; ثلاث قضايا مثيرة للجدل في البوسنة.. تشكيل الحكومة، واستسلام بلافاشيتش، وزيارة كوشتونيتسا | مجلة المجتمع

العنوان ثلاث قضايا مثيرة للجدل في البوسنة.. تشكيل الحكومة، واستسلام بلافاشيتش، وزيارة كوشتونيتسا

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001

مشاهدات 58

نشر في العدد 1436

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 30-يناير-2001

أثارت زيارة الرئيس اليوغسلافي فويسلاف كوشتونيسا لسراييفو في التاسع عشر من يناير الجاري جدلًا واسعًا داخل البوسنة والهرسك، بسبب رفضه تقديم اعتذار للمسلمين عن الجرائم التي اقترفها الحرب ضد المسلمين هناك، كما مثلت عملية تسليم بليانا بلافاشيتش نفسها لمحكمة جرائم الحرب في لاهاي تطورًا آخر في بنية الموقف الصربي من عملية تسليم مجرمي الحرب للمحاكمة في لاهاي، في حين لم تسفر مساعي المعارضة حتى الآن عن تشكيل الحكومة الجديدة في البوسنة والهرسك وسط أجواء توحي بأن هناك مفاجأة ما قد تحدث في البوسنة والهرسك من شأنها قلب الموازين رأسًا على عقب.

تلاعب كوشتونيتسا: وقد حفلت تصريحات الرئيس اليوغسلافي في سراييفو بتناقض حيال الدولة البوسنية والوجود الصربي، فقد أكد التزامه باتفاقية دايتون للسلام، التي وصفها بأنها إحدى الدساتير التي يجب أن تعيش يوغسلافيا في ظلها ووصف العلاقة بين البوسنة والهرسك ويوغسلافيا بأنها في غاية الأهمية، وتعد ركيزة أساسية لاستقرار منطقة البلقان، لكنه أعقب ذلك بتصريح تحدث فيه عن عزم بلجراد تقوية علاقاتها بصرب البوسنة والهرسك، وكل الصرب المتفرقين في منطقة البلقان في تناقض واضح مع التزامه بسيادة البوسنة والهرسك، حيث قال: العلاقة الخاصة بين يوغسلافيا والجمهورية الصربية في البوسنة لا تمت بصلة لموضوع وحدة البوسنة والهرسك.

كما لم يجب بصراحة عن موقفه من تسليم مجرمي الحرب وفي مقدمتهم الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان میلوسوفيتش ورادوفان كرانيتش، والجنرال راتكو ملاديتش، وربما شجعه على ذلك قيام الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون برفع العقوبات عن يوغسلافيا تمهيدًا لعلاقات جديدة بين البلدين، واستثنى من ذلك الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش و (۸۱) عنصرًا من أتباعه المتورطين في جرائم حرب، تلك الجرائم التي رفض فويسلاف کوشتونيتسا مقارنتها بجرائم النازية أو وصفها بالفاشية، الأمر الذي دفع بعض الجهات -ومن بينها مراقبين في الجبل الأسود- لوصف فويسلاف کوشتونيتسا بأنه يمثل خطورة تفوق ما كان يمثله سلوبودان ميلوسوفيتش، ويدعم ذلك رفضه تقديم اعتذار للمسلمين على ما اقترفه الصرب من جرائم في حقهم، وبناء على ذلك رفض رئيس العلماء في البوسنة والهرسك الدكتور مصطفى تسيريتش مقابلة فويسلاف كوشتونيتسا، الذي التقى بابا الأرثوذوكس في البوسنة والهرسك نيكولاي ميرجا والكاردينال الكاثوليكي بوليتش، وفولفغانغ بيتريتش ممثل المجموعة الدولية (لجنة الاتصال سابقًا) وجون بول كلاين- ممثل الأمم المتحدة، وروبرت بيري- رئيس بعثة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في البوسنة والهرسك، وقد برر کوشتونینا رفضه تقديم اعتذار بما هو أقبح من الرفض، حيث قال «ذكر الضحايا يضر بالعلاقات بين البوسنة ويوغسلافيا»، في حين صرح لتلفاز صرب البوسنة بأن «قصف الناتو للصرب هو دين لنا على دول حلف الناتو ولن ننساه»، ثم عاد لتناقضاته عندما قال: «انفصال الجبل الأسود سيغير خريطة المنطقة بأكملها في تلميح لاحتمال انفصال الحرب عن البوسنة والهرسك، وهو ما حاول أن يتجنب الحديث عنه بصراحة عندما سألته المذيعة عما يقصده بالضبط فقال: هناك الألبان في مقدونيًا مثلًا.

