 01-ديسمبر-2017

حضارتُنا عِلْمٌ وإبداعٌ

نشر في العدد 42

382

الثلاثاء 05-يناير-1971

رِسَالَةٌ إِلَى الْحَجِيج (شعر)