 رئيس علماء البوسنة والهرسك الذي رفض مقابلة كوشتونيتسا قال: «كوشتونیسا يجب أن يعلم أننا لم ننس أن سراييفو التي قدم إليها كانت محاصرة أربع سنوات، وقتل فيها عشرة آلآف طفل وامرأة وعجوز، ومع ذلك رفض الاعتذار لضحاياها، والذين بسببهم تم اتهام يوغسلافيا باقتراف جرائم حرب من قبل محكمة لاهاي، إنه لم يجبر على تقديم اعتذار لأن الصرب لم يقتلوا الفرنسيين والإنجليز، ولم يغتصبوا الفرنسيات والإنجليزيات، وإنما قتلوا المسلمين واغتصبوا المسلمات، ولم يهدموا الكنائس، وإنما هدموا المساجد، حقيقة لم يجبر كوشتونيتسا على الاعتذار، وإنما أجبر المسلمون على الموافقة على توقيع ثلاث اتفاقيات تجارية وجمركية وسياسية مع بلجراد حيث ستفتح سفارتان للبلدين في نهاية هذا الشهر في كل من بلجراد وسراييفو.

عملية فدائية:

 القضية الثانية المثيرة للجدل في البوسنة والهرسك، سيما في الجانب الصربي هي تسليم مجرمة الحرب بليانا بلافاشيتش نفسها لمحكمة مجرمي الحرب، وتبلغ بلافاشيتش (٧٠) سنة، وظلت نائبة لرادوفان كراذيتش طيلة فترة العدوان الصربي على المسلمين في البوسنة والهرسك، وكانت تشارك في كل قرارات الإبادة والعدوان التي ارتكبها الصرب، مشجعة الجنود والمليشيات الصربية على اقتراف أبشع الجرائم، وفي نهاية القتال وتحديدًا في سنة ١٩٩٧م دب الخلاف بين المجرمين حول المناصب والأموال كما هي عادة العصابات الإجرامية في الحكم، وفرت من مدينة بالي إلى بنيالوكا، وكونت حزب الشعب الصربي، وقد خاضت في سنة ١٩٩٨م الانتخابات للفوز برئاسة وزراء الصرب، ولكنها خسرتها أمام نيكولا بوبلاشين.

 لكن لماذا قدمت بليانا بلافاشيتش نفسها للمحكمة الآن، وليس منذ سنوات خلت، وقد مضى على اتفاقية دايتون للسلام أكثر من خمس سنوات؟ هناك شعار يرفعه الصرب ويعبرون به عن أنفسهم وهو بالاتحاد ينتصر الصرب، ولقد طبقت بليانا بلافاشيتش هذا الشعار مؤخرًا، بعد أن دب النزاع والخلاف داخل الائتلاف الحاكم في بلجراد حول قضية تسليم مجرمي الحرب، وكان عقد الائتلاف ينفرط بسبب ذلك، وتعود الفوضى إلى ساحات بلجراد، فكان تسليم بليانا لنفسها في هذا السن المتقدم حافزًا وعاملًا من عوامل عودة اللحمة والتراص للصف الصربي، والتعبير عن موقف واحد وهو التسويف أحيانًا، والرفض أحيانًا أخرى لتسليم مجرمي الحرب، وشهدت الساحة الصربية تطورات عقب ذلك تمثل في لقاء غير متوقع بين فويسلاف كوشتونيسا، والرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش في القصر الرئاسي، ودافع كوشتونيتسا عن ذلك بقوله: «ما كان يبغي لي  أن أرفض مقابلة زعيم أكبر حزب معارض في وغسلافيا».

 ومن المحتمل أن تموت بليانا بلافشيتش العجوز والمطلقة منذ (٣٠) عامًا في السجن في عملية فدائية درامية تضاف للتاريخ الدموي والدرامي للصرب.

مفاجآت منتظرة:

 في ١١/١١ /٢٠٠٠م تحت الانتخابات العامة في البوسنة والهرسك، وبعد أسبوع تقريبًا ظهرت النتائج التي لم تمكن أي حزب من الفوز بالأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، مما دفع الأحزاب الكبيرة للبحث عن حلفاء لتشكيل حكومات والأقاليم وحكومتي الكيانين الفيدرالي والصربي والحكومة المركزية في البوسنة والهرسك، ولقد نجحت مساعي منظمة الأمن والتعاون الأوروبي -والمجموعة الدولية التي تمثلها ست دول أوروبية والولايات المتحدة وروسيا- في جمع المعارضة في تكتل واحد أطلق عليه «التكتل من أجل التغيير» الهادف لإبعاد حزب العمل الديمقراطي من الحكم، ورغم مضي أكثر من شهر على الانتخابات وقرابة الأسبوعين على إعلان التكتل إلا أن الحكومة لم تتشكل بعد بسبب الخلافات بين عناصر المعارضة، التي تضم عشرة أحزاب من بينها حزبان كبيران نسبيًا، هما: حزب حارث سيلاجيتش المسمى «من أجل البوسنة»، «والحزب الاشتراكي الديمقراطي» وتطالب الأحزاب الثمانية الصغيرة الأخرى بحقيبة وزارية لكل منها، مما يعني أن الحزبين الكبيرين نسبيًا لن يقتسما الحكم أو على الأقل لن ينالا نصيب الأسد في كعكة السلطة، ناهيك عن الخلافات الأيديولوجية بين الأحزاب المتكتلة، والتي لا يجمع بينها سوى وظيفة إسقاط حزب العمل الديمقراطي الذي يتزعمه علي عزت بيجوفيتش، لكن حدوث المفاجأة غير مستبعد بعد أن وجدت الأحزاب التقليدية الكبيرة نفسها مستهدفة، وقد رميت من قوس واحدة، مما يرجح احتمال تحالفها من أجل البقاء في السلطة، خاصة بين التجمع الكرواتي الديمقراطي وحزب العمل الديمقراطي، وكان الحزب قد أعلن سابقًا أنه يفضل الانسحاب من الحكم على أن يتحالف مع أحزاب تعمل على تفتيت البوسنة والهرسك، ومن بينها التجمع الكرواتي الديمقراطي، إلا أن الأخير قد أطلق مؤخرًا مجموعة من البالونات السياسية التي تتراوح بين الوعد والوعيد، وبين التغني بالبوسنة الموحدة والمطالبة بكيان ثالث داخل البوسنة والهرسك على غرار الصرب في حال استبعد من الحكم، لكن الخلاف الذي شب بين التكتل المعارض ومجلس الرئاسة البوسنوي حول من يرأس الوزراء في الحكومة المركزية، ووقوف حزب العمل مع مرشح التجمع الديمقراطي الكرواتي مارتين رغوج- يفيد بأن هناك صفقة مفاجئة بين حزب العمل الديمقراطي والتجمع الكرواتي لاتزال تطبخ على نار هادئة، خاصة بعد الزيارة الخاطفة التي قام بها راغوج للرئيس علي عزت في مكتب حزب العمل في سراييفو، ودامت المقابلة خمس عشرة دقيقة، وكان الرئيس علي عزت قد حذر من استبعاد التجمع الكرواتي الذي يحظى بأغلبية الكروات، وخطورة ذلك على وحدة البوسنة والهرسك في غياب أحزاب كرواتية وحدوية قوية تنافس التجمع الكرواتي.

 مهما يكن فإن الأحداث القادمة ستكشف حقيقة التحركات الجارية التي تقلق المعارضة والغرب؛ مما جعل الكثير من الأطراف يستحث الخطى لتشكيل الحكومة الجديدة.

 ويبقى السؤال المطروح وهو: ما موقف الغرب في حال نجح الحزبان الكبيران في توحيد أصواتهما والإطاحة بالشكل المعارض؟

 وسواء نجح حزب العمل في التحالف مع التجمع الكرواتي لتشكيل الحكومة أو نجحت المعارضة المدعومة من قبل الغرب في تشكيلها، ففي الحالتين تدخل البوسنة مرحلة جديدة من الحياة السياسية.

الرابط المختصر :